الجندر .. والعلم   (4) – محسن القزويني

الجندر .. والعلم   (4) – محسن القزويني

حياتنا الأولى تبدأ من نطفة تتكون مِن خلية انثوية هي البويضة تلقح بخلية ذكرية هي الحيمن، ومن هذهِ الخلية الملقحة تتكون الأعضاء والعظام والأيدي والارجل والأحشاء وكل أجزاء بدننا، وبعد تسعة أشهر وبضعة أيام تتحول الخلية الواحدة الى مليارات من الخلايا التي تشكل أجزاء ابداننا بما فيها أجهزتنا التناسلية.

نخرج مِن بطون أمهاتنا أما ذكوراً أو اناثا وتبدأ مسيرتنا في الحياة، كما خلقنا الله سبحانه وتعالى و لادخل لنا في هويتنا الجنسية.

وما أن ندخل السنة الثالثة مِن أعمارنا الإّ ويبدأ تعرفنا على هويتنا، ونكتشف أن هناك فرقاً بيننا وبين أخواتنا من خلال الملابس التي نلبسها والالعاب التي نلعب بها.

وتنمو هذه الفوارق بيننا وبين الجنس الآخر لنصل الى وضوح كامل في سن الخامسة من العمر حيث يستطيع الطفل أن يميز هويته الجنسية في هذه المرحلة بصورة كاملة فيأخذ بتعلم السلوك والكلام الملائم والمرتبط بطبيعته الجنسية إن كان ذكراً أو انثى، وفي المدرسة يختار الذكر رفاقه مِن الذكور، والانثى تختار رفيقاتها مِن الإناث ويتطور الحد الفاصل بين الجنسين أكثر فأكثر حتى يبلغ الواحد عمر ثلاثة عشر وما بعد حيث تبدأ علائم البلوغ تظهر على جسد الفتى والفتاة وتزداد الميول الجنسية، ميل الذكر الى الانثى وبالعكس لتصل الى أعلى مستوى لها في سن البلوغ عند الطرفين فيكون باعثاً الى اقتران الطرفين ولقاءهما تحت مظلة الزواج وبعد الزواج الإنجاب ثم بناء الأسرة.

هذه العملية تتشكل في كل واحد مِن أبناء البشر الاّ في بعض الاستثناءات التي سنأتي على ذكرها .

و تعود الفوارق الجنسية بين الذكر والانثى الى ثلاثة عوامل:

العامل الأول: الجينات

يتكون الإنسان من مليارات مِن الخلايا وفي نواة كل خلية 23 زوجاً من الكروموسومات يصبح المجموع الكلي لعدد الكروموسومات 46? 22كروموسوم يتعلق بالصفات الجسمية المتنوعة للإنسان وهناك كروموسومان يتعلقان بتحديد نوع جنس الجنين ذكر أو أنثى، وقد أكتشف العالمان بيتي ستيفز وإدموند ويلسن عام 1905، ان زوج كروموسوم الانثى متماثلان وهما يحملان الرمز xx بينما زوج كروموسوم الذكر مختلفان يحملان الرمز xy وأن اندماج الكروموسوم الذكري بالكروموسوم الأنثوي هو الذي يحدد جنس الجنين.

فإذا اندمج كروموسوم x مِن الأنثى القادم مِن البويضة بكروموسوم y مِن الذكر القادم من الحيامن كان المولود ذكراً.

واذا إندمج كروموسوم x الإنثوي مع كروموسوم x الذكري كان المولود انثى، فالذكر هو الذي يحدد جنس الجنين ولا دخل للمرأة في ذلك.

كما لا دخل للفرد في تحديد نوع جنسه، الذي يتحدد عند تلاقي حيامن الرجل ببويضات المرأة.

