شخصيات عرفتها رفعت مرهون الصفّار

شخصيات عرفتها رفعت مرهون الصفّار

مؤرخ معمر يقرظ الشعر بنفس طويل

صلاح عبد الرزاق

رفعت الصفار أحد أشهر المؤرخين المعمرين في العراق . فرغم بلوغه الرابعة والتسعين عاماً لكنه ما يزال محتفظاً بنشاطه وحركته. فلا تكاد تخلو منه أية فعالية أدبية أو ثقافية أو تاريخية أو اجتماعية. وتساعده في ذلك قوة ذاكرته التي تحفظ الحوادث والتواريخ وأسماء الشخصيات والمحلات القديمة ، وكأنه يقرأها في كتاب مفتوح أمام ناظريه.

الأسرة والنشأة

والده هو مرهون بن حسن بن درويش الخزاعي الشهير بـالصَفّار (1895 – 7 مايس 1961) شاعر عراقي. ولد في بغداد ونشأ فيها ودرس في مدارسها حتى الثانوية، ثم انتقل إلى النجف وتعلّم فيها ومكث فيها ستة أعوام ثم غادرها حيث توظّف في المحاكم الشرعية، فتنقّل في معظم المدن العراقية. وصف بأنه كان شاعرًا مطبوعًا طويل النفس. نظم بالفصحى والعامية، وله في كل منهما ديوان.

ولد مرهون بن حسن بن درويش الصفار الخزاعي في بغداد سنة 1318 هـ/ 1895م ونشأ بها. دخل المدارس الرسمية وتخرج فيها، ثم انتقل إلى النجف سنة 1915 وسكن بها ست سنوات ثم انتقل إلى الكوت وتلمذ بها على عباس شكارة وباقر زاير ادهام وحبيب المهاجر وبشير الشوكيني واستمر على دراسة العلوم العربية ومبادئ الفقه والمنطق في جامعة النجف العلمية، لكنه برز في الشعر الشعبي، والفصيح. نشر في صحف ومجلات في النجفية والبغدادية، وانتمى إلى جمعية الرابطة العلمية الأدبية في النجف. رجع إلى بغداد وعين في إحدى دوائر الدولة، وله مساجلات شعرية مع شعراء عصره حتى عدَّ منهم وكان حلو الحديث طيب المعشر. توفي في بغداد في 22 ذي القعدة 1380 / الموافق مايس 1961 ونقل إلى النجف ودفن هناك.

رزق مرهون الصفار بستة أولاد وهم : كواكب ، مصطفى ، محمد ، نجاة ، ناجي ورفعت.

سيرته من لسانه

في صباح يوم ربيعي من أيام بغداد في31 آذار 2023 زرت المؤرخ الكبير رفعت مرهون الصفار بصحبة مدير المركز الثقافي البغدادي السيد طالب عيسى ، حيث خرج إلينا عند الباب الخارجي لمنزله القديم، ففتح الباب ورافقنا عبر ممر طويل حتى دخلنا منزله. في غرفة الضيوف اصطفت مجموعة من الأثاث القديم، وتناثرت الكتب والأوراق على المناضد. وازدانت الجدران بصوره وبطولاته وأولاده.

حدثني السيد رفعت فقال:

ولدت في 25 كانون الثاني 1929 في بغداد محلة صبابيغ الآل . ما معنى صبابيغ الآل؟ وجدت في شهادة والدي وأختى ان اسمها البوچلر . وسألت عنها الكثيرين فلم يعرفوها ، حتى شرحها لي أحد التركمان فقال: إن أصلها (آل بويچي لر) بالتركية ، ومعنى (آلل) هو اللون الأحمر القرمزي ، وال (بوية) صبغ ، و(بويچي) يعني صباغ ، و (لر) للجمع . فمعناها صبابيغ اللون الأحمر القرمزي.

– بقي رسمها العثماني القديم لكن أصبح سكانها من التجار وليس من الصباغين. كان رئيس غرفة التجارة جعفر أبو التمن والدكتور صادق البصام وجعفر حمندي وذيبان الغبان وغيرهم من التجار والوزراء كانوا يسكنون فيها.

