إجابات‭ ‬لبياض‭ ‬أسئلة‭ ‬محذوفة- علي السوداني

لست‭ ‬ميالاً‭ ‬لتوصيفي‭ ‬بالكاتب‭ ‬الساخر‭ ‬وحبسي‭ ‬في‭ ‬جدران‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬تالياً‭ ‬إلى‭ ‬جنس‭ ‬أدبي‭ ‬يصعب‭ ‬الفكاك‭ ‬منه‭ . ‬لنسميها‭ ‬السخرية‭ ‬المرة‭ ‬أو‭ ‬الدعابة‭ ‬السوداء‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬الغاضبة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬كتفيها‭ ‬وجعاً‭ ‬وحزناً‭ ‬إن‭ ‬أنزلته‭ ‬فوق‭ ‬جبل‭ ‬لصيّره‭ ‬تراباً‭ ‬ورماداً‭ .‬

أما‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬الفصيح‭ ‬الصافي‭ ‬والشعبي‭ ‬الدارج‭ ‬فهو‭ ‬قليل‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬تسقط‭ ‬بعض‭ ‬العاميات‭ ‬وتلوذ‭ ‬أحياناً‭ ‬بثنيات‭ ‬نصوصي‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬حقيقي‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬القارئين‭ ‬من‭ ‬العامة‭ ‬والنخبة‭ ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إفراطاً‭ ‬وكثرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اشتبهت‭ ‬عليهم‭ ‬المفردة‭ ‬العامية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬جذر‭ ‬لها‭ ‬بالفصيح‭ ‬المعروف‭ ‬،‭ ‬والتبست‭ ‬تفاسيرهم‭ ‬حول‭ ‬مفردات‭ ‬أستعملتها‭ ‬وقد‭ ‬حسبوها‭ ‬على‭ ‬خان‭ ‬الدارج‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬،‭ ‬والحق‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬أو‭ ‬جلها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬منحوتات‭ ‬لغوية‭ ‬صحيحة‭ ‬قائمة‭ ‬ببطن‭ ‬الصحاح‭ ‬أو‭ ‬القديم‭ ‬وقد‭ ‬هجرتها‭ ‬الناس‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬جيء‭ ‬على‭ ‬رسمها‭ ‬وذكرها‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬الحديثة‭ ‬،‭ ‬ابتسموا‭ ‬وارتاحوا‭ ‬وقالوا‭ ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬قد‭ ‬باعنا‭ ‬بعض‭ ‬كلمات‭ ‬مستلة‭ ‬من‭ ‬مصطبة‭ ‬الشارع‭ ‬ولغته‭ ‬الممكنة‭ !!‬

أنا‭ ‬معك‭ ‬تماماً‭ ‬بأن‭ ‬تجربتي‭ ‬القصصية‭ ‬وما‭ ‬جاورها‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬كتابية‭ ‬اخرى‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬حقها‭ ‬المشروع‭ ‬والعادل‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬النقدية‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬مائدة‭ ‬النقد‭ ‬الآن‭ ‬غاصة‭ ‬بالأخوانيات‭ ‬المبتذلة‭ ‬والمجاملات‭ ‬السائبة‭ ‬وجبر‭ ‬خواطر‭ ‬الكتاب‭ ‬الجدد‭ ‬الأغضاض‭ ‬،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الناقد‭ ‬صار‭ ‬يدمغ‭ ‬نصك‭ ‬الأدبي‭ ‬الخالص‭ ‬بنصك‭ ‬الجرائدي‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬هتاف‭ ‬عال‭ ‬ضد‭ ‬الغزاة‭ ‬والقتلة‭ ‬والفاسدين‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬النقدة‭ ‬قبائل‭ ‬تكتب‭ ‬بطريقة‭ ‬تشبه‭ ‬جداً‭ ‬ما‭ ‬يكتبه‭ ‬شعراء‭ ‬ساجدون‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬السلطان‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬الطعام‭ ‬الكثير‭ ‬والشراب‭ ‬الوفير‭ ‬وصرر‭ ‬الذهب‭ ‬والدينار‭ .‬

نحن‭ ‬الآن‭ ‬نعيش‭ ‬فترة‭ ‬مظلمة‭ ‬حقاً‭ ‬ومن‭ ‬أعظم‭ ‬ضحاياها‭ ‬هو‭ ‬الأدب‭ ‬والفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬عموماً‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬مافيا‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬صارت‭ ‬معلنة‭ ‬ولا‭ ‬تستحي‭ ‬من‭ ‬جرائمها‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تقرر‭ ‬إضاءة‭ ‬الوجوه‭ ‬المختارة‭ ‬ومنح‭ ‬الجائزة‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬مهراجات‭ ‬السهر‭ ‬واللذة‭ ‬والباقيات‭ !!‬

القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬هي‭ ‬جنس‭ ‬كتابي‭ ‬معروف‭ ‬واسمها‭ ‬يدل‭ ‬عليها‭ ‬وآخر‭ ‬تحولاتها‭ ‬وتمظهراتها‭ ‬هي‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬جداً‭ ‬أو‭ ‬المقصوصة‭ ‬بالغة‭ ‬القصر‭ ‬والتي‭ ‬تتحقق‭ ‬بواحد‭ ‬من‭ ‬شروطها‭ ‬المشهورة‭ ‬الذي‭ ‬يوصي‭ ‬باستهلاك‭ ‬كمية‭ ‬قليلة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬اللغة‭ ‬لبناء‭ ‬النص‭ ‬وتحقيق‭ ‬فنية‭ ‬الفعل‭ .‬

ثمة‭ ‬فرق‭ ‬عظيم‭ ‬بين‭ ‬الأقصوصة‭ ‬الصغيرة‭ ‬الصعبة‭ ‬وبين‭ ‬الطرفة‭ ‬اليومية‭ ‬السهلة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬المفارقة‭ ‬البائسة‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الخلط‭ ‬البائس‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقصوراً‭ ‬على‭ ‬القصاصين‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬متوفراً‭ ‬أصلاً‭ ‬بجعب‭ ‬الشعراء‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬يقرأ‭ ‬واحدهم‭ ‬مفارقاته‭ ‬الباهتة‭ ‬فتصفق‭ ‬الناس‭ ‬الكسلانة‭ ‬وتضحك‭ ‬وربما‭ ‬تبكي‭ ‬فتتحول‭ ‬الصالة‭ ‬إلى‭ ‬نقيع‭ ‬دمع‭ ‬عظيم‭ !!‬

كل‭ ‬مجاميعي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قلبي‭ ‬من‭ ‬حبل‭ ‬الوريد‭ ‬وأخوته‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬الأولى‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬حجمها‭ ‬بكف‭  ‬واسمها‭ ” ‬المدفن‭ ‬المائي‭ ” ‬تبقى‭ ‬عزيزة‭ ‬بمعنى‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬التائهة‭ ‬،‭ ‬فهي‭ ‬لذة‭ ‬الإصدار‭ ‬الأول‭ ‬وبصمة‭ ‬الإهداءات‭ ‬الفخمة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬صاحبها‭ ‬مثل‭ ‬طاووس‭ ‬رائع‭ ‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬الكتاب‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬لي‭ ‬ببغداد‭ ‬العزيزة‭ ‬قبل‭ ‬الهجيج‭ ‬منها‭ ‬عام‭ ‬ألف‭ ‬وتسعمائة‭ ‬وأربعة‭ ‬وتسعين‭ .‬

تناديني‭ ‬الناس‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬منحوت‭ ‬حميم‭ ‬بديع‭ ‬هو‭ ‬علّوكي‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬بذيل‭ ‬سؤالك‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬ولد‭ ‬من‭ ‬بركات‭ ‬حوائط‭ ‬التواصل‭ ‬والتناطح‭ ‬الاجتماعي‭ .‬

طبعاً‭ ‬أنا‭ ‬سعيد‭ ‬بهذا‭ ‬الدلال‭ ‬وأشم‭ ‬فيه‭ ‬رائحة‭ ‬طفولة‭ ‬كانت‭ ‬بائسة‭ ‬لكنني‭ ‬أستعيدها‭ ‬الآن‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬سمفونية‭ ‬أم‭ ‬جميلة‭ ‬تتصادى‭ ‬بباحة‭ ‬حوش‭ ‬عتيق‭ !!‬

لن‭ ‬أعود‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭ ‬لأنني‭ ‬أصلاً‭ ‬وفصلاً‭ ‬وروحاً‭ ‬لم‭ ‬أغادرها‭ ‬وأهجرها‭ . ‬لقد‭ ‬دسستها‭ ‬مرة‭ ‬بحقيبتي‭ ‬الهاربة‭ ‬ولما‭ ‬كشفها‭ ‬السونار‭ ‬أو‭ ‬خشم‭ ‬الشرطي‭ ‬،‭ ‬زرعتها‭ ‬بمكان‭ ‬أمين‭ ‬بقلبي‭ .‬

مقهى‭ ‬السنترال‭ ‬بعمان‭ ‬هي‭ ‬البديل‭ ‬المتاح‭ ‬لمقهى‭ ‬حسن‭ ‬عجمي‭ ‬ببغداد‭ . ‬هما‭ ‬تتشابهان‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المصير‭ ‬والمآل‭ . ‬الآن‭ ‬هجرها‭ ‬الصحب‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬أصواتهم‭ ‬التي‭ ‬تكاد‭ ‬تتصادى‭ ‬بوضوح‭ ‬شديد‭ ‬يعزف‭ ‬على‭ ‬سلم‭ ‬الحنين‭ ‬الفتاك‭ . ‬أدور‭ ‬على‭ ‬الكراسي‭ ‬فأجد‭ ‬خيالات‭ ‬وضجيج‭ ‬جان‭ ‬دمو‭ ‬وحسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬وعبد‭ ‬الستار‭ ‬ناصر‭ ‬ومجلس‭ ‬الطاولي‭ ‬والدومنة‭ ‬والحيرة‭ ‬أمام‭ ‬فاتورة‭ ‬الحانة‭ ‬الجميلة‭ ‬المشمورة‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ .‬