
حكاية من زمن الحصار الجائر – محمد مجيد الدليمي
مر العراق خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، بظروف اقتصادية صعبة، جراء الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرض عليه من قبل مجلس الامن الدولي انذاك، وانعكس ذلك على حياة الشعب وخاصة الطبقة الفقيرة واصحاب الدخول المحدودة من موظفين ومتقاعدين، في تلك الايام العجاف كنا نعمل في مهنة المحاماة، ومن جراء قرار الحصارالظالم اصابت مهنة المحاماة حالة من الركود، عزف اغلب الناس عن اقامة الدعاوي وتوكيل المحامين، بسبب البطالة والتضخم وعدم توفر المال، مما اضطر البعض الى بيع مواد واثاث البيت من اجل سد تكاليف المعيشة واطعام العائلة .
هناك حكاية لاحد زملائنا المحامين انذاك، الذي ضاقت به الحياة المعاشية وتعسرت ظروفه المادية، وذات يوم نهض صباحا ولم يجد فطورا صباحيا له ولعائلته، عدا قطع من رغيف الخبز والشاي، مما دفع زوجته ان تطلب منه ان يبيع طخم صحون الفرفوري وقوري قديمة كانوا معتزين بها، وذلك لشراء طعام لهم ولاولادهم، على اثر ذلك اخذ زميلنا (ابو جواد) كارتون الصحون مع القوري و ذهب الى سوق الهرج في منطقة بغداد الجديدة.
وهناك بالمصادفة وجد صديقا ، له بسطية يبيع صحون وقواري الفرفوري، واخبره بانه جاء هنا لبيع هذه الصحون، فقال له الصديق تعال وبسط مع بسطيتي، حيث اعطاه مساحة متر ونصف من بسطيته، عسى ان تبيع صحونك، جلس (ابو جواد) ووضع بسطيته امامه، وبدا ينتظر من الناس ، ان ياتوا اليه ليشتروا صحون الفرفوري .. اثناء ذلك لمح من بعيد رجل ينظر الى البسطيات وهو يمشي ويتمعن بالصحون المعروضة، حتى وصل اليه وبدا ينظر الى الصحون والقوري، وفجأة انتابته حالة نوبة صرع، وسقط على الصحون الفرفوري وكسرها كلها عدا القوري .. قام ( ابوجواد) مع الناس الذين سارعوا لمساعدة الرجل المصروع وشاركهم بتقديم العون له .
وبعد ان افاق من نوبة الصرع وعاد اليه وعيه، التفت الى صاحب الصحون المكسورة وقال له : اعذرني عن الذي حصل وانا مستعد لدفع اثمان الصحون، اجابه ابو جواد قائلا : انك معذور، وليس لك ذنب بذلك، لانك مريض، فدوة لك، بعد ذلك غادر الرجل المريض، ثم عاد ابو جواد ينظر الى القوري الذي بقي له، ورماه مع الصحون المكسورة .
وقال مع نفسه ( الحمدلله على كل حال) ثم التفت الى صديقه صاحب البسطية المجاورة، وطلب منه ان يقرضه مبلغ خمسة الاف دينار لتمشية اموره، قام الصديق باعطاه المبلغ المذكور وقال له : هذا مني لك، لانك وقفت معي قبل سنوات وكنت تقدم لنا الاستشارات القانونية وتنصحنا بما يرضى الله تعالى .اخذ (ابوجواد) المبلغ وذهب الى المحكمة عسى ان يحظى برزق ، وعند دخوله باحة المحكمة، نادى عليه بائع الشاي (جايجي) غرفة المحامين، وقال له : اسرع فان القاضي الاول محكمة الاحوال الشخصية، سال عنك، ذهب ابو جواد مسرعا الى القاضي الاول ، حيث كلفه الاخير، بعد ان انتخبته المحكمة خبيرا في تحرير تركة، تتكون من عقارات و محلات تجارية، تعود لعائلة غنية، فرح ابوجواد وقال مع نفسه (فرجت ان شاء الله)، ثم اخذ اضبارة الدعوى، وذهب الى تنفيذ ما مطلوب منه وفق القانون، وحصل من جراء ذلك مبلغا لاباس به، عوضا عن خسارته بكسر صحونه والقوري ..
اخيرا رجع ابو جواد في عصر ذلك اليوم الى بيته مسرورا، بعد ان ذهب الى السوق واشترى كل حاجيات البيت، وهو يردد مع نفسه، الحمد لله، كم انت كريم يا رب .























