
بوش وعبد الرزاق عبد الواحد – علي الجنابي
إيهٍ بُنّيَّ…
لا مَآثِرَ للبنانِ إلّا حينَ تَتَمشَّى في مَداثر التِّبيانِ ليغشاها النَدى الخَضلُ، فتَتَحشّى بمخَاثر البيانِ كأنَّها بهِ المغرمُ الثَّملُ، فتراها آنئذٍ لن تأتيَنا إلّا بحرفٍ مالهُ في تعبيراتها بَدَلُ.
ومعلومٌ أنَّ (خَلَعَ) فعلٌ قد بانَ مبناهُ في آيةِ {اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} ولمْ يُذكرِ الفعلُ في آيةٍ سواها في الذكرِ مُمتَثلُ. ومفهومٌ أنَّ الفعلَ (نَزَعَ) قد كانَ معناهُ في آيةِ {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} بعدما يُقتَلُ الخَجَلُ، وكذا في {نَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ}، وكذا كان معناهُ في آياتٍ أخَرياتٍ والمثل. وقد أبانَ لنا لسانُ العُربِ معانيَ الخلعِ والنزعِ فلا لبسَ فيهِما ولا فيهما عِلل. وأني لمُستغرِبٌ من نشزِ “عَبد الرَّزاق عبد الواحِد” وهو شاعرٌ متمكنٌ جزل، نشزاً قد رَنَّ ما أن ولجَ مسمعاً ليَ بالضَّادِ يبتهلُ، لمّا قالَ وهو لنبيلِ الذرفِ يمتثلُ:
(يا صبرَ أيوبَ لا ثوبٌ فنخلعُهُ، إن ضاقَ عنَّا ولا دار فننتقلُ)، وإنَّما البيانُ يأبى إلّا فصيحَ اللسانِ فيكتملُ: (يا صبرَ أيوبَ لا ثوبٌ فننزعهُ، إن ضاقَ عنَّا ولا دار فننتقلُ). ذاكَ أنَّ معنى النَّزَعَةِ في إرثِ آباءٍ أوَّلين قد رحلوا وما اتَنَحَّلوا، هيَ [موضعُ انحسارِ الشّعرِ من جانِبَيَ الجَبهة. وفرَّقَ سيبويه بين نَزَعَ وانْتَزَعَ فقال: انْتَزَعَ اسْتَلَبَ، ونزَعَ: حوّلَ الشيءَ عن موضعهِ، ونزَع الأَمِيرُ العامِلَ عن عمله: أَزالَه، وفي قوله تعالى: “والنازِعاتِ غَرْقا” قال الفراء: تَنْزِعُ الأَنْفُس من صدورِ الكفَّار كما يُغْرِقُ النازِعُ في القوْسِ إِذا جَذَبَ الوَتَرَ. وأمَّا الخَلعُ هوَ التحوُّل، وتحوُّلُ المَفْصِل عن موضعهِ. خلَعَ اللَّحم تُخلع عظامُه ويطبخُ ويُبَزَّرُ ثمَّ يُوضعُ في وعاءٍ من جلدٍ ويُحمَلُ في السَّفر، و” إِنَّ من تَوْبَتي أَن أَنْخَلِعَ من مالي صَدَقةً”: أي أتحول. وسَوَّى بعضهم بين الخَلْع والنَّزْعِ إِلا أَنَّ في الخَلْعِ مُهْلة.] ولا دفعَ للتَّسويةِ هنا فترفعَ الشاعرُ إذ هو في فصيحِ الشعرِ مرتَحلُ. ألا يا بُنَيَّ، ألا أيُّها البطلُ! ماليَ أرى بصرَكَ خاشعات به المقلُ، وشاخصات شطرَ مروحةِ السَّقفِ وهي تشتغلُ! أتدريَ أنَّ (جورجَ بُوشَ) قد فطنَ لذينِ الفِعلين (خَلَعَ ونَزَعَ) رغمَ أنَّ أهلَ بوش لديار الضَّادِ ما وصلوا، فتَراهُ قد أتى بالفعلِ (نَزَعَ) لأسلحتنا في الدمَارِ الشَّاملِ وهوَ مُشتمِلُ!
