حبة‭ ‬وحبة-كامل عبدالرحيم

كنا‭ ‬نتجول،‭ ‬أنا‭ ‬وأحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬حي‭ ‬المنصور‭ ‬فأشار‭ ‬صديقي‭ ‬إلى‭ ‬صيدلية‭ ‬قائلا،‭ ‬علاقتك‭ ‬جيدة‭ ‬بصاحب‭ ‬هذه‭ ‬الصيدلية‭ ‬لعلك‭ ‬تطلب‭ ‬منه‭ ‬حبوب‭( ‬ز‭) ‬فالنوم‭ ‬يفارقني‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬وفورا‭ ‬دخلت‭ ‬الصيدلية‭ ‬وألقيت‭ ‬السلام‭ ‬على‭ ‬صاحبها‭ ‬الشاب‭ ‬الجاف‭ ‬وقلت‭ ‬له‭( ‬ز‭ ) ‬فاختفى‭ ‬خلف‭ ‬قاطع‭ ‬أنيق‭ ‬بدكانه‭ ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬علبة‭ ‬زرقاء‭ ‬بكيس‭ ‬صغير‭ ‬و‭ ‬دسه‭ ‬بيدي‭ ‬قائلا‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرون‭ ‬ألفا‭ ‬ولما‭ ‬سمع‭ ‬صديقي‭ ‬بسعر‭ ‬علبة‭ ‬الدواء‭ ‬استهجن‭ ‬غلاءها‭ ‬وشعرت‭ ‬بحرجه‭ ‬فقلت‭ ‬خذ‭ ‬هذا‭ ‬الشريط‭ ‬ودع‭ ‬لي‭ ‬بقية‭ ‬العلبة‭(‬شريطين‭ ) ‬ووضعت‭ ‬العلبة‭ ‬في‭ ‬الثلاجة‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬الأدوية‭ ‬ولم‭ ‬أفكر‭ ‬أبدا‭ ‬باستعماله‭. ‬

ألجأ،‭ ‬عندما‭ ‬يجافيني‭ ‬النوم‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحبة‭ ‬الصفراء،‭ ‬فاليوم‭ ‬5،‭ ‬إنتاج‭ ‬معمل‭ ‬سامراء‭ ‬وأبوكم‭ ‬الله‭ ‬يرحمه‭ ‬بلا‭ ‬تعقيد‭ ‬وفي‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬جدولي‭ ‬الخاص‭ ‬بتناول‭ ‬جرعتين‭ ‬من‭ ‬الكحول‭ ‬فلا‭ ‬مشكلة‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬النوم‭ ‬وفي‭ ‬الأخرى‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬توتري‭ ‬قبيل‭ ‬النوم‭ ‬برياضة‭ ‬التنفس‭ ‬العميق‭ ‬شهيقا‭ ‬وزفيرا‭. ‬

