حرب الثقافات أين نمضي ؟       (8-9-10) – منقذ داغر

حرب الثقافات أين نمضي ؟       (8-9-10) – منقذ داغر

 فلسفة المثلية وتفسير (الميمية)

حاولت في الحلقات الثمانية السابقة تقديم تفسيرات وأجابات علمية محايدة لعدد من الأسئلة التي تدور في أذهان الكثيرين عن أبعاد ما أسميته بالظاهرة الميمية،وسر قوتها وبروزها انتشارها السريعَين،ومن هي الجهات الني تدعم الحركات المناصرة لهذه الظاهرة وأسباب دعمها.سأخصص الحلقات القادمة للأجابة على سؤال كثير ما يطرح اليوم وهو:هل هناك مؤامرة عالمية على ثقافة العالم الأجتماعية،وبخاصة على مجتمعاتنا؟ بصراحة تامة فقد كنت أحد الميّالين للأجابة بنعم عن هذا السؤال ولذلك أصطحبت القارىء معي عبر هذه السلسلة من المقالات لنصل الى أجابة موضوعية لهذا التساؤل. والحق فأن هذا التساؤل ليس مطروحاً عندنا فقط،بل أنه مطروح وبقوة في كل أنحاء العالم حتى تلك التي تتمتع بها(الميمية) بقوة ونفوذ ينافسان قوة ونفوذ أقوى اللوبيات في العالم. لقد قرأت كثير من المقالات(بالأنكليزية) التي تتحدث عن مؤامرة عالمية (شيطانية) ضد القيم والمجتمعات والأديان تريد ضرب كل التقاليد والمعايير الأجتماعية التي تبنتها المجتمعات الى الآن. مع ذلك فقد فشلت كل تلك المقالات والنظريات التي تبنتها عن تقديم دليل علمي على وجود مثل هذه المؤامرة ومن يقف ورائها،أو على الأقل لم أقتنع شخصياً بموضوعية تلك الأدلة. من جانب آخر فلا يمكن أنكار وجود حركة أجتماعية-سياسية-أقتصادية-فكرية داعمة بقوة لهذا التوجه الأنساني. أن قوة الحركة وتنظيمها وتمويلها  وزخمها،كما تم عرضه هنا، لا تدع  مجال للشك بأن هناك من له على الأقل مصلحة جدية في رعايتها ودفعها نحو آفاق جديدة.  ففي الوقت الذي لم ينمو تمويل كل المنظمات غير الحكومية في أمريكا بأكثر من 50 بالمئة خلال العشرين سنة الماضية،فأن تمويل المنظمات الداعمة للمجاميع الميمية زاد بمعدل 400 بالمئة خلال نفس المدة!

أن تفسير المؤامرة هو أريح وأسهل التفسيرات التي يمكن تقديمها لمعالجة الظاهرة الميمية،كما أنه تفسير شعبوي رائج يتفق مع كثير من المؤامرات الموصوفة تاريخياً. أن مراجعة بسيطة لتاريخ المؤامرات في العالم سيظهر بوضوح أن هناك كثير من نظريات المؤامرة التي كانت تروج خلال كل فترة من فترات التغير الأجتماعي والتكنولوجي. مثلا،يقول مدير المركز الوطني للفضاء في أمريكا أن هناك على الأقل 5 نظريات مؤامرة تم تداولها وتبنيها خلال الخمسين سنة الماضية عن زيف حقيقة الوصول للقمر.  وفي التسعينات راجت كثير من نظريات المؤامرة بخصوص مجموعة النخب الأقتصادية،أو الدول الأمبريالية التي تقف وراء ظهور وأنتشار العولمة. وفي العراق مثلاً ذكر الوردي وسواه ما كان يشاع من مؤامرة ضد الدين بسبب دخول نظام التعليم بالمدارس ثم من بعد ذلك بسبب فتح مدارس للبنات. لكن يجب التشديد هنا أن هذا لا يعني أن (الميمية) هي نتاج تطور أقتصادي أو سياسي أو أجتماعي أو تكنولوجي،بقدر ما هي أحد أفرازات التغيير الذي فرضته التكنولوجيا على مجتمعاتنا. وقبل أن أتوسع في هذا المفهوم،لا بد أن أجيب عن سؤال قد يرد في أذهان الكثيرين وهو: أذا لم تكن هناك مؤامرة على الثقافات الاجتماعية الأنسانية بضمنها الأديان والقيم والمُثُل والمعايير الأجتماعية التي تبناها البشر في مختلف مجتمعاتهم،وأذا لم تكن هناك مؤامرة لفناء البشرية عن طريق منع التكاثر المبني على أرتباط الرجل بالمرأة،فما هي الأسباب التي تقف وراء هذا التنامي الذي وصفته لقوة الظاهرة الميمية؟

