
دورالمقدمة والاستهلال في التعريف بالكتاب
رؤى ودلالات في الشعر العراقي المعاصر
لا احد ينكر ان المقدمة اوالاستهلالات في اي كتاب سواء كان في الشعر او القصة او الرواية اوالنقد تعد من المواضيع المهمة والاساسية بالنسبة للكاتب وبالنسبة للقارىء معا حيث يؤسس من خلالها الكاتب نقطة بداية للموضوع الذي يحاول طرحه ويؤكد مقصديتة للثيمة التي سوف يتجه الى تناولها ، وبما لا يقبل الشك ان الكاتب يحاول من خلاله توجيه القارىء نحو النقاط الاساسية التي يريد التاكيد عليها، فلا شيء يوجد خارج المتن اذ يستحيل فصل ما بينهما فهما يسيران بنفس الاتجاه في خطّ واحد مع المعاني التي يحملها الكتاب، وانها لا تقل اهمية عن المتن وذلك لقدرتها على شد القارىء، القارىء الذي بدوره حتما سوف يتجه الى هذه الزاوية من القراءة وسوف يتوقف عندها حين يعمد إلى قراءة نص ما، فليس للكاتب إذن أن يعامل المداخل والاستهلالات على أساس أنها مستقلاّت عن المتن، إذن فلا مناص من ان تتلاقى المقدمة والمتن معا.
وفي ضوء ان الكاتب في المقدمة وفي الاستهلالات لا يستطيع تجاوز ما سياتي لاحقا ، وذلك لاعتبار الاثنان وجهين لشيء واحد وانهما يتوحدا معاً في وحدة فنية لتقديم الثيمة الرئيسة للكتاب, فحسب قول جيرار جينيت ان المقدمة هي كل انواع النصوص الممهدة للنص اوالملحقة به والتي بمثابة خطاب حول هذا النص ، وفي محاولتنا القاء الضوء على خصائص ابرز ما طرح في المقدمة وفي استهلالات المواضيع ودورها المؤثر في توجيه القارىء لنستطيع ان نستخلص من خلالها الخطوط العامة لكتاب الناقدة ايمان عبد الحسين المعنون رؤى ودلالات قراءة في الشعر العراقي المعاصر الصادرعن دار الشؤون الثقافية العامة، الكاتبة التي قد وضعت نص مقدمة كتابها وقدمته للقارىء من اجل مساعدته على تلخيص ما سياتي لاحقا ، ولكن على الرغم من عدم طول المقدمة والاستهلالات فانني اخترت القراءة هذه وذلك لاعتقادي من اهميتها ودلالتها فيما يتعلق بالثيمة الاساسية التي تشير اليها وللتعبيرعن جوهر الموضوع ، كما ان الاستهلال كلما كان قصيرا اي حينما يكون اميل الى التكثيف والتركيز يكون ابلغ وانه يضع القارىء في الصورة الواضحة.
مداخل الموضوعات
واننا حينما نحاول رصد مداخل الموضوعات نرى منذ البدء ان الوطن يشكل الهدف المركزي، الوطن الذي طغت صورته على الصور الاخرى، ويبدو انه الموجه والفاعل والمؤثر الذي يحضر بقوة ويظهر كموضوع اساسي في الكثير من المجاميع الشعرية ،و يعد احد اهم النقاط الجوهرية التي تدور حولها الدراسة وذلك باعتبار الشاعر خير معبر عن صوت المرحلة والزمن ،وذلك بادراكنا سلفاً إن التحولات التي يشهدها البلد لا بد من ان تنعكس على الشعر، ومن هنا نرى مقدار ما حازه الوطن من مكانة في نفوس الكثير من الشعراء سواء في الداخل اوفي الخارج ، كما اننا نرى ان الكاتبة عمدت إلى تلمس صورة الوطن في ضوء رؤيتها مسلطة الضوء عليه مُبرزة اظهار أثره في اغلب المجاميع الشعرية. إن المقدمة على ايجازها استطاعت ان تكون لنا مسوغا للاختيار هذا الجانب من القراءة فقد مكنتنا من الوقوف على صورة الوطن المتشظية نتيجة الحروب والحصارات التي كان لها تاثير واضح مما حتم على الكاتبة التركز على هذا الجانب لا سيما انها تناولت في فترة زمنية كانت احداث الحروب والارهاب طاغية فانها في المقدمة حاولت ايجاز اهم السمات الاساسية التي حاولت دراستها وذلك بقولها: ان بين ثنايا اغلب المجاميع الشعرية ينسل خطاب واحد وهوالحضور المستمر للوطن، اذ يشكل الا طار لجميع المجاميع الشعرية الذي ينطلق منه خيال الشعراء مدفوعاً بألفة وحميمية وحنين قوي اليه، الوطن الواقع في ظل الحروب والحصارات والارهاب، فمن الطبيعي ان يؤدي هذا الى الشعور بالوحدة والوحشة ، واحساس بالاحباط ، فالبعد الثاني حتما مرتبط بالبعد الأول، وكلاهما مشروط بالآخر،ولكن على الرغم من الفضاءات السوداية التي تفرضها وجود الحروب وتبين إكراهاتهم لها وتدفع بهم وتوجههم في مسارها إلى أقصى حالات الاغتراب، فان مع ذلك ذات دلالات رومانسية اذ ان الحنين إلى الزمن الماضي فيه نصيب كبير من استذكاراتهم.