درست الابتدائية في عدة مدارس أولها مدرسة المرشدية في العمارة ، ثم انتقلنا إلى بغداد فدخلت مدرسة العوينة ، ثم درست في مدرسة باب الطاق بكربلاء ، وثانوية مدرسة الغري في النجف الاشرف. ومن بعدها معهد الصحة العالي.  ثم دخلت دورة حول الإدارة والذاتية فكنت الأول بدرجة الشرف. في عام 1975 سافرت الى مصر ودرست لمدة ستة أشهر في السلامة المهنية.

بدأت بنشاطاتي الأدبية والتاريخية بعد الإحالة على التقاعد عام 1980 . كان هناك وزير في عهد عبد السلام عراف اسمه كاظم معلة استوزر لمدة ستة أيام، وكان يدير مجلس الشعرباف.

تحدثت عن محلات بغداد فوجدت ارتياحاً لدى الجمهور ، فقررت المضي فيها .

مجلس مرهون الصفار في النجف الأشرف كان والدي شاعر شعبي ، ولما اقام في النجف الأشرف تحول إلى نظم الشعر القريض والفصحى. وكان شاعراً محترماً. بقي في النجف عشر سنوات وكان يعمل باشكاتب في العدلية. وكان يجيد صياغة التاريخ باستخدام حساب الحروف. فقد نظم تاريخ مولد ابني المرحوم سامر فقال:

وإذا أضيف واحد آخر   أرّخت (ذا لب الحشا سامر)فإذا جمعت حروف (ذا لب الحشا سامر) وأضف إليها (واحد) يكون المجموع 1956 وهو عام مولد سامر. صدر لوالدي ديوان شعر طبعته أختي ابتسام ، وهي متدينة ، فاستثنت القصائد الغرامية ، وأبقت على القصائد الحسينية. كان لوالدي مجلس أدبي يسمى بـ (مجلس الخميس) ويعقد في النجف الأشرف آنذاك. وكنت أحضره منذ كنت في الابتدائية والمتوسطة والثانووية. وكان يحضره كبار الشخصيات مثل محمد علي اليعقوبي (1895- 1965) ، محمد سعيد الحبوبي (1849- 1915) ، محمد رضا المظفر (1904 – 1964) ، جعفر الخليلي (1903 – 1985) ، وعلي الخاقاني (1910- 1980) . وبعد انتهاء التعزية (المجلس الحسيني) وخروج الناس ، يبقى هؤلاء الثلة لاكمال مجلسهم الأدبي بحرية. أخواي محمد ومصطفى كانا ممنوعين من تقديم شيء في المجلس لأنهما كبيران ويفهمون الأشياء وقد يتحدثون بما يجري في المجلس. وكنت صغيراً أقدم الشاي والماء وما يحتاجونه. لقد كانوا يتصرفون بأوسع نطاق الحرية في الكلام والمزاح. فإذا رأيت الشيخ محمد رضا المظفر لن تصدق أنه ذلك العالم الجليل القدر. وكان الشيخ محمد علي اليعقوبي يتصرف بحريته دون قيد. عندها ستدرك عظمة هذه الشخصيات من أريحية وإخوانيات وشعر وأدب. لم تكن مجالس خطب وكلمات ، بل محادثة ومساجلة ، فمثلاً يبدأ أحدهم القول اليوم رأيت رفعت ويتناول سجاياه. فينبري الآخرون بالتعقيب والتعليق ، وأن رفعت مشهور بكذا ، ويقرأون أبيات من الشعر بعضها ارتجالي . كان كل واحد منهم يتولى إقامة مأدبة للجميع في كل شهر أو عشرين يوماً. وكان إقامة المأدبة يتضمن شرطين: الأول أن تقدم أكلة غريبة ، والشرط الثاني أن لا تجلب أحداً معك. كان محمد حسن الصوري كان يجلب أخيه محمد علي الصوري معه حتى قيل فيه :

عجب عجب عجب

 هذا الصوري وله ذنب

ثم ينبري الآخرون بالتشطير وقول أبيات على نفس القافية ، فيها مزاح وسخرية وضحك.

حادثة غرق

في أحد المرات أنشد أحدهم قول الشاعر: (كاد المعلم أن يكون رسولا)

فقام جعفر الخليلي وأكمل البيت بعجز من عنده. وهكذا يقضون السهرة في تبادل الشعر والأدب . ومرة تناولوا الحرب العالمية الثانية ، أو حادثة غرق التايتانيك ، أو غيرها من الأحداث المثيرة.

