التاريخ بين التقدّم والتأخّر – محمد عبد الجبار الشبوط

التاريخ بين التقدّم والتأخّر – محمد عبد الجبار الشبوط

ماذا يقول فلاسفة التاريخ عن مسألة التقدم والتطور في التاريخ؟ هل هو تصاعدي ام تنازلي؟

يختلف فلاسفة التاريخ في آرائهم بشأن مسألة التقدم والتطور في التاريخ. هناك نظريات مختلفة تتناول هذه المسألة من منظور مختلف. ومن القضايا الرئيسية في هذا السياق هي ما إذا كان التاريخ يتجه نحو التقدم والتطور المتواصل أو إلى الوراء والتنازل.

تعتقد وجهة النظر التقدمية أن التاريخ يشهد تطورًا وتقدمًا مستمرًا للإنسانية، سواء من خلال التكنولوجيا أو التفكير أو القيم الأخلاقية. وفي هذا السياق، يتم تعزيز حقوق الإنسان وتطور المعرفة والمؤسسات الديمقراطية وبناء المجتمعات العادلة.الرؤية التقدمية للتاريخ هي الرؤية التي تؤمن بأن التاريخ يتحرك باتجاه التقدم والتحسين المستمر. ومن الفلاسفة الذين يؤمنون بهذه الرؤية هم:

زيادة وعي

1- هيجل (1770-1831): يعتبر أحد أبرز المفكرين الألمان الذين أسهموا في تطور الفلسفة وفهم العالم التاريخي بوصفه تطورًا مستمرًا نحو زيادة الوعي والحرية.

2- كارل ماركس (1818-1883):  يعتبر الفلسفي الألماني المؤسس للماركسية، ويؤمن بأن التاريخ يتحرك نحو التحسين الاقتصادي والاجتماعي من خلال صراع الطبقات.

3- رالف دارندورف (1899-1992): فيلسوف واجتماعي ألماني، يعتبر بأن التاريخ يتحرك نحو التقدم من خلال التطور التكنولوجي والثقافي.

  1. 4. محمد باقر الصدر (1935-1980) وهو فقيه وفيلسوف عراقي يستمد اراءه من الفهم الحضاري للقران الكريم سوف اذكر وجهة نظره بعد قليل.

وهناك وجهة النظر التنازلية التي يعتقد اصحابها أن التاريخ يشهد نكوصا وتراجعًا في مسيرته العامة. وفي هذا السياق، قد يؤكد الفلاسفة على تدهور الأخلاق والإنحدار الاجتماعي وتدهور البيئة وتجاوز الأزمات والصراعات.

الرؤية التنازلية للتاريخ هي الرؤية التي تؤمن بأن التاريخ ينحدر ويتدهور بمرور الوقت.. ومن الفلاسفة الذين يؤمنون بهذه الرؤية هم:

1- أوغستين (354-430): فيلسوف ولاهوتي مسيحي، يرى بأن التاريخ يُصوَّر سقوط الإنسان في الخطية وتدني مدى قدراته وإرادته.

2- أرنست غومبريتش (1816-1893):  فيلسوف ألماني، يعتقد أن التاريخ ينحدر بسبب التراجع المستمر في الثقة والإيمان الإنساني.

3- أوسكار سبينوزا (1632-1677):  فيلسوف هولندي، يرى بأن حالة البشر تتدهور تحت ضغوط الهوى والهواجس العاطفية.

بينما ينادي بعض الفلاسفة بوجهات نظر وسطية تؤكد أن التاريخ يتحرك في اتجاهات مختلفة ومتناقضة في آنٍ واحد، فقد يشهد تقدمًا في بعض المجالات وتراجعًا في المجالات الأخرى.

الرؤية الوسطية للتاريخ هي الرؤية التي تؤمن بأن التاريخ ينقسم إلى فترات من التقدم وفترات من التراجع. قد يكون المفكر الفرنسي جاستينيان ليون فابر الشهير بـ”ليون دو غروسي” (1797-1870) من أبرز الفلاسفة الذين يروجون لهذه الرؤية.

و لا يوجد رأي محدد أو قاعدة ثابتة في هذا الشأن، فالفلاسفة يختلفون في آراءهم وتفسيراتهم للتطور التاريخي. يتوقف تصورهم عن طبيعة البشر والتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تؤثر في مسألة التقدم والتطور في التاريخ.

القران الكريم

اما بالنسبة للقران الكريم  فقد يلاحظ القاريء له للوهلة الاولى انه لا يتطرق بشكل مباشر إلى مسألة التطور والتقدم في التاريخ بالمفهوم الحديث الذي يشمل التطور التكنولوجي والعلمي والاجتماعي. إلا أنه يتناول قضايا التغير والتجدد في الكون وفي حياة البشر.يعتبر القرآن الكريم أن الخلق والتكوين هو من عمل الله العزيز الحكيم، وأن الله يدير الأمور بحكمته وعدله. ويذكر القرآن أمثلة عديدة على الأمم السابقة ومصائرها، والتي من خلالها يمكن استخلاص بعض الدروس والعبر.

هناك بعـــــض الآيات في القــــــرآن تعتبر بمثابة إشارات لبعض الجوانب المتـــــــعلقة بالتطور في الكون والحياة. وتدل على أن الله يحكم الخلق والتطور بحكمته ورحمته.

وعلى سبيل المثال، في الآيات التي تتحدث عن السماوات والأرض والأنعام والنباتات، يتم التأكيد على تنظيم دقيق واستقرار الكون الذي يجري وفق قواعد وتشريعات الله.