وان الناقدة التي تحاول التاكيد والاستمرارعلى ثيمة الوطن في مقدمة الكتاب نرصد هذا في استهلال الموضوعات التي سنحاول اختيار البعض منها والتي تتجلى هذه السمة اكثر ما تتجلى في المجاميع الشعرية التالية ذكرها والتي تبدو الفكرة الاساسية التي تناولتها الكاتبة والتي تؤكد على اعتبار الشعر سجلا لاحداث يمكن ان نلمسها بوضوح في استهلال موضوع كتاب مجموعة الشاعر فائز الشرع نخيل على ضفة القلب، الادوات الاشتغالية لصورة الوطن بالقول : حين يحيا الوطن الذي هو مكان الالفة والامان، تفاصيل المحن والمأساة، وتتحول هذه التفاصيل الى رموز تطرح الموت، عندئذ سوف يلعب الوطن دوراً مزدوجاً، فالمكان الذي يتجسد فيه الحب والدفء، سيصير مكانا ينتج الموت والدمار.
ثيمة اساسية
كما اننا يمكننا الاتفاق ابتداء ان أي عنوان لاي منتج ادبي ومنها المنتج الشعري حتما يقود متلقيه صوب الثيمة الاساسية، التي يسعى كاتبها الوصول اليها ويعلن عنها في نصه، وحينما يتكرر العنوان في اكثر من قصيدة داخل المجموعة تكون هذه خير مثال على وحدة الموضوع ضمن الرؤية الكلية، وهذا ما تؤكد الناقدة عليه في تحليلها لقصيدة هيمنة صورة بغداد للديوان المعنون اللوحة بأكملها للشاعر محفوظ داود سلمان بقولها : انها تشكل خصوصية فريدة لديه جعلته يكررها في عنوان اكثر من قصيدة، وما دام العنوان بناء تتحرك فيه صورة بغداد فان الذي يلي العنوان حتما لا بد ان يتمفصل في النص، وينظويٍ تحت رؤية هذا المـــكان الاثــــير لدى الشاعر.ويستطيع القارىء المتتبع للكتاب ان يجد في المدخل وفي متن الكتاب بدا من العنوان في مجموعة الشاعر(ليث الصندوق) بعنوان (بيت في اور) النهل من معين الوطن ان الوطن تركزت صورته منذ البدء من خلال الاتكاء على ما تؤسسه من عناصر معينة تشكل حيزاً واسعاً من القصائد، وتمثل قدرة في الافصاح عن منظور الذات الشاعرة في التعبير عن الوطن، الذي يمتح وينهل عناصره ومفرداته من معينه بمقدار ما تحيل عليها هذه العناصر من الدلالات والرموز، وان هذه العناصرعلى الرغم لها سماتها ومقاصدها الخاصة، الا انه في حقيقة الامر لا قوام لها الا بالاتصال مع بعضها البعض. وتبعا لما سبق فما حاولت الناقدة التاكيد عليه في قراءتها لكتاب لم أستعر وجهاً أخر لعبد السادة البصري احتواء اشكالية الواقع بالاحلام من التاكيد على ان صدور أي أبداع أدبي في الوقت الحالي ولاسيما الشعر، له أهمية دلالية خاصة يعبر فيها الشاعر عن تجربة ذات خصوصية مستمدة من خصوصية معاناة واقع الوطن، وانعكاساتها على معاناته، وان لكل شاعر طرائقه التعبيرية عن هذه المعاناة في زمن من أبرز سماته التشظي والانكسار فلا يبقى للحواس المضمخة بهذه التشظيات من مواجهة تجاوز الأزمة النفسية وتحقيق نوعاً من التفريج سوى بالحلم، الذي يعد وسيلة أساسية في تحرير كوامن الذات الشعرية والدخول إلى جوهرها الباطني .