
مناقبيات الاربعين – محسن القزويني
ليس هناك حدث عراقي له من الدلالات العميقة و الواسعة كحدث الاربعين، حيث تفرغ المدن العراقية عن بكرة ابيها لتزحف كالموج الهادر نحو كربلاء المقدسة التي احتضنت رفات سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين عليه السلام، وهي بذلك تقوم بمهمتين: مهمة الزحف نحو كربلاء الحسين، ومهمة استضافة الزاحفين نحو الزيارة ، فاهل العمارة و الناصرية ينتظرون قدوم اهل البصرة و المناطق التي حولها، ليقدموا لهم الخدمة الحسينية وبعد قيامهم بامور الضيافة يلتحقون بالركب ، ويبقى اهل النجف الاشرف وبابل اخر من يلتحق بركب الاربعين لانهم بانتظار وصول زوار المناطق الجنوبية و الشرقية، وهكذا بغداد في استقبالها لاهالي المناطق الوسطى و الغربية و الشمالية تستقبل الركب الحسيني ثم تندمج معه .فاية صورة رائعة يقدمها العراقيون هذه الايام من : كرم الضيافة و الفة اجتماعية وتعاون مجتمعي و تلاحم وطني … وهي اربعة اعمدة لتكوين المجتمعات الناهضة.انظروا الى التاريخ ، فالاقوام التي اتصفت بهذه الخصال الاربع كانت دائما مجتمعات راقية و رائدة و ممتدة على سطح الكرة الارضية.و العراق اليوم يمتلك اربعة مقومات اكتسبها من خلال تفاعله مع القضية الحسينية ، تجعله في صدارة الشعوب، ومن خلال هذه المقومات يستطيع ان ينشر فضائله في ارجاء العالم، بل يكون سيدا وقدوة حسنة لكل الشعوب التي تريد التقدم و الازدهار في الحياة.فالدول لا يقاس تقدمها بعدد المصانع و المزارع و المراعي بقدر ما تقاس بما تمتلك من فضائل و مناقب، لانها هي التي تاتي بكل انواع التقدم سواء كان تقدما علميا او تكنولوجيا ؛ زراعيا او صناعيا، فما الفائدة من تقدم لا يمتزج بالقيم .فالعراق اليوم يمتلك اسباب التقدم و الازدهار” بل لنقل يمتلك الارضية التي تصنع التقدم. وهذه مسيرة الاربعين شاهدة على ذلك ، ففيها تذوب الفوارق الاجتماعية و الفكرية و الطبقية و العشائرية والتي هي السبب المباشر للمنازعات و الحروب على مدى التاريخ.وفيها تذوب الذاتية و الانانية و التي هي احد اهم اسباب الانحطاط وتاخر الشعوب وعزلتها.و في المسيرة الاربعينية يتوهج معدن العراقيين في الكرم و النصرة و العطاء.الكرم الذي شهد له القاصي و الداني.و نصرة المظلوم و المحتاج الذي فاق التصور .و العطاء الذي تحول الى اسطورة ، فهل سمعتم عن انسان يبيع اثاث بيته ليطعم ضيفه… نعم هذا ما يحدث اليوم في عراق الحسين، حيث يبذل العراقي كل ما لديه، وما يستطيع ان يدخره خلال عام ليشارك به بقية العراقيين في العطاء الحسيني الذي لا ينضب.وتشكل هذه المناقبيات التي ذكرناها قاعدة اخلاقية لارساء معالم الدولة الانسانية الراقية التي ينتظرها العراقيون.دولة عراقية تفتخر بها شعوب المنطقة التي تشارك العراقيين اليوم في زحفهم نحو قبلة الانسانية الحسين بن علي عليه السلام.دولة عراقية تقوم على العدالة و المساواة و السلام التي صنعتها المسيرة الحسينية منذ لحظة تاججها في عاشوراء ، وحتى تلقحها في الاربعين.ففي عاشوراء تزرع الانسانية و العدالة و التضحية والسلام على ارض كربلاء، وفي الاربعين يحصد الشعب العراقي ما بذره يوم العاشر من محرم، ويترجم ما حمله من افكار وقيم حسينية و ما وقفه في ساحات العزة و الاباء لتبقى المسيرة الحسينية الزاحفة نحو كربلاء مدرسة للاجيال.وهذا ما نحتاجه في عراقنا المعاصر: دولة عادلة تنظر الى ابناء الشعب بنظرة مساوية و الى رجال دولة يضحون بانفسهم من اجل الشعب كما ضحى الامام الحسين عليه السلام بنفسه و عياله من اجل الامة.
























