
الإصلاح بهدوء .. دولة مواطنة لا طوائف – عبد المنعم الاعسم
مرة اخرى، وعلى ايقاع التوجه نحو تمرين انتخابي مسبوق بالتجاذبات والطعون وفتور الحماس الشعبي، يلتفت البعض من اصحاب الرأي الى “مشروع الاصلاح” الذي حملته وروجت له جماعات وزعامات وكتابات باعتباره “المنقذ” لمأزق العملية السياسية، فاقدة اللون والطعم والرائحة، ومرة اخرى يتنادى مفكرون واكاديميون ومشاركون في عهد ما بعد الاحتلال، الى البحث عن المعبر الآمن الى اصلاح بنى الدولة العراقية التي تشهد خرابا في اخطر مفاصلها. عملية الاصلاح، بدءا، ليست شعارا مرحليا، ولا هي دعوة تؤشر اخطاءا في ادارة الدولة، بل هي علمٌ من علوم السياسة، وفاصلة في ضمان استمرار الدولة على الخارطة، فثمة الكثير من الامبراطوريات والدول انهارت في نقطة التماس الخطيرة بين الواقع وضرورات اصلاحه، وثمة دول اخرى استطاعت ان تتماسك وتعتمد اصلاحا جذريا في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات الاجتماعية، وتنطلق من لوازم “دولة المواطنة” والحال، فان دولة توزع مناصبها وامتيازاتها ومواقفها من الاحداث على اساس طائفي او فئوي او مناطقي، لا يمكن اصلاجها قبل انهاء بنى هذا الواقع تماما وابداله بدولة المواطنة.
في علوم السياسة، لا مناصرة لموقف، او مخاصمة له، من دون مصلحة بائنة، وفي “تلخيص” لمعهد اوكسفورد ورد القول “ان السياسة هي علم دراسة المصالح المتضاربة وانعكاسها”.
حركة اصلاحات
ولا يظهر تناقض المصالح بوضوح اشد مما هو حين تكون هناك حركة اصلاحات تتجه الى تطبيق العدالة ومحاربة الفساد وضمان التوزيع العادل للثروة، وفي التاريخ، ليس ثمة اصلاحات استقبلها الجميع بالتصفيق، اوقبلها الفاسدون عن طيب خاطر. كاتب الفاينانشيال تايمز سيمون كير، في متابعاته لقضايا الاصلاح في دول الشرق الاوسط لاحظ ان اكثر الاعتراضات شأنا التي يواجهها الاصلاح تتمثل في تلك الجيوب التي تمسك بمفاتيح مهمة بالدولة، واحسب ان هذه القاعدة، وإن كان المحلل يتابعها في حالة خليجية، تمس الواقع العراقي الراهن، إذ تواجه الاصلاح خصومة ضارية من جيوب في الدولة وفي الكتلة السياسية النافذة، وتتخذ معارضة الاصلاح اشكالا غاية في التعقيد والمماطلة والمناورة، وتزداد ضراوة ووضوحا كلما اتسعت قاعدة المناصرين للاصلاح عموديا، واعني كلما اتجهت اعمال التأييد والترحيب الى التعبئة والتنظيم بمستوى خطورة المشروع الذي يتضمن (في خطوطه العريضة) وقف الاهدار والمخالفات والتعدي على المال العام ومكافحة الفساد وتخفيض مناسيب الرواتب للمناصب العليا وتقليص اعدادها، وعلى الرغم من تراجع زخم الاجراءات، وانكفاء بعضها على تحالفات المحاصصة في مجلس النواب، فان المعركة لا تزال تدور في ما هو”شرعي” لخيار الاصلاح الذي يمكنه، كما يُفترض، ان يكسب المعركة في هذا الميدان، لأنه ليس ثمة اكثر شرعية ووجاهة من العدالة في توزيع الثروة ومنع الاستئثار بها من قبل حفنة استغلت هيمنها على سلطة القرار ونفوذها للسطو على منافع بغير حق. وتفيد تجربة بناء الدولة العراقية المعاصرة بان الدعوة الى الاصلاح ليست بدعة، فقبل جوالي سبعة عقود كنب ناظم الزهاوي، الوزير والسياسي والاقتصادي الاسبق لجريدة “السياسة” بعددها الصادر يوم الاثنين 2/6/ 1947 عن “فساد الجهاز الحكومي” عرض فيه الخطوط العريضة لمنهج تحصين الدولة ضد الفساد الذي “باعد الشقّة بين الشعب والحكومة كل البعد، وعمل على ازالة الثقة بينهما، هذه الثقة التي هي اشد الضرورات لاقامة مجتمع مدني” ولاحظ قائلا: “ان اعمال الناس لا تُقضى في كثير من دوائر الحكومة، ولا تُسهّل، إلا عن طريق الوساطات والشفاعات او عن طرق الرشوة وسوء الاستعمال، وقد اصبح، من الواضح ايضا، ان كثير من مطالب المتنفذين تُقضى بيسر وسهولة، وإن كانت بطرق شادة مخالفة للقوانين”.
قوانين انضباطية
كما وضع تاشيرات مهمة تحت ظواهر ومسلكيات منتجة للفساد بقوله “لقد جرت العادة ان تطبق القوانين الانضباطية على صغار الموظفين ويُعفى منها كبارهم” وخص الاشارة الى فساد “بعض كبار الموظفين ورؤسائهم الذين يستحلون اكل السحت” وخلص الى ما هو اهم من كل ذلك وذي صلة بالمشروع الاصلاحي الذي يؤمن به ويستلزم بناء حياة ديمقراطية وتأمين حرية التعبير وتحرير الشعب من الخوف والقيود، بقوله “ان مثل هذا الاصلاح لا يمكن ان يجري إلا على يد وزارة ديمقراطية تفسح المجال للحريات الدستورية وتمكّن الشعب من مناقشة امثال هذه القضايا .. وحينذاك لا يجد المقصر والمسئ من يستطيع ان يحميه”. الى ذلك فان الانحرافات الادارية ، وسقوط سمعة الوظيفة، وسلبية الجمهور حيال الانخراط في حركة البناء تمثل العائق الرئيسي اما اصلاح الدولة وتبرز في الغالب خلال الاضطرابات والثورات والانعطافات المجتمعية والسياسية، فيما تنتشر المصطلحات الكيفية في سوق التداول ليبدو ان كل شيء لم يعد كما هو، وكل ثابت لم يعد في موقعه، بل ويصبح الخطأ سيد المواقف، قبل ان تمر العاصفة ليصحوا الناس وكانهم كانوا في غيبوبة. اما التاريخ فانه سيوزع الذنوب في نكسة الاصلاح بين الصراع على السلطة، وضعف قوانين الادارة الراشدة، في غالب الاحيان، لكن، مشكلة التاريخ معقدة، وبخاصة موقفه من الباطل الذي يشكل كابوسا رهيبا لاصحاب الضمائر والاحسان والعقول النيرة، فهو يساوم الكثير من الطغاة والنصابين والسفاحين ونهابي الثروة، أما المؤرخ الانجليزي الشهير ويلز فقد جمع الباطل والحق في مجلداته الاربعين عن “معالم تاريخ الانسانية” من دون تسمية الاشياء باسمائها، وترك للمؤرخين اللاحقين، ولنا، هذه المهمة العسيرة: اصلاح المعايير.
