كما ان تناول صورة الوطن من قبل الشعراء في الداخل وما تسببه الحروب والحصار من احباطات نرى الصورة ذاتها عند شعراء الخارج هذا ما يؤكد ويعلن عن الانتماء الى مؤشر واحد هو ذاته المسبب الاساسي من الاحساس بالغربة وبالوحدة وان ما تقوله الناقدة في هذا المضمار : اذا كان هذا يصح على الشعراء في الداخل فانه يصح من باب اكبر على الشعراء في الخارج ،حيث ما نلمحه من بوح موجع هو نتيجة الإحساس بالغربة، قصائد تاتي مشبعة بالنوستالجيا، يعيش الشاعر حالة اغترابية، يكافح اغترابه من خلال خلق عوالم متخيلة من شعر يبرز فيه الانقسام الحاد بين يعتلج في قلبه من مشاعر حب الى الوطن وبين رفضة حالة التداعي التي يعاني منها .ولو حاولنا تحديد الشعر في الخارج بالذات لراينا ان القصائد الصادرة في الغربة قد اسست لها خطابا خاصا ومحدد، خطاب يحمل التشابه عند اغلب الشعراء المقيمين خارج الوطن، انه يتسم في الاغلب الاعم بسمات مركزية، سمة نراها في خيط الوطن السميك، والذي لتميزه يستطيع القارىءالمطلع والملم ان يدرك مقدار ما تحتويه المجاميع الشعرية للشعراء في الغربة من هيمنة الوطن فيها.
فمن البديهي أن البعد عن الوطن، مصدره حضور وهيمنة صورة هذا الوطن في العمل الأدبي عموما ، فان مجمل الانفعالات التي تحدثها الغربة عن الوطن، لا بد أن تترك تأثيراً واضحاً في الشعر خصوصا، ولا سيما ان الميزة الاساسية لطبيعة الشعر انه اكثرالآداب انفعالاً واحساسا، ولما كانت لحظة الحنين والغربة تبدا من حيث ينتهي الاتصال بالوطن، وتبدا عندئذ ازمة الحنين كون الشاعر يعيش خارج هذا الوطن وهنا يتحقق التفاعل بينه وبين وطنه، ويحدث الترابط بين اللحظة الانية أي لحظة وقت الكتابة ، وبين الماضي أي الوطن الام، عندئذ يتوجيه الشعر وجهات تخضع لتوجهات البوصلة المكانية للوطن الذي يصبح مادة جوهرية في نسيج القصائد، فالشاعر الذي يعيش في الغربة عن الوطن (العراق) يعيش حتما ظرفاً استثنائياً يقوده إلى حالة من الازدواجية بين شوقه إلى تحقيق حلم يتمحور حول تحقيق الاتصال بالوطن، وبين الراهنيات المتواجدة في هذا الوطن، بما تحمله من الالام ومعاناة .
نتيجة سلسلة من الحروب والحصارات، التي ادت إلى إرهاصات ضاغطة بأشكال شتى، فكان أمام الشاعر خياران، اما البقاء قي الوطن ومواجهه دائرة العنف التي لا تنتهي، أو يتجاوز إرث الماضي، ويتطلع إلى عالم جديد، ونتيجة الإحباط وخيبة الأمل دفع البعض البحث عن بلد اخر واختاروا الغربة خيار ثاني هذه ابرز الاحاسيس التي حاولت الناقدة التاكيد عليها في قراءتها لكتاب الشاعرة المغتربة خالدة خليل الإشتغال على رمز الجسد في توهجات رماد.
وفي موضوع الشاعر المغترب عدنان الصايغ (و) الغربة ما بين الداخل والخارج تحاول الناقدة التاكيد على غربة الشعراء عن الوطن وما تسببه من احساس بالوحدة على الرغم من ان البيئة والمؤثّرات تختلف لدى شعراء الخارج بالقياس إلى شعراء الداخل؛ لكن صورة الوطن تبقى هي هي-الشعراء الذين راحوا يبحثون عن الغربة، ملاذاً لهم، وان غربتهم تعود حتما الى سوء المآل الذي صارعليه الوطن في تلك الفترة، فالشعراء الذين يحاولون الفرار الى مكان اكثر راحة، مكانا يحققون من خلاله توازنهم النفسي، يجدون في النهاية بانهم يواجهون في الخارج غربتين، غربة الداخل، وغربة الخارج، ومن هنا فالنهاية لا بد تكون في العودة إلى الوطن الام، والارتماء في أحضانه ثانية ، حيث هو محطة الراحة، التي يعودون اليها بعد طول افتراق.