 أن النفعية pragmatism، بشتى تعريفاتها ومفاهيمها وصورها ،هي التي تقف وراء هذه الثقافة الأجتماعية الجديدة . نعم،أن الميمية كما وصفتها تفصيلاً في الحلقتين الأوليين من هذه السلسلة تمثل مُنتَجاً مغرياً يمكن اقتناءه للترويج للحداثة والتحرر بكل ما يمكن أن يحمل ذلك من سمات أيجابية مرغوبة كالعدالة الأجتماعية،وعدم التمييز والتطور. أن تبني مفاهيم الميمية ودعمها بات كأرتداء أحدث الملابس وأقتناء أحدث التكنولوجيا في الأتصالات دلالة على تحضّر الشخص وتطوره. هنا لا بد للأشارة الى مثل مهم جداً يمكن أن يعكس هذه المقاربة بين الحداثة وبين الميمية حدث في أسرائيل قبل ثلاث سنوات ويعكس قدرة هذه الحركة على لعب دور الرسالة المرغوب أرسالها للآخرين. هذا المثال يمكن أن يبرز ما أسميه التخادم بين الميمية والداعمين لها والذين قد لا يؤمنون بأهدافها أو متبنياتها بالضرورة.(يتبع)

فلسفة المثلية

مثل أي حركة أجتماعية جديدة تحاول المثلية ومجتمعها الأوسع(الميميون) أيجاد مقاربة فلسفية-أخلاقية تدعم توجهاتهم الفكرية وتبرر سلوكياتهم الأجتماعية. ولكي نفهم فلسفة الميميين لا بد أولا من فهم فلسفة الرافضين لهم. تستند فلسفة الرافضين للحركات الميمية الى ما يسمى بالقانون الطبيعي natural low التي أستند لها أفلاطون في كل كتاباته بخصوص المثلية إذ هناك ذكر وأنثى فقط في هذه الطبيعة.بالتالي لا وجود لأي مثلية كون الأختلاف(لا التماثل) الجنسي هو الطبيعي وهو الذي يديم الحياة. بمعنى أن التماثل(او المثلية) هي حالة غير طبيعية ناتجة عن خلل أو مرض.وقد أيد أرسطو ذلك معتبراً الأنسان جزء من الطبيعة التي لا يوجد فيها سوى الذكر والأنثى. ثم جاء توماس الأكويني في القرن 13 ليضيف للقانون الطبيعي بعداً توكيدياً يفيد بأن الوظيفة الأساسية لأي عمل جنسي هو التكاثر.هذه الأضافة جعلت الزواج المثلي محرم دينياً حتى لو كان هذا الزواج(كما يدعي مؤيدو المثلية)مؤطراً بالحب والعاطفة لأنه غير قادر على الأنجاب. هذا القانون الطبيعي هو الذي أستند له منطق المدرسة الجوهرية essentialism في الأجتماع والتي أناطت أدوار أجتماعية معينة لكل من الجنسين وأن هذه الأدوار والقيم والعادات يجب تناقلها وتعليمها للأجيال. فمثلاً،تقسيم العمل على أساس أن الرجل هو المسؤول عن العمل خارج المنزل والقيام بالصيد أو الزراعة أو سواها من الأعمال المدرّة للدخل،مقابل تفرغ المرأة للأنجاب ورعاية الأسرة والقيام بالأعمال المنزلية،هو توزيع لأدوار أجتماعية فرضتها ثقافة المجتمع كما يعتقد منتقدو الجوهرية.

