الذكاء الاصطناعي في خدمة قراصنة المعلوماتية

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يخشى‭ ‬مراقبون‭ ‬من‭ ‬إمكان‭ ‬أن‭ ‬تسهّل روبوتات‭ ‬الدردشة‭ ‬وبرامج‭ ‬التزوير‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬عمل‭ ‬الجهات‭ ‬الضالعة‭ ‬في‭ ‬الجرائم‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وعمليات‭ ‬الاحتيال‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬متاحة‭ ‬منذ‭ ‬حوالى‭ ‬سنة‭ ‬للاستخدام‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُحدث‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬هجمات‭ ‬المعلوماتية‭ ‬التقليدية‭.‬‮ ‬

تتمثل‭ ‬عملية‭ “‬التصيد‭ ‬الاحتيالي‭” (“‬فيشينغ‭”) ‬بالاتصال‭ ‬بشخص‭ ‬مستهدف‭ ‬وجعله‭ ‬يُدخل‭ ‬البيانات‭ ‬الخاصة‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬مقرصن‭ ‬يشبه‭ ‬المواقع‭ ‬الأصلية‭.‬

ويشرح‭ ‬جيروم‭ ‬بيلوا،‭ ‬وهو‭ ‬خبير‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬المعلوماتية‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬الاستشارات‭ “‬وايفستون‭” ‬ومؤلف‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬الهجمات‭ ‬السيبرانية‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‮ ‬‭”‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يسهل‭ ‬ويسرع‭ ‬وتيرة‭ ‬الهجمات‭” ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إرسال‭ ‬رسائل‭ ‬إلكترونية‭ ‬مقنعة‭ ‬وخالية‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬الإملائية‭.‬‮ ‬‭ ‬ويتبادل‭ ‬القراصنة‭ ‬بذلك‭ ‬خططاً‭ ‬تمكّنهم‭ ‬من‭ ‬توليد‭ ‬رسائل‭ ‬احتيالية‭ ‬محددة‭ ‬الهدف‭ ‬بشكل‭ ‬تلقائي،‭ ‬بواسطة‭ ‬منتديات‭ ‬عبر‭ ‬الانترنت‭ ‬أو‭ ‬رسائل‭ ‬خاصة‭. ‬‮ ‬

وللتغلب‭ ‬على‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬مقدمو‭ ‬الحلول‭ ‬بشأن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تسوّق‭ ‬مجموعات‭ ‬متخصصة‭ ‬منذ‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬نماذج‭ ‬لغوية‭ ‬مدربة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬محتويات‭ ‬خبيثة،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬تطبيق‭ “‬فرود‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتعين‭ ‬إثبات‭ ‬فعاليتها‭. ‬ويحذر‭ ‬بيلوا‭ “‬لا‭ ‬نزال‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬فقط‭”.‬‮ ‬‭ ‬يُعتبر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬الخمسة‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تهابها‭ ‬الشركات،‭ ‬وفق‭ ‬دراسة‭ ‬حديئة‭ ‬أصدرتها‭ ‬شركة‭ “‬غارتنر‭” ‬الأميركية‭.‬‮ ‬

وتخشى‭ ‬الشركات‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬تسريب‭ ‬البيانات الحساسة‭ ‬التي‭ ‬يتناقلها‭ ‬موظفوها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬شركات‭ ‬كبرى،‭ ‬ومنها‭ “‬آبل‭” ‬و‭”‬أمازون‭” ‬و‭”‬سامسونغ‭” ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬موظفيها‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”.‬‮ ‬

وتوضح‭ ‬مديرة‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ “‬غارتنر‭” ‬ران‭ ‬شو‭ ‬أن‭ “‬كل‭ ‬معلومة‭ ‬يتم‭ ‬إدخالها‭ ‬على‭ ‬أداة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬التعلّمي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬معلومات‭ ‬حساسة‭ ‬أو‭ ‬سرية‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬عمليات‭ ‬بحث‭ ‬مستخدمين‭ ‬آخرين‭”.‬‮ ‬