واستمرارا لطرح صورة الوطن بحجمها الكبير واثرها الفعال في الكثير من القصائد ، الغربة التي تعدا احد ابرز المضامين االتي يسعى الكتاب التعبيرعنها نرى في موضوع طائر بلا سماء الصورة المغايرة للوطن للشاعرالمغترب سعد جاسم ان الناقدة تؤكد في استهلالها الغربة عن الوطن بقولها: رغم ان الخطاب الشعري عالم ليس بالسهل سبراغواره والمام بجوانبه مرة واحدة، فهو يشع بعدد لا منتاه من الدلالات والايحاءات، من اجل ذلك نسعى الى تحديد وجهة محددة في القراءة لتبيان جانب معين من الخطاب، ولكننا عند قراءة الشعر العراقي في الفترة الاخيرة نرى انه ليس من العسير تحديد هذا التوجه في القراءة، فصوت العراق يبدو طاغيا وصوت الحنين اليه يبدو واضحا سواء للشعراء الذين يعيشون في داخل البلد او في خارجه.
واستمرار في الموضوع ذاته نرى انه على الرغم من التنوع في القصائد الا ان الناقدة حاولت مراعاة الفترة الزمنية و ربطها بفترة زمنية واحدة وهي فترة العراق الواقع في ظل الحروب والارهاب، فكان من الضروري إن تركت آثارها الواضحة والتي اكدت عليها الناقدة في استهلال كتاب غربتنا بدات باختفاء العصافير بين الأحلام ورهنيات الواقع الآني ليار جعفر والتي اكدت عليها الدراسة هو التاكيد على تكوين علاقة ما بين الحرب والموت وذلك بقولها:بالرغم من ان المجاميع الشعرية في الفترة الاخيرة تنتضم في ضروب من التشكيلات المتنوعة ، و بالرغم أنها تعكس صور ومواقف مختلفة الا ان هناك قاسما مشتركا تلتقي حولها اغلب المجاميع هوان هم الوطن هو الهم المهيمن الذي يقود الشعراء في الاغلب الانشغال عن مشاكلهم وهمومهم الذاتية ، فلا نبالغ إذا قلنا أنه على الرغم من خصوصية كل شاعرعراقي، إلا أن هناك توجهٍا واضحا عند اغلبهم لتكريس صورة الحرب التي صارت بمثابة السمة الاساسية للمشهد الشعري اخيرا ، فكل الكتاب لا سيما الشعراء يعيشون في الوقت الاني ظرفاً خاصا يؤدي بهم احيانا إلى حالة من التشابك ما بين رغبتهم في طرح احلامهم الذاتية، وبين الراهنيات المستجدة في واقعهم الاني التي تسيطر عليهم .
لا بد ان نشير اخيرا ان هذا الكتاب يضم مجموعة مقالات تعد محاولة جادّة لتحليل مجاميع شعرية لخمسة وثلاثين شاعرا من الشعراء العراقيين، كانت قد نشرتها الكاتبة في الصحف العراقية من ابرزها صحيفة الزمان الشعراء الذي تناولتهم بالدراسة هم(رعد عبد القادر،عدنان الصائغ،خضير ميري،نوفل ابورغيف، محمد علي الخفاجي،سعد جاسم، منذر عبد الحر،حسن عبد راضي، محفوظ داود سلمان، رزاق ابراهيم حسن، زيارة مهدي، نصير الشيخ، رضا المحمداوي، ضياء الدين العلاق، فائز الشرع،حمد محمود الدوخي،سلام سرحان ، محمد السيد جاسم،زهير بهنام بردى، ركن الدين يونس، ليث الصندوق،عبدالسادة البصري،على الرحماني،رعد البصري،عبدالستار جبر الاسدي،ستار زكم،خالدة خليل،جاسم جمال امين،حسن الخياط،فلاح عدوان،نجم خطاوي،غرام الربيعي،يار جعفر،سلامة الصالحي،ثناء السلام، زينب الحاج مديح.























