القشة بين البعير والغريق – هشام محمد عبدالله

أ.د. هشام محمد عبدالله

مثلان نستمع إليهما كثيراً: “القشة التي قصمت ظهر البعير” و” الغريق يتعلّق بقشَّة” ففي مقالٍ سابق أشرت إلى أن الطالب في المرحلة الجامعية مشبع بخيبات الأمل في البحث العقيم عن نموذج يلفت نظره ويجذبه ويحمله، الطالب في هذه المرحلة هو شابٌ مليء بطموحات متنوّعة ومختلفة، ترتفع وتنخفض قيمتها تبعاً لشخوصها والأمثلةِ التي تتراءى أمامه، ولكن بشكل عامٍ وغالب، فإنه وبهذه المرحلة العمرية التي يريد بها إثبات حضوره معنوياً ومادياً غالباً ما يفتقر إلى توفير مستلزمات ذلك من حياة كريمة ودخلٍ جيد ومقبول ليؤمن احتياجه، وقبلها ليؤمّن وجوده المعنوي بين نسبة كبيرة من أقرانه الذين أصبحوا يتبارون بإمكاناتهم المادية والتي يُشعِرون غيرَهم أنهم بهذه الإمكانية قادرون على فعل وحيازة أيّ شيء!

من هنا يكون الأستاذ الجامعي موطن اختبارٍ بالنسبة لكلا الطرفين، فإلى أيهما ينحاز ،ستتفوّق هذه القيمة أو تلك، فالمرتاح مادياً سيتعزّز وجودُه وتثبت له صحةُ القيمةِ التي يؤمن بها وهي مختصرة بعبارة: “بالمال والنفوذ كل شيءٍ متاح وممكن”، إن وجد ما يعزّز هذه القيمة في البيئة الجامعية التي هي (المساحة الأهم للتباري والتباهي)، في مقابل ذلك سيتكرّس المفهوم الخاطئ ويتعزز في وعي غير المتمكّن مادياً ونفوذاً، فتتشكلّ القناعة النهاية لديه والتي لن تتغيّر بسهولة فيما بعد، بأن الحياة هي فقط لأولئك الذين يتوارثون المال والنفوذ، وهم طبقة لا يمكن لأحد أن يخترقها أو أن يعيش ولو في ظلالها، وهنا تأتي مهمة الأستاذ الجامعي الرسالية التي تضبط إيقاع هؤلاء وهؤلاء، وذلك بالتركيز على القيمة الحقيقة لوجود الشخص بين الآخرين، ولعلّ القيمة الأساسية التي تحضر هنا هي مضمون عبارة مشهورة هي “قيمة كلّ امرئ ما يحسنه” التي يمكن أن تضبط الإيقاع السلوكي للطلاب، فهي تعزّز وتتهذّب في آن واحد.

الأستاذ بما يمتلكه من مكانة ومكان هو القادر على صناعة الجيل الذي جاء من بيئة تُعزّز قيماً معينة خاصة ببيئته، رأى فيها بكثرة الاعتياد والرؤية أنها هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن يعيش ويتعايش معها، وأنها عصيّة عن التغيير والتبدّل، ولن تستطيع شخصية الأستاذ الجامعي (الشكلي) القيام بتصحيح المهمة هذه الفكرة، وإنما شخصية الأستاذ الجامعي الذي غادر برجه العاجي وخبر مساحة من الحياة كافية في المؤسسة التعليمية الجامعية ومساحة الحياة المجتمعية معاً، فهو ينظر من داخل الصندوق ومن خارجه، فامتلك دراية في تصحيح الوعي القاصر الخاطئ وتعديل الوعي المزيّف، وبهذا سيكون سبباً في خلق بيئة انسانية قبل أن تكون تعليمية، بيئة ستكون قادرة فيما بعد على حماية مَنْ يأتي فيما بعد من الانجراف وراء لافتات مزيفة تخلّقت من وفي واقع غير سويّ وطبيعي، واقع يفتقد إلى نموذج ومثالٍ حقيقي تسنّم القمة بالمال السحت، أو بالممارسة السياسية المصلحية، أو بالقوّة والأتاوات، أو بيع الضمير والتخلّي عن قيم الوطن والانتماء، فهل يمكن أن يكون الأستاذ الجامعي هو القشة التي سيتعلّق بها هذا الغريق ليعود إلى برّ الأمان مؤمناً بوجوده وأهميته وانتمائه وعطائه في زمن عزّ العطاء المحض، وتصدّر العطاءَ المصلحيُّ الذي تفوح منه صفقات هدم المجتمع وتضييع تاريخه قبل وجوده وثرواته، أم سيكون المسمار الأخير في ذلك النعش المنتظِر؟