
لست ميالاً لتوصيفي بالكاتب الساخر وحبسي في جدران هذا المصطلح الذي قد يتحول تالياً إلى جنس أدبي يصعب الفكاك منه . لنسميها السخرية المرة أو الدعابة السوداء أو الكتابة الغاضبة التي تحمل على كتفيها وجعاً وحزناً إن أنزلته فوق جبل لصيّره تراباً ورماداً .
أما المزج بين الفصيح الصافي والشعبي الدارج فهو قليل ، وقد تسقط بعض العاميات وتلوذ أحياناً بثنيات نصوصي وهذا أمر حقيقي ، لكن بعض القارئين من العامة والنخبة رأوا في ذلك إفراطاً وكثرة بعد أن اشتبهت عليهم المفردة العامية التي لا جذر لها بالفصيح المعروف ، والتبست تفاسيرهم حول مفردات أستعملتها وقد حسبوها على خان الدارج من القول ، والحق هو أنها أو جلها عبارة عن منحوتات لغوية صحيحة قائمة ببطن الصحاح أو القديم وقد هجرتها الناس حتى إذا جيء على رسمها وذكرها في الكتابة الحديثة ، ابتسموا وارتاحوا وقالوا إن الرجل قد باعنا بعض كلمات مستلة من مصطبة الشارع ولغته الممكنة !!
أنا معك تماماً بأن تجربتي القصصية وما جاورها من فنون كتابية اخرى لم تأخذ حقها المشروع والعادل من الكتابة النقدية ، لأن مائدة النقد الآن غاصة بالأخوانيات المبتذلة والمجاملات السائبة وجبر خواطر الكتاب الجدد الأغضاض ، والأهم من ذلك هو أن الناقد صار يدمغ نصك الأدبي الخالص بنصك الجرائدي الذي فيه هتاف عال ضد الغزاة والقتلة والفاسدين ، حتى صار النقدة قبائل تكتب بطريقة تشبه جداً ما يكتبه شعراء ساجدون على عتبة السلطان ، حيث الطعام الكثير والشراب الوفير وصرر الذهب والدينار .
نحن الآن نعيش فترة مظلمة حقاً ومن أعظم ضحاياها هو الأدب والفنون الجميلة عموماً ، حيث مافيا الأدب والفن صارت معلنة ولا تستحي من جرائمها ، وهي التي تقرر إضاءة الوجوه المختارة ومنح الجائزة والدعوة إلى مهراجات السهر واللذة والباقيات !!
القصة القصيرة هي جنس كتابي معروف واسمها يدل عليها وآخر تحولاتها وتمظهراتها هي القصة القصيرة جداً أو المقصوصة بالغة القصر والتي تتحقق بواحد من شروطها المشهورة الذي يوصي باستهلاك كمية قليلة جداً من طين اللغة لبناء النص وتحقيق فنية الفعل .
ثمة فرق عظيم بين الأقصوصة الصغيرة الصعبة وبين الطرفة اليومية السهلة التي تعتمد المفارقة البائسة ، وهذا النوع من الخلط البائس لم يعد مقصوراً على القصاصين بل كان متوفراً أصلاً بجعب الشعراء ، حيث يقرأ واحدهم مفارقاته الباهتة فتصفق الناس الكسلانة وتضحك وربما تبكي فتتحول الصالة إلى نقيع دمع عظيم !!
كل مجاميعي أقرب إلى قلبي من حبل الوريد وأخوته ، لكن الأولى الصغيرة التي حجمها بكف واسمها ” المدفن المائي ” تبقى عزيزة بمعنى من المعاني التائهة ، فهي لذة الإصدار الأول وبصمة الإهداءات الفخمة التي تجعل صاحبها مثل طاووس رائع ، فضلاً عن أنها الكتاب الوحيد الذي صدر لي ببغداد العزيزة قبل الهجيج منها عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين .
تناديني الناس تحت مسمى منحوت حميم بديع هو علّوكي كما جاء بذيل سؤالك يا صاحبي وهذا أمر ولد من بركات حوائط التواصل والتناطح الاجتماعي .
طبعاً أنا سعيد بهذا الدلال وأشم فيه رائحة طفولة كانت بائسة لكنني أستعيدها الآن كما لو أنها سمفونية أم جميلة تتصادى بباحة حوش عتيق !!
لن أعود الى بغداد لأنني أصلاً وفصلاً وروحاً لم أغادرها وأهجرها . لقد دسستها مرة بحقيبتي الهاربة ولما كشفها السونار أو خشم الشرطي ، زرعتها بمكان أمين بقلبي .
مقهى السنترال بعمان هي البديل المتاح لمقهى حسن عجمي ببغداد . هما تتشابهان حتى في المصير والمآل . الآن هجرها الصحب ولم يبق فيها سوى أصواتهم التي تكاد تتصادى بوضوح شديد يعزف على سلم الحنين الفتاك . أدور على الكراسي فأجد خيالات وضجيج جان دمو وحسب الشيخ جعفر وعبد الستار ناصر ومجلس الطاولي والدومنة والحيرة أمام فاتورة الحانة الجميلة المشمورة في الجوار .
