وروى رفعت هذه الطرفة: جاء مرة الشاعر علي البازي (1904- 1967) ودخل التواليت ، وبعد هنيهة صاح: اجلبوا الماشة! فتعجبنا لأن منزلنا جديد ولا يوجد في عقارب. اتضح بعد ذلك أنه الشيخ البازي حضره بيت من الشعر فأراد أن يدونه ، فسقطت نظاراته في المرحاض، فأراد أن يلتقطها ويخرجها. فكانت تلك الليلة تمركزت حول الشيخ علي البازي ونظاراته وما حدث له.

قصة تعيين والدي موظفاً

عندما مات جدي ، عرض أصدقاء والدي محمد حسن كبة وذيبان الغبان و صادق البصام (1897 – 1960) عليه أن يدفعوا له راتباً ، فقال: لا أريد أن استجدي، فتحول إلى مهنة الصفار. وكان لديه الدكان الثاني في سوق الصفافير. وكان لديه بيت قرب السوق.

في العشرينيات كان والدي يمدح السياسي جعفر العسكري (1885- 1936) . في أحد المرات جاء مبعوث من العسكري وسأل: من هو مرهون الصفار؟ فقال: أنا. فقال: الباشا يقول غدا تعال إلى القشلة. فارتدى والدي افخر ثيابه وذهب في اليوم التالي. فأجرى له امتحاناً ، وكانت النتيجة عشرة من عشرة، فقلت له: أعطاك عشرة لأنك تمدحه في شعرك. فقال: لا ، ليس كذلك ولكن البقية لا يعرفون كتابة اسمهم. فتم تعيينه براتب مائتي روبية هندية.

كان وزير المالية محسن شلاش (1882- 1948) فراجعته حول التعيين فقال لي: اذهب وكن حداداً أو نجاراً ، فقال له: چلبي لقد حلقت لحيتي، وصار أهل المحلة يسموني ابن حسن كافر وليس مرهون لأنني حلقت لحيتي. فذهب والدي إلى جعفر أبو التمن ، الذي كان جارنا، فأرسل على بعض الذين يعيرونه بلحيته وقال لهم: وما شأنكم بلحيته ، هو وربه. بعد رفض تعيين والدي، عاد إلى جعفر العسكري وقال له: يا باشا أنا لم أطلب التعيين ، ولكن جنابك أرسلت علي ، ووزير المالية يرفض. فقام العسكري بالاتصال هاتفياً بوزير المالية محسن شلاش واقنعه بتعيين والدي. بعد فترة اجتمع المجلس التأسيسي وبسبب الضائقة المالية تقرر الاستغناء عن بعض الموظفين ، ونبدأ بمرهون الصفار. راجعت جعفر العسكري وقلت له: ما ذنبي؟ فقال: اصبر عدة أشهر. فقلت: كيف أصبر ولدي أربعة أفواه ، أمي وأخواتي الثلاثة ، وأنا وحدي.

فقال: ماذا أفعل فهذا هو النظام العراقي. ثم رفع سماعة الهاتف واتصل بوزير العدلية الذي قال له: لدي شاغر بدرجة كاتب أول في العمارة وبراتب مائة روبية، فهل هو مستعد للذهاب إلى العمارة؟ فقال والدي: نعم أذهب. فذهبنا إلى العمارة ثم السماوة ثم العمارة مرة أخرى. فكان مجموع ما بقيناه في العمارة ست أو سبع سنوات.

المشاركة في تظاهرات ١٩٤٨

يقول رفعت : في مظاهرات عام ١٩٤٨ ضد المعاهدة البريطانية العراقية في بورتسموث ، جاءني والدي وحلّفني يميناً أن لا أخرج ولا أشارك فيها. بعد ساعة شاهدت أبي يعود إلى المنزل ويده مكسورة ، فقلت له: لقد منعتني من التظاهر لكنك أنت شاركت في التظاهرة؟ فقال: لا يا ولدي ليس الأمر كذلك. لقد كنت واقفاً مقابل ستوديو بابل ، ورأيت شرطياً يركب حصاناً يلاحق فتى يريد منعه ، فرفع عصاه ليضربه ، فسحبت الغلام كب يتفادى الضربة ، فوقعت العصا على يدي وكسرتها.