هذا ما يحدث في الإنسان وفي أغلب الثديات الاّ ان عدداً قليلاً مِن البشر لايحدث لهم ما ذكرناه آنفاً أثناء عملية التلقيح ، إذ يحدث ما يُسمى بثنائي الجنس نتيجة لحدوث خلل جيني في البويضة المخصبة بحيث تمتلك حامضين نوويين احدهما xx والآخر xy أو ربما يحدث نتيجة تعرض رحم المرأة الى مواد ضارة تسبب في تعطيل التحول الطبيعي لجنس الجنين فيحدث الخلل في الأعضاء التناسلية الخارجية والداخلية للطفل.

العامل الهرموني

يبدأ العامل الهرموني تأثيره على الجنين قبل ولادته وله تأثير كبير على تكوين الفروقات البيولجية بين الذكر والانثى فهذه الهرمونات تحدد شكله وهويته الأنثوية او الذكرية كما وتؤثر على السلوك وتصرفات الأفراد فللذكر سلوك خاص وللانثى سلوك خاص أيضاً، وهناك منطقة تحت المخ البشري تسمى Hypothalamus وهي التي تنظم أفراز جميع أنواع الهرمونات المسؤولة عن أعضاء الجسد بالإضافة الى الهورمونات الجنسية التي لها تأثير كبير على مكونات الفرد قبل ولادته وحتى بعد الولادة والى آخر يوم مِن حياته. ويعود تكوين الذكر الى احدى الجينات التي تستقر عند الكروموسوم y المعروف بـ (SRY عامل تحديد الخصية) فبواسطة هذا الجين تتحوّل الغدد التناسلية الثنائية الى الخصيتين حيث يمكن كشفها بالسونار من 6-8 أسابيع بعد الحمل.

ومع تكامل الخصية واستقرارها خارج البدن تبدأ بإفراز هورمون التستوسيترون والهورمون المضاد، وأي خلل في توازن الهورمونان يحدث خلل في جنس الطفل فيصبح ثنائي الجنس.

فمع هرمون التستوسيترون تنشط قنوات الكلوة الجنينية الأضافية لتتحول الى الرحم وقناة فالوب والمهبل في الجنين الإنثوي، وبعد 8-12 اسبوعاً مِن الحمل تقوم الاندروجينات بتشكيل الأعضاء التناسلية الخارجية للجنين الذكري.

وقد وضع العلماء جدولاً زمنياً للتغييرات الطارئة على الجنين من الأسبوع الأول من الحمل حتى ظهور الأجزاء الخارجية للجهاز التناسلي ففي الأسبوع الثامن يبدأ هورمون التستوسيترون عملهُ فيمكن معرفة نوع الجنين مختبرياً.

وفي الأسبوع التاسع تضمحل الأجزاء المكونة للذكورة وتبدأ مرحلة الجنين الانثوي وفي الأسبوع السادس عشر تظهر جريبات المبيض في الانثى.

وفي نهاية الأسبوع الرابع عشر تظهر الأعضاء الجنسية للجنين الذكري وبعد الولادة تستمر الهورمونات الذكرية والانثوية عملها في منح التمايز بين الذكر والانثى (الطول، والعرض، وحجم العضلات، والشعر، وحجم الصدر، وحجم الدماغ) فهناك تمايز لا دخل للإنسان فيها بين الذكر والانثى تأتي نتيجة عمليات بيولوجية معقدة تجري في جسم الانسان تبدأ من لحظة إخصاب البويضة بحيمن الرجل الى لحظة بلوغه سن الرشد.

هذا بإختصار ما يجري في بدن الانسان والذي يحدد لنا جنس المولود ذكراً أو انثى وهذه الحقيقة العلمية تدحض نظرية من قال: بأن الطفل يولد بلا هوية جنسية وهو كلامٌ عارٍ عن الصحة ولاقيمة له علمياً وواقعياً.

