الخطاب القصصي التراجيدي في قصص نُواحُ الآلِهَة

الخطاب القصصي التراجيدي في قصص نُواحُ الآلِهَة

جبو بهنام بابا

عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة صدرت المجموعة القصصية ( نُوَاحُ الآلِهَة)  للقاصة عالية طالب. الطبعة الأولى  2023المجموعة تقع في 140 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف من لوحات الفنانة العراقية ( رؤيا رؤوف) . وتضم ثلاث عشرة قصة قصيرة، ( تندرج ضمن قصص الصوت المتشظي الذي يستوعب أصوات السلالات القديمة ويمزج معها كل ما مرَّ بأرواح أرض وادي الرافدين من غزوات وحروب واقتتال وسلخ وُجود) ففي قصص المجموعة هناك رؤيا واضحة ونوع من التشظي في رسم الصور الحقيقية والخيالية. حيث لازال الجزء من هذه القصص قيد الحصول والجزء الآخرالذي حصل منذ أزمان، فمرّ بمأساته وويلاته الحزينة والمؤلمة. إستطاعت القاصة رسم كل تفاصيل الحياة التي مرّت على أبناء الوطن وأدركت كل التفاصيل منذ العصور القديمة من جمال ومعرفة وحكمة فسردت كل هذه التفاصيل باسلوب خيالي شيّق مرة ومرة أخرى رسمت الحقيقة من خلال تعايشها مع الواقع. ففي قصة  ظلال إمرأة تقول فيها :

(أقفز وإياك في بحر اللؤلؤ.لم تسمعني، أعرف ذلك، لكنني أشعر بالراحة وأنا أتخيلُك فكِّر فيه، وقد تكون لا تعرف، كلا الحالتين لا تهُمَّاني كثيرًا، فأنا فيهما، يكفيني أن أستحضِرُك أمامي مثلما أريد وكيفما أشتهي، وحيثما أكون. في صوتِك شيءٌ لا أحتمله، أكبر من كُلِّ مُكابرتي وقوتي، وغروري، يدخل متسللاً كالملائكة إلى أدقِّ نبضٍ في جسدي ويبدأ بالدوران مع دمي، تنزف مشاعري ضَعفها وتوسُلها وتستجدي الهواء أن ينقل لها كل انفعالاتك وهدوئك وتناغُم حركة شفتيك ويديك وهما تلوحان كسهمين ينطلقان عبر كل المسافات ليصلا إليَّ وحدي، رغم يقيني بأنك لا تصغي إلى عينيَّ وهما ترتبكان وراء حركاتك المموسقة برشاقة ولا تنزوي  مثلي خلف سحابة أخبِّئ بها شغفي، لكن ذلك أيضًا لا يهُمني كثيراً. لاأفكِّر في الوقت الذي لا أراكَ فيه، لا تعنيني إلا براعتي في تعذيب نفسي وأنا أذكرها كل دقيقة ببُعدك عني، تكاد تبكيني ،أو تبكي اندحاري، فيما أرقبُ معادلة انفصالي عني بكل وحشية مُدمِّرة. )ص 9.

 القاصة تعي بالحدث الذي ترسمه في مخيّلتها وتراه بعينها مثل الضوء الساري في العين. ترصد كل شاردة وواردة من أحداث مرت بفكرها وترسمها مثل لوحة فنان يثير الهواجس ويدغدغ الفكر اللاوعي لتكون أمام أحداث كثيرة مرَت في بلادها. صور قاتمة لاتخلو من الفقد، مساحات متّشحة بيافطات السواد لتؤكد أن هذا الحدث كان في سابق عاهد الدهر ترويه بكل أمانة واتّقان فني، وبلغة ذات مدلولات فنية، وبتقنية ابستمولوجيا بمنطق لايخلو من الجاذبية الواقعية في تلك الأحداث التي مرّت بسوادها القاتم ورؤيتها المضببة، ففي قصة مساحة بلا ضوء تقول:

( تستقبِلني أمكِنتي بأذرُعٍ مُتهالكة تشوبها الشيخوخة، تتناثر الشوارع التي كنتُ أعرفها، وتتداخل الأرصفة معها، فتضيع مسافاتي، لا أجد مُنعطفًا أسلكه، ولا أزِّقة تحمل ذاكرتي معها، أقترب مني وأكاد ألوذ بنفسي علَّها تُوقظ في داخلي معرفتي بالمجهول الشاهق الذي يترَّبص بي في كل اتجاه التفِتُ إليه. ص15

لم تعد القاصة تستثني موقفاً إلاّ وذكرته لابل رسمته في مخيّلتها البعيدة الإنتشار . تستكر كل لحظة رأتها أو سُردت لها ، مواقف من البؤس والشقاء مرّت على أناس مجرد نظرة أو وقفة أو حتى ابتسامة . لترى نفسك في مكان مظلم لاترى النور أو لاتحتسي كوباً من الماء أو الشاي المُر . لابل السياط جاهزة لتكون انت الضحية . تلتقط كل المواقف التي مرّت وكأنها شريط سينمائيٌ على جدار كونكريتي فتتوالى الأحداث تباعاً في ذهن القاصة. قصة صوت الجدار ترسم تلك المشاهد المرعبة ظلام لايطاق وخوف من المجهول ، وليس سوى الضياع وفقدان الذاكرة وحتى فسحة الأمل لنفاذ الضوء من ثقب الجدار صعب المنال. القاصة بتجربتها الطويلة في كتابة القصة أبدعت في تصوير الأحداث التي مرت بالوطن منذ ملحمة كلكامش وقصة الطوفان ومروراً بأزمان الضيق.( ونسخت وجودها من حضارات عميقة. فزمن القصص لا ينفصل عن الزمن المستدرك ولا يندمج مع مساحة إندثرت معالمها، بل هو زمن يستولد الحكايات ويعيد إنتاجها ببراعة الصوت والصمت وما بينهما من وجع نازف) وفي قصة  ( اجراس ثيابي ) تحاول القاصة إتخاذ اسلوب آخر في السرد في تحليل النفس التي تمر بمواقف الخوف، ومشاعر القلق. فصارت القاصة أن تتشبث بالامل لإدامة الحياة ولكن تعود مرة اخرى لترى تلك المواقف وتلك الأمكنة تخنقها ربما تحاول رثاء ذاتها من هول مارأت بعد هدوء وصمت طويل تقول في قصة أجراس ثيابي بقي وجهي ساهمًا تسحبُني أصوات رنين الهواتف حولي إلى هوة تخنقني، يتسلل الصوت إلى سمعي وكأنه جرس إنذار يُنبئ بكارثة وشيكة، تطاردني في عملي، وفي الشارع المكتظ بالأجساد المهرولة، وفي غرفتي الباردة، وفي سريري، وبين طيات أغطيتي، وكأن الحياة تحوَّلتْ إلى أجراسٍ تقرع بلا هوادة. لا أدري لماذا يتحوَّل الصوت إلى ذراعٍ تُطبق على أنفاسي وتجعل الهواء شحيحًا وكأنني في بئرٍ عميقٍ مُشبَّع برطوبة قاتلة ص 37 تحاول القاصة الدخول في فرضيات البحث والتمحيص بلحظة خوف ، أما من المستقبل الذي تراه بأُمّ عينها ، أو الخوف من مسامير قد تدقّ في لغة كتاباتها أو من صوَرٍ تراها مباشرة وكأنها لوحة لاتغيب عن فكرها المتشظي .