بشكل عام، يمكن تفسير القرآن بأنه يؤكد على أهمية فهم الخلق والتغير من خلال النظر في آثار الله في الكون والحياة وتجليها، ويدعو للتأمل والتفكير والاستزادة من الحكمة الإلهية في مسار التاريخ.

لكن بعض الايات تشير الى التقدم المستمر اذا فهمت بشكل رمزي غير مباشر مثل قوله تعالى:

“سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ? أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”.

وقوله تعالى:

“يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى? رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”.

ويلاحظ في هاتين الايتين انهما تشيران إلى التقدم المستمر والتطور في العالم. ففي الآية الاولى، يتحدث الله عن إظهار آياته في الآفاق وفي أنفس الناس حتى يتبين لهم أنه الحق. يمكن فهم هذه الآية بشكل رمزي أن الله يقدم براهين على وجوده وتوجه الخلق نحو التقدم والتغير في العالم.أيضًا، في الآية الثانية نلاحظ أن الإنسان  يعيش حالة عمل مستمر وجهد كبير للوصول إلى الله وملاقاته، وهذا يشمل جهود البشر للتطور والتقدم في مختلف جوانب حياتهم. ذلك ان الله يمثل قمة الكمال المطلق، والسير اليه ثم ملاقاته يعني السير في طريق الكمال والتقدم.

وهذا ما فهمه السيد محمد باقر الصدر من الاية حيث يرى محمد باقر الصدر، الفقيه العراقي. قد أعرب عن وجهة نظره حول التاريخ بأنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى التاريخ بشكل تقدمي.

أي أن ينظر للماضي لكي يتعلم الدروس ويتقدم في المستقبل. يعتبر الصدر التاريخ وسيلة هامة لفهم تجارب الجماعات السابقة وتحليل أسباب نهضتها أو سقوطها.

ويجد الصدر أن التاريخ يقدم دروسًا قيمة للأمم والناس، ومن خلال الاستفادة من هذه الدروس يمكن للمجتمع أن يتقدم ويحقق التقدم. وتنتهج وجهة نظره هذه النهج التقدمي الذي يعتمد على فهم تاريخ الأمة وتحليله والعمل على تجنب أخطاء الماضي وتصحيحها في المستقبل.

قال الصدر:”ان هذه الاية تضع الله سبحانه وتعالى هدفا اعلى للانسان، والانسان هنا بمعنى الانسانية ككل. فالانسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه وتعالى، والكدح يعني السير المستمر المقرون بالمعاناة  و بالجهد وبالمجاهدة، لان هذا السير ليس سيرا اعتياديا، بل هو سير ارتقائي وهو تصاعد وتكامل وهو سير تسلق. … الانسانية حينما تكدح نحو الله فانما هي تتسلق الى قمم كمالها وتكاملها وتطورها الى الافضل باستمرار”. وهذا هو نموذج للفهم الحضاري للقران.

إن تفسير القرآن الكريم يتطلب فهمًا متكاملًا للسياق الكامل للآيات والمفاهيم المتعددة المرتبطة بها. لذا، يجب أن نحترم وجهات نظر مختلفة وأن نجتهد في فهم القرآن بشكل شامل ومتوازن.

تطور الدولة

و يمكن القول ايضا إن  التطور في ظاهرة الدولة من دول المدن في وادي الرافدين قبل الاف السنين  إلى الدولة الحضارية الحديثة يشير إلى مسيرة تقدمية لظاهرة الدولة على الصعيد التاريخي. على مر العصور، شهدت الدولة تطورات في الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مما أدى إلى زيادة التعقيد والتنظيم والتخصص.

في العصور القديمة، تكونت الدولة كأشكال نظم سياسية مركزية تهدف إلى تنظيم الموارد وتحكم الشعوب. ومع مرور الوقت، توسع نطاق الدولة وزادت قدرتها على فرض سيطرتها وتوفير الأمن والعدل والخدمات للمواطنين.

تطور وتعقد النظم الدستورية والحكم في العصور الوسطى، حيث ظهرت الدول الائتمانية في أوروبا وتطور نظام الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر تمهيدًا لظهور الدول الصناعية والاقتصادية الحديثة في القرن العشرين.

ومع تقدم العلم والتكنولوجيا، أصبحت الدولة أكثر تعقيدًا وتنظيمًا، حيث تؤثر التطورات في الاتصالات والنقل والعلوم والتكنولوجيا بشكل كبير على هيكل الدولة. تطورت الحكومات والنظم السياسية لتلبية التحديات الجديدة وتلبية احتياجات المجتمعات المتغيرة.

ومع ذلك، يجب أيضًا أخذ في الاعتبار أنه رغم التقدم الذي شهدته الدولة في العديد من الجوانب، فإنها أيضًا شهدت تراجعات وتحديات مستمرة. فقد تعرضت بعض الدول لحروب وصراعات داخلية وتغيرات سياسية واقتصادية تسببت في تأثير سلبي على استقرارها ونموها.

استنادًا إلى هذه الملاحظة، يمكن القول إن تطور الدولة كظاهرة تاريخية عامة يعكس تقدمها على المستوى الشامل، ولكن يجب أيضًا أن ندرك أنها تواجه تحديات وتراجعات في الطريق نحو التحسين والتقدم.

* تمت الاستعانة بتقنية الذكاء الاصطناعي في كتابة هذا المقال