دعِ المُروحةَ أيا بغلُ، قد ضَاقَت بيَ الحيلُ. عِ معيَ الكلمَ لتعلمَ لمَ “جورجُ بُوشَوَيْه” الطَّاعنُ الكهلُ، أتى بذا الفعلِ فصيحاً لا زَللَ فيهِ ولا فيهِ خَللُ. ولمَ لم يأتِ بمرادفاتٍ غيرهِ لذاتِ معناهُ رُبَما تصلُ، لأنَّ نَزعَ السِّلاحِ عَيْبٌ لا يرتضيهِ إلّا واهنٌ نذلُ، فماذا بعد النَّزعِ إلّا العُريُّ ألا يا أيُّها البطلُ، فكأنَّ (بُوشَوَيْه) قد عَرّانا مِن سلاحِنا كفتاةِ ليلٍ تتعرَّى لثمالى كلمَّا دخلوا. اليسَ كذلكَ؟ أفّ ياولد! ألمْ يأنْ لكَ أن تَدعَ جُنَيحاتِ المروحَةِ بأفلاكِها بالعرسِ تحتفِلُ! أفَلا ينفعُ معكَ ندبٌ أو يشفعُ عتبٌ؟ أمَا يدفعُ الزَّعلُ! ثمَّ أينَ جرعَة الماءِ إذ أمَرتُكَ ضُحىً أيا ولي عهديَ ويا أملُ؟
– واهٍ أبتاه! أو نسيتُ الأمرَ، أو للأمرِ ما سمعتُ لمّا كنتُ أغتسلُ؟
فجاج الارض
– ما شاءَ اللهُ على وليِّ عهدٍ وريثٍ يهابُهُ الجَللُ، قد صَبَّ معاذيرَهُ كلها لأبيهٍ في جملةٍ فلا بعدَها جُمَلُ! أنصت ليَ أيا جَمَلُ، فما عدّتُ أملكُ صَبراً فيكَ يُحتمَلُ، رُغمَ أنَّ صبري فاقَ ما في الرَّكبِ يتَّكِلُ، وما عدّتُ أسلكُ سبيلاً عنك يكتفلُ، وقد ضاقـَتْ بي فـِجاجُ الأرضِ أيا رَجُلُ! فما داري بثوبٍ فأنزعهُ إن ضاق، ولا نادٍ فأعتزلُ، ولا صديقٍ فأهجرُهُ والعذرُ مُفتَعلُ، ولا نعالٍ أخلع ولنعلٍ سواهُ سوفَ أنتعلُ، لكنه دارٌ يا صبر أيوب وبينَ أعشابهِ الروحُ تَنسَدلُ، وأنهُ غُرَّةُ الوجدان أجمعِها فهل عن غرَّةِ الجيرانِ أنفصِلُ. أم أنكَ أزمعتَ يا ولدي ألا يُظلّلني في داري لا وعدٌ ولا أملُ. يا صبر أيوب، ماذا أنت فاعلٌ بولدٍ ما بينَ اللهوِ والسَّهو ينتقِلُ.
قُمْ يا سعدُ فاتني بشربَةِ ماءٍ مثلما تُورَدُ الإبلُ، (فأَورَدَها سَعدٌ وَسَعدٌ مُشتَمِل * ما هَكَذا تورَدُ يا سَعدُ الإِبِل)، وضعِ الشُّربةَ ههُنا حذويَ..
لو أنَّها تَصِلُ. وإنّي لمُرتَقِبٌ ولرُبَّما في رمضانَ أشربُها إن.. طالَ بيَ الأجل.
كانَت تلكَ جَرْزَةٌ من جُرْزَةٍ في قصيدِ (صبرُ أيوبَ) وعلى “أيُّوبَ” السلامُ الأمثل. وتلكَ قصيدةٌ رفيعٌ حرفُها وماإنفكَّ يتلوهُ المارُ والجارُ والأَهلُ. و(سبحانَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى? عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا)، (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) ما شابَ حرفَهُ إختلافٌ ولا خللُ.
الجَرْزَةُ: المَرَّةُ من الجَرْزِ. لن ترضى شانئةٌ إِلا بِجَرْزَةٍ إِنها من شدة بُغضها وحَسدِها لا ترْضى لمن تبغضُهم إِلا بالاستئصال.
الجُرْزَةُ: الحُزْمة من القَتِّ والعشب.
