من هنا فقد جاء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو  Paul-Michel Foucault في النصف الثاني من القرن العشرين ليضع ماسمي فيما بعد بنظرية البناء الأجتماعي،ولينتقد بشدة في كتابه الموسوم تاريخ الجنسنة The history of sexuality هذا التوزيع الأجتماعي للأدوار ويعتقد أنه توزيع لا يستند سوى للتاريخ والثقافة الأجتماعية، وأن المجتمعات الغربية لم تعرفه الا في فترات ليست بعيدة(بعد القرن السابع عشر) نتيجة تطور الرأسمالية والبورجوازية التي أستفادت من هذا التوزيع غير المنصف للأدوار الأجتماعية بين المرأة والرجل. وقد دعا فوكو والذي توفي بالأيدز عام 1984 الى حرية الحديث والممارسات الجنسية لانها تقود للمتعة والسعادة البشرية،بعيداً عن ما أسماه الكبت الجنسي الذي مارسته المجتمعات الغربية من خلال الكنيسة والقوانين.يجادل فوكو وأنصاره (من الميميين) بأن المتعة هي الأساس في الأرتباط بين البشر وبغض النظر عن الدور المطلوب منهم أجتماعياً نتيجة هذه الزيجة. فالزواج بعكس ما قاله الراهب توما الأكويني ليس وظيفته الأنجاب وأنما أقامة رابطة من الحب والمتعة بين الزوجين !! بالتالي فأن جنس الأنسان كما هو مفروض وشائع الآن هو بناء أجتماعي وليس موروثات طبيعية .هذا البناء الأجتماعي تم بناءه وتطويره ورعايته وفقاً لما أتفق عليه المجتمع وليس وفقاً لما يشعر به الفرد أو وُلد به. وأن المثليين ولدوا بخصائص مثلية طبيعية.وهنا نجد التشابه بين هذه الفلسفة التبريرية للمثلية وبين منطق الفلسفة الجبرية التي تعتقد أيضاً أن كل شيء مخلوق وفق أرادة الله وليس للأنسان حرية الخيار فيه.

كما ظهرت مؤخراً فلسفة جديدة سميت مابعد الأنسانية Post Humanism  والتي تنتقد كل الثنائيات التي أرتكزت لها الفلسفات القديمة مثل (الأنسان والطبيعة أو الأنسان والثقافة أو الأنسان والآخر…الخ). هذه الثنائيات كما يعتقد (الماورائيون) تقوم على الأختلاف وليس التماثل في حين يدعون هم الى التماثل أو الأندماج بين الأنسان والطبيعة أو المحيط. هذه الفلسفة تنتقد سيطرة الأنسان على الطبيعة وأستغلالها لصالحه وتدعو لأشكال تكاملية جديدة من العلاقات بين الأنسان وكل ما يحيط به(حتى التكنولوجيا) وبالتالي فأن أندماج الأنسان مع الذكاء الصناعي وخلق أنماط جديدة من الكائنات يعد أمراً مرحباً به. لقد سارع دعاة الميمية الى تبني هذه الفلسفة لأنها تخدم طرحهم القائم على عدم وجود أختلافات طبيعية بين الجنسين وأن هناك أجناس أخرى (كالمثليين) يمكن تقبلهم.

لم يكن الهدف من هذه الحلقة سوى القاء بعض الضوء على الفلسفة التبريرية للمثلية حتى وأن كنا لا نتفق معها. وأعترف أن الموضوع أكثر تعقيداً مما طرح هما لكن هذا ما يمكن تناوله في مقال موجه للعامة وليس للاختصاصيين. لذا أستميح القارىء عذراً على هذا الأختصار الذي قد يكون مخل بالمعنى أحياناً لكني أردت التمهيد للفكرة التي سأناقشها في الحلقات القادمة بخصوص تفسيري لهذا التسارع في الترويج للميميين وهذه القوة التي تقف وراء هذا التسارع والترويج.