كان لوالدي علاقة بحسين فخر الدين، وكان عضوا في البرلمان. وكلما احتاج لمبلغ من المال أذهب اليه في المقهى، فينادي علي قائلاً: بني هل تحتاج شيئًا؟ في أحد المرات نهرني قائلاً: تعال واجلس هنا. وأكمل معاتباً: ألا تترك هذه الأمور؟ فتعجبت عن هذا التصرف. وكان عمري ١٧ عاماً ، فسكت ولم أقل شيئاً. ولكن كان يردد كلمة هتافات (هوسات). ثم جاء شيخ ذو شعر أصفر وسأله: أهذا صاحبك؟ فأجاب: نعم. ثم التفت إلي قائلا: لماذا لا تترك هذه المسائل؟ وأخرج صورة وأنا فيها يحملني مجموعة من الأشخاص. ولا يمكن لشخص أن يخطأ بشكلي وملامحي الواضحة. ثم سألني٬ من هذا؟ ثم أضاف: إن حظك جيد ، وكنت ستكون من الذين اعتقلهم ، لكن عمي حسين فخر الدين قال عنك بأنه ابننا. وقال: لا تتصور أن عيون رجال الأمن غائبة عن أي تظاهرة. فإذا كنتم مائة ، فيوجد عشرون من رجال الأمن فيهم. وأحياناً من يحمل لافتة المظاهرة هو من رجال الأمن. وإذا لم تترك هذه الأمور أرسلك إلى نايل أحد مسؤولي الأمن.

في أحد الأيام كان هناك شرطي أمن كردي فيلي بباب المنزل، وكان منزل عمتي خلف منزلنا ، فنويت أن أعبر إليهم ثم أخرج من دارهم من الجهة الأخرى. وكان أخي محمد يعمل في الحرس الملكي. وكان ابن عم ناجي جواد ، وكان صديقاً لبهجت العطية فقال ليذهب وأنا أتصل بنايل المسؤول في دائرة الأمن. فوجدت هناك زميل قديم هو زهير قاسم شكري ، وكان قبلي بدورة في الديوانية. فسألني: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقلت: أريد أن أقابل نايل. فقال: كل من يدخل على نايل إما يحصل على براءة أو يسجن! ولا أنصحك أن تدخل عليه. فلما دخلت : صاح بي: تبرأ من الشيوعية . وكنت معتمداً على بهجت العطية ، فقلت: من يترك الكذا (الخمر) كم له من الثواب؟ فقال: نعم أكيد. فقلت: فهل أتهم نفسي أنني شيوعي ، وأخي محمد في الحرس الملكي ، وسيناديه الوصي عبد الاله ويقول له: بابا أنت أخوك شيوعي؟ فكيف أقبل ذلك على نفسي. وأنا أعمل بعد الدوام لتوفير الأدوية ؟ فقال نايل: إنزل إلى الطابق الأرضي. فاصطحبني رئيس عرفاء إلى مفوض أمن الذي حاول مجاملتي، وقدم لي علبة سجائر ممازحاً.

رفعت والرياضة

لقد مارست الرياضة . في عام ١٩٤٣ حصلت على المركز الأول في بطولة الثانويات بالملاكمة ، ولدي صورة لتلك المناسبة. وحصلت على بطولة ثانوية النجف في كرة المنضدة. وفي بغداد حصلت على بطولة كأس كلية الصيدلة بالمنضدة بالفردي والزوجي. وفي لعبة الريشة ، كان حلف بغداد قد حصل على البطولة بالفردي وأنا الثاني. وفي الزوجي كنت أنا ومحي عبد الحسين ، الذي أعدمه صدام عام ١٩٧٩ في قاعة الخلد ، حصلنا على المركز الأول.

في أحد المرات زارني فريق من التلفزيون وسألني عن بطولاتي فلما تحدثت قال لي المذيع: لا تذكر اسم محي عبد الحسين بل قل صاحبي في المباراة. ولم أشارك في أية بطولة خارج العراق لأن لا توجد جهة تتبنى إنجازاتنا ، خاصة وأنني كنت في النجف الأشرف ، والحكومة لا تعير آنذاك انتباهاً للنجف وأهلها.

كنا نتدرب في قاعة الملاكمة في ثانوية النجف فيها جميع الأجهزة الرياضية. وكان مدربنا هو جليل مرتضى الذي أصبح مدرباً للملك فيما بعد.

لم تكن آنذاك سوى أربع قاعات في العراق ، واحدة في النجف ، والثانية في الإعدادية المركزية ، والثالثة في إعدادية الموصل، والرابعة في إعدادية البصرة . أتذكر زيارة الملك فيصل الأول للمدرسة الجعفرية .