العامل الثالث: البيئة الاجتماعية

مع كشف هوية الجنين الجنسية وهو في بطن امة تأخذ البيئة الاجتماعية دورها في تمييز الذكر عن الانثى، وقبل ولادة المولود تشتري الام ملابس الجنين فتختار لملابس المولود الانثوي اللون الوردي بينما تختار ملابس الذكور الألوان الغامقة، ومراسم استقبال المولود الذكري تختلف عن مراسم المولود الانثوي فالأحتفالات  والهدايا تختلف لتتناسب مع نوع المولود، وأكبر احتفال تقوم به العائلة هو احتفال ختان المولود في اليوم السابع من الولادة ،وعندما يصل عمر الطفل العام الأول مِن عمره وفي مناسبة عيد الميلاد الأول تقدم الهدايا مِن الآباء و الاقرباء و اصدقاء العائلة.

فإذا كان المولود ذكراً فأغلب الهدايا المقدمة تحمل صفة الذكورة كالسيارات والطيارات والدبابات وسيارات الإسعاف وكل ما يتعلق بالانشطة الذكورية بينما تُقدم للفتاة العاب الدُمى لتوحي للطفلة الصغيرة انها ستصبح أماً وأن أهم وظيفة لها: هي الأمومة وتربية الصغار بالأخص أذا قُدمت لها العاب تتناسب ومهامها في البيت كأدوات الطبخ والخياطة، وعندما يبدأ الطفل بالتكلم تساهم اللغة في التمييز بين الذكر والانثى بإستخدام تاء التأنيث للجنس الانثوي، بينما يُستخدم للذكور لغة ذكورية بلا تاء التأنيث.

وعندما يكبر الطفل شيئاً فشيئاً تجده يختار رفاقه من جنسه. ويبدأ التصنيف على أساس الذكورة في الملابس فعادة تكون ملابس الفتيات وهن صغيرات ملابس محتشمة طويلة وهناك غطاء للرأس ، بينما تتصف ملابس الأطفال الذكور بالانفتاح على الجو الخارجي بالاخص في أيام الصيف فيتعود الطفل على لبس ملابس الذكور بينما تذهب الاناث الى اختيار الملابس الانثوية.

وعندما تبلغ الفتاة سن التاسعة يُقام في مجتمعاتنا الإسلامية عادة الاحتفال بإرتداء الحجاب الإسلامي، ويبقى هذا الحجاب على رأسها الى آخر حياتها، وتبدأ مشاركة الفتاة في أعمال المنزل مع أمها بينما يبدأ الأطفال الذكور بمشاركة آبائهم في أعمالهم وهما يعدونهم  للمستقبل اعدادا يتناسب مع جنسهما، فمستقبل الفتاة في أن تكون زوجة صالحة لزوجها وام صالحة في تربية أبنائها، بينما يتم إعداد الذكور للدخول في معركة الحياة والاعتماد على النفس في كسب الأموال مِن خلال الأعمال والأنشطة التي سيقوم بها.

وعندما يبلغ الأبناء مبلغ سن البلوغ تسرع العوائل في تزويج بناتها حماية لها وخوفاً عليها مِن الإنحراف، بينما تترك الذكور لممارسة حياتهم العملية، والشروع بتزويجهم عندما يصلون الى درجة الاستقلال الاقتصادي .

هذا هو المسار الطبيعي في حياة كل فتاة وفتى في مجتمعاتنا.

وهو المسار الذي يتناسب مع التطور الجيني والهرموني للفتى والفتاة.

وأي خروج عن هذا المسار سيكون سبباً لظهور خلل في تطور الطفل في كسب هويته الجنسية.

فحالات الشذوذ والرغبة بالتحول الجنسي في بعض الحالات تأتي نتيجة عامل البيئة وكيفية تعامل الأسرة مع الطفل وهذا استثناء في حياة الطفل وليس حالة طبيعية كما يراها أصحاب نظرية الجندر، فالجندر الصحيح هو الذي يتوافق مع جنس الطفل والذي يأتي نتيجة التفاعلات البيولوجية في جسمه وأي سلوك معاكس لهذا المسار هو خروج على الطبيعة و عرقلة  لمرحلة تطور الطفل وهو بالتالي يفرز لنا أشخاصاً شاذين وليس أبناء أسوياء.