وأطلقت‭ ‬شركة‭ “‬أوبن‭ ‬ايه‭ ‬آي‭”‬،‭ ‬المطورة‭ ‬لبرنامج‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”‬،‭ ‬في‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬الماضي‭ ‬النسخة‭ ‬المحترفة‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭ ‬انتربريز‭” ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستعمل‭ ‬الدردشات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعلّم‭ ‬بغية‭ ‬تطمين‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬تسريب‭ ‬معلوماتها‭.‬‮ ‬‭ ‬من‭ ‬جهتها،‭ ‬توصي‭ ‬شركة‭ “‬غوغل‭” ‬موظفيها بعدم‭ ‬إدخال‭ ‬معلومات‭ ‬سرية‭ ‬أو‭ ‬حساسة‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الدردشة‭ ‬الآلي‭ ‬الخاص‭ ‬بها،‭ “‬بارد‭”. ‬يتمثل‭ ‬التهديد‭ ‬الرئيسي‭ ‬الجديد‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بسهولة‭ ‬نسخ‭ ‬الوجوه‭ ‬والأصوات‭ ‬وتوليد‭ ‬ما‭ ‬يطابقها‭ ‬تماماً‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تسجيل‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬مدته‭ ‬بضع‭ ‬ثوان،‭ ‬تسمح‭ ‬بعض‭ ‬الأدوات‭ ‬عبر‭ ‬الانترنت‭ ‬بتوليد‭ ‬نسخة‭ ‬مطابقة‭ ‬تماماً‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬ضحيتها‭ ‬الزملاء‭ ‬أو‭ ‬الأقارب‭.‬‮ ‬

ويعتبر‭ ‬مؤسس‭ ‬شركة‭ “‬أوبفور‭ ‬انتلجنس‭” ‬جيروم‭ ‬سايز أن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬قد‭ ‬تُستخدم‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ “‬مجموعة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الضالعة‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬احتيال‭ ‬صغيرة،‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬وراء‭ ‬حملات‭ ‬خبيثة‭ ‬تستعمل‭ ‬الرسائل‭ ‬النصية‭” ‬بهدف‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أرقام‭ ‬البطاقات‭ ‬المصرفية‭.‬‮ ‬

ويضيف‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬هؤلاء‭ ‬المخالفون‭ ‬الصغار،‭ ‬الذين‭ ‬يكونون‭ ‬بالإجمال‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الشباب،‭ ‬سيتمكنون‭ ‬وبسهولة‭ ‬من‭ ‬تقليد‭ ‬الأصوات‭”.‬‮ ‬

وفي‭ ‬حزيران‭/‬يونيو،‭ ‬وقعت‭ ‬أم‭ ‬اميركية‭ ‬ضحية‭ ‬احتيال‭ ‬اثر‭ ‬اتصال‭ ‬رجل بها‭ ‬للمطالبة‭ ‬بفدية‭ ‬لقاء‭ ‬تسليمها‭ ‬ابنتها‭ ‬الذي‭ ‬زعم‭ ‬أنها‭ ‬مخطوفة،‭ ‬وقد‭ ‬عمد‭ ‬الرجل‭ ‬إلى‭ ‬إسماعها‭ ‬ما‭ ‬ادعى‭ ‬أنه‭ ‬صراخ‭ ‬ابنتها‭ ‬الضحية‭. ‬وانتهى‭ ‬الحادث‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬أضرار،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اشتبهت‭ ‬الشرطة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحادثة‭ ‬تشكل‭ ‬عملية‭ ‬احتيال‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬ويشرح‭ ‬بيلوا‭ ‬أنه،‭ ‬بالنسبة‭ ‬للشركات‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بأساليب‭ ‬احتيالية‭ ‬مستخدمة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬انتحال‭ ‬محتالين‭ ‬صفة‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬للشركة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تحويلات‭ ‬مالية،‭ ‬فإن‭ “‬استخدام‭ ‬مقتطف‭ ‬صوتي‭ ‬أو‭ ‬فيديو‭ ‬مزيف‭”‬،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المقرصن‭ “‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقلب‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث‭ ‬لصالح‭” ‬هذا‭ ‬الأخير‭. ‬ويعتقد‭ ‬سايز‭ ‬أنّ‭ “‬أياً‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأنها‭ ‬نتيجة‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭”.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬روبوتات‭ ‬الدردشة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬بعض‭ ‬العيوب‭ ‬وتوليد‭ ‬أجزاء‭ ‬رموز‭ ‬معلوماتية‭ ‬خبيثة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تنفيذها‭ ‬مباشرة‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يرى‭ ‬سايز‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ “‬سيسمح‭ ‬لأشخاص‭ ‬محدودي‭ ‬الموهبة‭ ‬بتحسين‭ ‬مهاراتهم‭”‬،‭ ‬مستبعداً‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ “‬الذين‭ ‬يبدأون‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬برامج‭ ‬مشفرة‭ ‬باستخدام‭ ‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”.‬