حديث حول أبنية بغداد التراثية

تناولنا الكتب التي تحدثت عن بغداد، فقلت للسيد رفعت: المؤرخ المرحوم سالم الألوسي (١٩٢٥- ٢٠١٤) أهداني كتاباً بعنوان شارع الرشيد يتحدث فيه عن الأبنية التراثية الواقعة على جانبي الشارع من باب المعظم وحتى الباب الشرقي.

وأضفت: قبل أيام ذهبت مع الدكتور علي النشمي في جولة تراثية بمنطقة الميدان. فأراني الجزء الصغير المتبقي من سور بغداد القديم. وهذا الجزء محشور بين قاعة الشعب وبين وزارة الدفاع. ولا يكاد يرى إلا للمختصين.

كما شاهدنا فندق الهلال الذي صار آيلاً للسقوط ، وتم منع المارة من المرور قربه أو تحته مخافة أن يسقط عليهم. وكان قبل تسعين عاماً تياترو الهلال أي مسرح الهلال الذي غنت فيه أم كلثوم عام ١٩٣٢. ثم شاهدنا بيوت قديمة ودكاكين تراثية ومنها خان المدلل ، وقد التقيت ببعض رجال الخان الذين دعوني لزيارتهم أيام السبت حيث توجد حركة ثقافية. هذا المنطقة غنية بالمعالم التراثية مثل سوق الهرج وبناية المصرف العقاري المهملة التي كانت مبنى خزينة بغداد قبل السقوط. وهو مبنى بناه مهندس معماري إيطالي. وكلها أبنية مهملة ومتروكة في طريقها للانهيار والانتهاء.

علق رفعت سائلاً: لقد تم تهديم مدارس النجف الحوزوية. هل سبق لك أن رأيتها؟

أجبته: في عام ١٩٧٤ وكنت طالباً في كلية الهندسة ، كانت لي جولة للتعرف على مدارس النجف الشهيرة التي يسكنها ويدرس فيها طلاب الحوزة العلمية. وكانت معي كاميرتي حيث قمت بتصوير واجهات المدارس وأبوابها وأفنيتها وأروقتها وحدائقها وزخرفة البناء. وقد أعطيت الفلم إلى مصور أبله على ما يبدو ، إذ قام بإخراج الفلم الأسود من علبته في الضوء فاحترقت كل الصور. وكان عليه أن يخرجه في غرفة مظلمة أو حمراء ثم يقوم بتحميضه. بعدها يمكن إخراجه إلى الضوء العادي وطباعته. فأتلف الصور ومنها صورة كبيرة للإمام الخميني معلقة في واجهة إحدى المدارس، ربما كانت مدرسته.

موقف محرج من أحد الحضور

تحدث السيد رفعت فقال: أتذكر أن السيد تحسين معلة طلب مني إقامة أمسية بغدادية، فقلت له: الناس تتوقع رياضة ، بنات جميلات ، فكيف تريدني إدارة برنامج تلفزيوني؟ فقال: هؤلاء كلهم غنم!! فلما انهيت كلمتي ، قفز طالب من الاتحاد الوطني وقال: استمعتم إلى رفعت الصفار ، والآن جاء دور كلمة الاتحاد. قرأت آية الكرسي في نفسي، لأنه قد يسألني عن صدام، فماذا أقول له؟ لكنه قال: المشهور عنك أنك تحب السفرات، مرة داخل العراق ، وفي الصيف تأخذ عائلتك إلى الخارج. فلو عدت إلى الماضي أين تريد العيش؟ فأجبت: إذا بنفس الظروف أفضل العيش في النجف الأشرف. وأنا لم أعلم أنه عاني، فقال: ولماذا؟ فوجئت وأضفت: في النجف نعيش مع مشايخ لبنانيين وغيرهم ولديهم طعام لذيذ.

فقلت للطالب: عندما كان على أبي إقامة المأدبة كان يأتي بصينية صفر (نحاس) توضع على الطبلية وهي منضدة قصيرة القوائم يجلس حولها الضيوف. فيأتي أخي مصطفى بالصينية وعليها قماش قطني خفيف. وكان أبي قد أطفأ النور كي لا يعلم أحد ماذا في في المائدة. وكانت العادة تقديم السيد أولاً فكان السيد أحمد الهندي ابن السيد رضا الهندي (١٨٧٣- ١٩٤٣) صاحب القصيدة :

أمفلج ثغرك أم جوهر     رحيق رضابك أم سكر

قد قال لثغرك صانعه     إنا أعطيناك الكوثر

وكان السيد معه ضيف هو شيخ من شيوخ الفرات الأوسط ، فقدّم الشيخ ، فمد يده إلى المائدة وهو لا يعرف ماذا يأكل. ثم علقت: هذه كانت حياتنا في النجف الأشرف.