علاقة تجارية

في الحلقة السابقة، وفي سياق تفسيري للظاهرة الميمية قلت أنها باتت مثل العلامة التجارية Brand name  التي تمثل منتَجاً مغرياً يمكن أقتناءه من قبل كل من يريد أن يتصف بالحداثة وعدم التمييز والتطور والليبرالية وسواها من السمات الأيجابية المحببة حالياً. لذلك فأن الكثيرين(وبضمنهم شركات ومنظمات كبرى) يهمهم أن توصف منظماتهم بأنها داعمة للمثلية أو مجموعتها الأوسع(الميمية). لا بل أني ذكرت في حلقات سابقة أن هناك كثير من الأبحاث المنشورة الآن ومن مراكز علمية مشهورة تقول بوجود علاقة بين تفوق الشخص وبين كونه(ميمي)،أو بين نجاح الشركة وربحيتها وبين تبنيها لسياسات داعمة للميمية. وأمتد الموضوع للسياسة حتى نشرت صحيفة الغارديان Guardian مثلاً في 2010 مقالاً للكاتبة بوار Puar ذكرت فيه أنه بعد تبني دول الغرب لمفهوم حقوق المرأة كمعيار أساسي للحكم على تطور الدول ومساعدتها،فقد تم الآن تبني مفهوم جديد للحكم على الدول هو أحتضان الدولة State Pinkwashing للمثلية (تحديداً وبغض النظر عن أحتضان مجاميع الميم الأخرى) . وصار على الدول أن تثبت أنها من مناصري المثلية كي يحكم عليها بالحداثة والتطور وعدم التخلف.وهناك مثل سياسي واضح لهذا الأدعاء هو ما قامت به جهات في(أسرائيل) لغرض ما أسماه أحد الباحثين في رسالته لنيل الماجستير من أحدى الجامعات الأيطالية بالأحتضان الأسرائيلي Israeli Pinkwashing  كأستراتيجية تتبناها الدولة في المجال العالمي. ففي مقال رأي نشر في النيويورك تايمز في نوفمبر 2011 دعت ساره شولمان  Sarah Schulman أسرائيل الى تبني هذا المصطلح والترويج له كدليل مضاف على أن أسرائيل هي واحة للحداثة والتطور في وسط غابة من الوحوش الذين يضطهدون النساء ويقتلون المثليين. ونقلت خطاب نتنياهو في مايس من تلك السنة أمام الكونغرس الأمريكي والذي قال فيه “اننا نعيش في شرق أوسط ترجم فيه النساء ويشنق فيه المثليين ويضطهد فيه المسيحيين”.

ولغرض تحقيق هذه الأستراتيجية فقد تم تبني حملة علاقات عامة تبنتها منظمات الدفاع عن المثليين تم خلالها صرف مبلغ 90 مليون دولار للترويج لمدينة تل أبيب بأنها “مدينة الأجازات للمثليين في العالم”. كما شجعت الدولة هناك على الترويج لواج المثليين بل أنها أنتجت فلماً تحت عنوان “رجال أسرائيل” يروج للمثلية وتم تصويره في أحدى القرى الفلسطينية السابقة بحيث تكون الرسالة واضحة ( نطهر هذه الأراضي من العرب الهمج لكي نقيم عليها واحات للحداثة والتطور).

واضح أذأً أن هناك محاولة لجعل الميميين تعبير خالص عن الحداثة والليبرالية والتطور. وعلى الرغم من ضرورة التأكيد أن كثير من الليبراليين في الغرب يرفضون هذا الربط التسويقي بين مفاهيم التطور والحداثة والليبرالية وبين مفهوم المثلية لكن يجب الأعتراف أن الحملة التي قادتها المنظمات المدافعة عن هذه الظاهرة كانت ناجحة جداً في فرض هذا الربط في أذهان المتلقين وهو ما سبق أن أشرت له في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة. ولأن الأستثمار في النجاح هو أحد مبادىء التسويق الناجح فقد تبنت كثير من الدول والمنظمات والشركات في العالم شعارات الدفاع عن المثلية،ليس بالضرورة لأنها تخدمها،بل لأنها بالضرورة ترسل رسائل أيجابية مرغوبة للمتعاملين مع تلك المنظمات والشركات وبالتالي تجعلها عضو مشارك في العوائد الناجمة عن هذه الممارسات بما يدر عليها أرباحاً كبيرة سواء بشكل أموال نقدية أو فوائد وعوائد أخرى.  أنه تجسيد حي لما يسمى في علم النفس بنظرية العزو attribution theory  حيث يقوم الأدراك الأنساني بالوصول الى أستنتاجات أو أحكام سببية يعزو فيها حصول أحداث معينة (كالنجاح او الفشل) الى أسباب معينة،وهي الميمية في حالتنا هذه. (يتبع)