 ؟تقول في قصة هو مَن يسألُني:

( تتأرجح روحي وتختفي المسافات، يطبق السقف والجدران والنافذة والستارة السوداء والأغطية الرمادية على عيني، وأنتشل نفسي من لهاثي وأصرخ به مجددًا: – لا تقترب من النافذة. ولا أراه بعدها، )ص 58

تسحبنا القاصة الى الايام الحالكة كان سوادها يهدد نفوسنا بهواجس تتسلط علينا مرة بالرحيل ومرة بالبقاء ونحن كأننا في دوامة.. القاصة بهمساتها أعطت صورة حقيقية من ضياع وفقدان وكيف كانت الأفئدة تتصاعد نيرانها على الجميع . وفي قصة الرحيل تقول :

 ( أعرف أنها تبحث عنه، وأجزِمُ أنها تعمل على تحديث ذاكرتها وهي تحلم بتغيير الزمان والمكان لتُحقِّق ما تُفكِّر فيه، تسألني مِرارًا عن أمكنة فارغة، وتحدِّد لي ما تكتشفه في تجوالها اليومي وهي تتفقد الوجوه التي تحتل المسافات القريبة والبعيدة فلا تنجو من احتلال الوجوه في كل يومٍ يمرّ.)ص95

تَعرِف القاصة كيف تقتنص الصورة السردية لتكون بمثابة الفعل الصائب في رسم خطى القصة. تتذكر أيام الحرب اللبنانية لتقارنها بحروبنا الهوجاء التي إستمرت لسنين ، تسرد الوقائع بتأني وهدوء وخوف، تستذكر الظلمة والوحشة في الحروب تسرد الأحداث بخيال متقن، تحت واقعة حقيقة برمجتها وهي تعيش هول الحرب .من بعيد تئن في مخيلتها حقيقة فقد أحبتها ، إستطاعت ان ترسم لنا بُعد الأحبة والخوف عليهم ؟ أهو الزمان يستذكرنا بهذا ؟ هكذا تستقريء الواقع بالغربة والمرارة والبحث عن حالة من النسيان. ترغب ان تعرف كل شيء عن تلك الهواجس التي كانت تطاردها، تسرد كل هذه الوقائع باسلوب متوهّج بصوَر ثرية وتاريخ لايغيب عن بالها تقول في قصة ( حب في زمن الوحشة ) :

( مُدنٌ تُغتال فرحتها وهي تترقب غداً يُشرق بصمتِ الموت،أرحلُ عَبْرَ مُدنِ بلادي، أحمل صورةً اقتنصناها يومًا من جوازات السفر دون أن نُمزِّق التاريخ المُصاحِب لأزمنتها. أراك كثيرًا، ما زالت صورتك تلوح أمامي، لكنني نسيتُ تفاصيل غير مهمة من وجهك)ص 132

إستطاعت القاصة أن ترسم لنا مظاهر البكاء والنحيب وكل مايتعلق به من مظاهر الحزن في  بلاد الرافدين، كان يعبّر فيها الناس عن مشاعرهم ويعكس الحالة الوجدانية التي يمرون بها نتيجة الحوادث المؤلمة التي تحدث للإنسان… بكى الانسان في بلاد الرافدين على الهته  وملوكه ومدنه ومعابده  ..فاستخدمت القاصة مظاهر كثيرة من هذا النوع . وهناك امثلة بخصوص ذلك وردت في النصوص المسمارية منها على سبيل المثال لا الحصر ..ناح أهل الرافدين على موت الإله مردوخ… بكاء كلكامش على رفيق دربه انكيدو ..بكاء سكان الوركاء على موت كلكامش… بكاء امرأة على زوجها اثناء مقتله في المعركة…بكاء الملك آشور بانيبال على صديقه …الخ..هذه النصوص ساهمت بصورة كبيرة في تكوين شخصية الفرد العراقي في التاريخ القديم  وساهمت في التكوين النفسي والوجداني للانسان العراقي القديم  الأمر الذي وجدناه واضحا في  في الأدب العراقي وفي قصص القاصة عالية طالب .