حديث عن يهود العراق

رفعت: كان يوجد كنيس اسحق فيه نفائس ومقتنيات يهودية قديمة. وكانت المسؤولة عنه إمرأة . ذهبت معه إليها  بصحبة مختار المحلة ، وكان معي ابن أختي. لقد نهبت كل الآثار اليهودية أو تهدمت أبنيتها.

فقلت : لقد زرت منزلاً من جهة شارع النهر يشرف على النهر. ذكر لي الشرطي يعمل ضمن سرية للدفاع المدني في المنطقة بأن المنزل في التسعينيات (ربما عام ١٩٩٧) شهد حادثة اغتيال ثلاثة يهود كان يسكنون فيه. وكان الفاعل فلسطيني أراد الانتقام من عراقيين بعد أن فشل في مواجهة صهاينة في فلسطين. استخدم الرشاش في قتلهم ، ولم تنج من المذبحة سوى سيدة كانت في الطابق الفوقاني. وذكر الشرطي أن أحد المقتولين كان اسمه صهيون.

رفعت: في يوم كنت أتمشى ومعي داود الرحماني وشاهدت زقاقاً ضيقاً ، وعلى أحد الأبواب توجد كتابة بالعبرية وسنة ١٩٣٤ . وعندما أردت التقاط صورة للباب رفضت صاحبة المنزل.

عندما تم تهديم مقبرة اليهود تم استخراج رفات بعض الشخصيات ثم أعيد دفنها في مكان آخر.

أنا: المس بيل ( ١٨٦٨- ١٩٢٦) تذكر أنه في عام ١٩٢٠ كان يوجد (٩٠) ألف يهودي. وهذا رقم كبير لأن كل سكان بغداد آنذاك بحدود ٢٥- – ٣٠٠ ألف نسمة. وكانوا يسيطرون على التجارة.

رفعت: في بداية الثمانينات ذهبت إلى شارع المستنصر وكان لديهم مبنى يعود لجميل دنو وهو مهندس. وذكر لي بأن اليهود المتبقين لا يتجاوز (٩٠) شخصاً.

أنا: زارني أحد اليهود في مكتبي بالمحافظة عام ٢٠١١، لا يتجاوز عمره الخمسين عاماً اسمه شلومو. جاء يشتكي بأن جار منزل جده ، الواقع في ساحة الطيران ، فتح فتحة في الجدار بينهما ودخل منزل جده واستخدمه كحظيرة للأغنام. ولما كان الاعتداء على عقار خاص وليس عقار حكومي حتى تتدخل المحافظة حسب الصلاحيات، فقلت له: سأوكل لك محامياً يرفع لك دعوى ضد هذا الشخص في المحكمة.  طلبت منه هوية الأحوال الشخصية فأبرزها لي وهي عراقية. ثم سألته عن السند العقاري (الطابو) لدار جده ، فأظهره لي وتاريخه يعود لعام ١٩٣٦. بعد عدة أشهر تذكرت قضيته ، وسألت عنها في المكتب، فاتصلوا به فقال: بعد أن خرجت من المحافظ وتحدثت بما جرى وأن المحافظ وعدني بإخراج المتجاوز عليك وانتشر الخبر بين الناس ، فسمع المتجاوز وخشي على نفسه، فقام بسحب أغنامه إلى منزله ، وأغلق الفتحة التي في الجدار. وبذلك انتهى الموضوع. في حينها سألته عن عدد اليهود في بغداد فقال: لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين. أي دون العشرة يهود.

الغريب ولأنها أول حادث منذ الخمسينيات أن يقوم مسؤول حكومي باستقبال مواطن عراقي يهودي فقد وجدت صدى كبيراً في أمريكا. ونشرت الخبر مئات الصفحات والمواقع الأمريكية واليهودية واهتمت به كثيراً.  ليهود العراق تراث وبصمة في بغداد من خلال الأبنية والتجارة والمناصب والثقافة والفن.

رفعت: كان مبنى الميتم الإسلامي يقع خلف الكلية الطبية وفيه منام وطعام وخدمة وصحة وتعليم ، بناه اليهودي مناحيم دانيال (الثري صاحب سوق دانيال في شارع النهر). وطلب وضع تمثال له في الميتم فرفض المسلمون.

سألت جميل دنو اليهودي: لماذا تغادرون العراق؟ فقال: إنهم شباب يريدون الزواج، لأن الصهاينة جلبوا كل البنات فبقي الرجال وحدهم.

أنا: حركة التهجير نالت تقريباً كل الشعوب والدول. في أوربا في الحرب العالمية الثانية وما قبلها. في العراق بدأ تهجير الكرد الفيلية عام ١٩٧٠ وعام ١٩٨٠ بحجة انتمائهم الإيراني. وبلغ عددهم قرابة المائتي ألف مهجر. تمت مصادرة أملاكهم وأراضيهم وعقاراتهم وسياراتهم ومكائنهم ومحلاتهم التجارية ومخازن البضائع والشركات وكل شيء وكان فيهم من كبار تجار جميلة والشورجة ، ثم قاموا بتهجيرهم في ظروف وحشية وقاسية. واحتجزوا أولادهم من عمر ١٧ فما فوق ، والذين تم احتجازهم في سجن نقرة السلمان الصحراوي في السماوة وماتوا فيه ولم نجد له أثر. لقد التقيت ببعضهم في المهجر وكانوا في وضع معيشي بائس. فكانوا يبكون على أولادهم الذين أخذوا منهم وفارقوهم عنوة.

 وبعد سقوط النظام تم تأسيس هيئة نزاعات الملكية بهدف استرداد عقاراتهم بعد ثلاثين عاماً !!

رفعت: كنت في لندن ، واستأجرت غرفة في بناية. وكانت هناك سيدة تشاهدني وتبكي، فتعجبت وسألتها عن سبب بكائها، فقال: أجلس. فحدثتني عن عائلتها ، وأنها من بيت زاهد المعروف تم تسفيرهم إلى إيران ثم غادروها إلى بريطانيا. وأضافت: عندما تمر أنت ، أتذكر ابني لأنك تشبهه. وفوق كل ما تعرضنا له من تهجير وتسليب ، وصلنا إيران فأخذوا منا مصوغاتنا الذهبية.

حفلات المشانق البعثية

رفعت: هل رأيت الآن جاسوساً يهودياً ؟ أم أنهم فلسطينيون ومصريون؟

أنا: عندما جاء حزب البعث للسلطة استغل وجود اليهود واتهم بعضهم بالتجسس لصالح إسرائيل. فقام بتعلق جثثهم في بغداد والبصرة أمثال عزرا ناجي زلخا، إضافة إلى آخرين مسلمين مثل عبد الحسين جيته . لقد شاهدت جثثهم بعيني وهي معلقة في ساحة التحرير عام ١٩٦٩. في آنذاك طالباً في الرابع إعدادي في إعدادية المأمون للبنين. وفي أحد الأيام جاءت باصات ذات ٤٠ راكباً، وتوقفت أمام باب المدرسة، وأجبرونا على ركوبها. كنت أتوقع أنها ستكون للمشاركة في تظاهرة تأييد للنظام البعثي كعادته. وصلنا إلى ساحة التحرير ، وفوجئت بمنظر تقشعر منه النفوس، جثث مدلاة من المشانق ، وعليها حبال المشنقة . ورأيت الناس تهتف (عاش قرار المحكمة بإعدام زلخا وجيته). تركتنا الباصات ولم تعدنا إلى المدرسة فذهبت إلى محطة باصات نقل الركاب في ساحة النصر (قرب تمثال السعدون الحالي) وركبت الباص رقم ٢١ المتوجه إلى حي الخضراء حيث كان منزلنا.

تكريم المؤرخ رفعت الصفار

في أصبوحة بغدادية مشمسة في يوم الجمعة ٢٠ من شهر كانون الثاني ٢٠٢٣ وفي قاعة مصطفى جواد أقام المركز الثقافي البغدادي حفلاً بمناسبة عيد ميلاد المؤرخ رفعت مرهون الصفار الذي بلغ أربع وتسعين عاماً. وقد شارك في الحفل نخبة من الأدباء والمثقفين والإعلاميين تثميناً لجهود الصفار وإسهاماته في حفظ التراث البغدادي.

لم تكن هذه المرة الأولى التي قمت بها بتكريم المؤرخ رفعت الصفار فقد سبق أن كرمته في مناسبات أخرى ، وأهديت له درع محافظة بغداد.

ألقى الدكتور صلاح عبد الرزاق كلمة أشار فيها إلى إنجازات الصفار ومقالاته ودراساته المتميزة في الحفر في تاريخ الملات البغدادية التي يعود بعضها إلى العهد العباسي مثل (محلة صبابيغ الآل) ، ويصفها كأنه يأخذ بيد القارئ ليتجول في أزقتها ومنازلها وشناشيلها ومحلاتها ومقاهيها ودكاكينها. ويطرز الصفار دراساته بالشعر والأمثال البغدادية والخرائط التي تبين درابين المحلة وأسماء العائلات الساكنة فيها. كما نشر صوراً قديمة لبعض الأبنية والشخصيات المعروفة.

وأضاف عبد الرزاق: إن مجلة (بغداد) التي أصدرتها محافظة بغداد للفترة ٢٠٠٩-٢٠١٣ كانت من أوائل المجلات التي احتضنت ونشرت مقالات الصفار عن المحلات البغدادية. كما شكر الصفار على إهدائه مكتبته القيمة إلى المركز الثقافي البغدادي ليحتضنها مع مكتبات ميخائيل عواد وأحمد سوسة وسالم الآلوسي وآل الخليلي وعماد عبد السلام ونازك الملائكة وآخرين.

بعد قطع الكعكة المزينة بصورة المحتفى به ، بدأ تقديم الهدايا إليه وتقديم الهدايا منه لبعض الشخصيات. فقد قدم درع مجلس الصفار إلى الدكتور صلاح عبد الرزاق ، كما قدم له كتابه (محلات بغدادية قديمة) الطبعة الرابعة مع إهداء خاص لعبد الرزاق، وكذلك كتابه (نجوم في حياتي) الجزء الثاني.

 وقدم الصفار صوراً كبيرة للشخصيات الأخرى التي يعتز بها ومنهم طالب عيسى مدير المركز الثقافي البغدادي الذي كان له الدور الأكبر في إقامة الحفل وتنظيمه ودعوة الحضور إليه. في الختام شكر الصفار الحاضرين على مشاركتهم ، ثم تم التقاط الصور الجماعية، ليودع الجميع المؤرخ رفعت الصفار متمنين له طول العمر والصحة ودوام العطاء.

إنجازاته ومؤلفاته

–           صار عضوًا في اتحاد الأدباء واستشاريًّا في المركز الوطني لحقوق الإنسان وخبيرًا في دار الشؤون الثقافة ورئيس تحرير سلسلة المنابع التابعة إلى دار الشؤون الثقافية العامة.

أبدع في مجالات عدة، منها مجال الألعاب الرياضية:

–   فاز في بطولة بغداد لكرة المنضدة، التي نظمتها عمادة كلية الصيدلة في العام 1946

– فاز أيضا في بطولة للعبة الريشة الطائرة نظمت في العام 1958.

–  فاز في بطولة للملاكمة أقامتها ثانويات الفرات الأوسط في العام 1944

– أصبح في ستينيات القرن الماضي عضو الهيئة الإدارية لنادي الشباب الرياضي

 لديه مؤلفاته مطبوعة في أدب الأطفال، حيث بدأ اهتمامه أولا بالكتابة للطفل فألف وترجم الكثير من الكتب كان أكثرها قد طبع ونشر على نقفة دار ثقافة الاطفال، ومنها:

–  الدب سامر وأصدقاؤه ( دليل الأطفال المصابين بداء السكر ) مترجم عن الانكليزية ( من سلسلة الكتاب العلمي ) 1986

 – الأنهار سر الحياة ( من سلسلة الكتاب العلمي ) 1988

–  الشاعر المجدد الشيخ علي الشرقي ( من سلسلة المشاهير ) 1989

– زاهر والغذاء 1989

 – الأفعى ( من سلسلة الموسوعة الصغيرة ) مترجم عن الانكليزية 1996.

–  كتاب محلة صبابيغ الآل وما جاورها

–  كتاب محلات قديمة في الذاكرة

–  كتاب تراثيون في الذاكرة

–  كتاب محلات بغداد