قبل‭ ‬أسبوعين‭ ‬شعرت‭ ‬بحاجة‭ ‬لحبة‭ ‬فاليوم‭ ‬لكن‭ ‬مخزوني‭ ‬منها‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نفد‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬وفورا‭ ‬خطرت‭ ‬على‭ ‬بالي‭ ‬تلك‭ ‬العلبة‭ ‬الزرقاء‭ ‬المهملة‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬أدويتي،‭ ‬فتحت‭ ‬الثلاجة‭ ‬وتأكدت‭ ‬من‭ ‬وجودها‭ ‬ففتحتها‭ ‬وتأملت‭ ‬حبتها‭ ‬الوردية‭ ‬المخروطية‭ ‬الصغيرة‭ ‬فدب‭ ‬الرعب‭ ‬بقلبي‭ ‬وكأني‭ ‬أقدم‭ ‬على‭ ‬تجرع‭ ‬السم،‭ ‬أرجعت‭ ‬العلبة‭ ‬إلى‭ ‬مستقرها‭ ‬وحاولت‭ ‬إلهاء‭ ‬نفسي‭ ‬ومشاغلة‭ ‬توتري‭ ‬بنقل‭ ‬التلفاز‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬الأفلام‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬البحث‭ ‬بفيلم‭ ‬مناسب‭ ‬كان‭ ‬الأول‭ ‬مقنعا‭ ‬جدا‭ ‬واسمه‭( ‬The‭ ‬Intern‭) ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬روبرت‭ ‬دي‭ ‬نيرو‭ ‬وآن‭ ‬هاثواي،‭ ‬كانت‭ ‬البطلة‭ ‬هاثواي‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬عمل‭ ‬حاسمة‭ ‬تخص‭ ‬الشركة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬وفي‭ ‬الطائرة‭ ‬التي‭ ‬تقلها‭ ‬لذاك‭ ‬الاجتماع‭ ‬الحاسم‭ ‬وفي‭ ‬رفقتها‭ ‬موظف‭ ‬هو‭ ‬أل‭( ‬The‭ ‬intern‭) ‬نفسه‭ ‬أي‭ ‬المتدرب‭ ‬ويؤديه‭ ‬دي‭ ‬نيرو‭ ‬بالطبع،‭ ‬كانت‭ ‬هاثواي‭ ‬قلقة‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬اجتماعها‭ ‬القادم‭ ‬ولم‭ ‬تنفعها‭ ‬تلك‭ ‬الكؤوس‭ ‬من‭ ‬النبيذ‭ ‬الأحمر‭ ‬التي‭ ‬تناولتها‭ ‬مع‭ ‬موظفها‭ ‬تحت‭ ‬التدريب‭ ‬دي‭ ‬نيرو‭ ‬فتقول‭ ‬له‭ ‬متسائلة،‭ ‬أشعر‭ ‬بالتوتر‭ ‬وأفكر‭ ‬بتناول‭ ‬حبة‭ ‬زانكس‭ ‬ما‭ ‬رأيك،‭ ‬أجابها‭ ‬فورا‭ ‬تحتاجين‭ ‬ساعتين‭ ‬لتناول‭ ‬تلك‭ ‬الحبة،‭ ‬ساعتين‭ ‬بعد‭ ‬تناولك‭ ‬للكحول‭. ‬كانت‭ ‬وصفة‭ ‬كاملة‭ ‬ومجانية‭ ‬و‭ ‬موثوقة‭ ‬فقفزت‭ ‬فورا‭ ‬وفتحت‭ ‬الثلاجة‭ ‬وانتزعت‭ ‬تلك‭ ‬الحبة‭ ‬الوردية‭ ‬المخروطية‭ ‬وابتلعتها‭ ‬فورا‭. ‬صادف‭ ‬أو‭ ‬رافق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مشاهدتي‭ ‬لفيديو‭ ‬في‭ ‬الفيسبوك‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬نصائح‭ ‬من‭ ‬شيخ‭ ‬جليل‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭( ‬صحتك‭ ‬العقلية‭ ‬أهم‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مكاسبك‭ ‬المادية‭ )‬،‭ ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬صحتى‭ ‬العقلية‭ ‬وحبة‭ (‬ز‭) ‬تغوص‭ ‬في‭ ‬جوفي‭ ‬وتوصلت‭ ‬بلا‭ ‬عناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المعنى‭ ‬فهناك‭ ‬لحظات‭ ‬يميد‭ ‬فيها‭ ‬الوجود‭ ‬تحتنا‭ ‬أو‭ ‬نشعر‭ ‬بأن‭ ‬انتماءنا‭ ‬لهذا‭ ‬الوجود‭ ‬مهدد‭ ‬و‭ ‬واه‭ ‬بحيث‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنفع‭ ‬معه‭ ‬النجدة‭ ‬أو‭ ‬الاستنجاد‭ ‬بأقرب‭ ‬الناس‭ ‬وكأننا‭ ‬مقذوفون‭ ‬بالقوة‭ ‬من‭ ( ‬كبسولة‭ ) ‬الوجود‭ ‬صوب‭ ‬الفراغ‭ ‬والفضاء‭ ‬المعتم‭ ‬اللانهائي،‭ ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬الآن‭ ‬أعلم‭ ‬جيدا‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تقودني‭ ‬كلماتي‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ماذا‭ ‬أصوب‭ ‬أصلا،‭ ‬عن‭ ‬أخي‭ ‬الدكتور‭ ‬فاهم‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬ويزيد‭. ‬

قبل‭ ‬عامين‭ ‬وكعادتي‭ ‬قمت‭ ‬بشراء‭ ‬رواية‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬قراءتي‭ ‬لها‭ ‬مزاجي،‭ ‬الرواية‭ ‬عنوانها‭( ‬غراميات‭ ) ‬وهي‭ ‬للكاتب‭ ‬الاسباني‭( ‬خابيير‭ ‬مارياس‭ ) ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬سمعت‭ ‬بهذا‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أعظم‭ ‬روائي‭ ‬اسباني‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬بل‭ ‬وخليفة‭ ‬للعظيم‭( ‬ثربانتيس‭ ) ‬صاحب‭( ‬دون‭ ‬كيخوته‭ )‬،‭ ‬اقتنيت‭( ‬غراميات‭ ) ‬قبل‭ ‬عامين‭ ‬تقريبا‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬التعرف‭ ‬بخابيير‭ ‬مارياس‭ ‬لكن‭ ‬مشاغل‭ ‬الحياة‭ ‬و‭ ‬ورطتي‭ ‬في‭ ‬عملي‭ ‬الجديد‭ ‬جعلت‭ ‬الكتاب‭ ‬ينتظرني‭ ‬على‭ ‬الرف‭ ‬وليس‭ ‬بدون‭ ‬سبب‭ ‬أخذت‭ ‬بقراءته‭ ‬قبل‭ ‬أيام،‭ ‬اشتريت‭ ‬الرواية‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬معارض‭ ‬الكتب‭ ‬وبدأت‭ ‬قراءتها‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬لكني‭ ‬للأسف‭ ‬اكتشفت‭ ‬بأن‭ ‬خابيير‭ ‬مارياس‭ ‬قد‭ ‬مات‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬عن‭ ‬عمر‭(‬71‭ ) ‬عاما،‭ ‬ورغم‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭ ‬فكان‭ ‬خابيير‭ ‬مارياس‭ ‬يحدثني‭ ‬ويذكرني‭ ‬بأخي‭ ‬فاهم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أرضخ‭ ‬أو‭ ‬أقتنع‭ ‬بعد‭ ‬بفكرة‭ ‬موته‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموت‭ ‬كان‭ ‬طبيعيا‭ ‬لجهته‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يسعى‭ ‬إليه‭ ‬بثبات‭. ‬

‭ ‬يقول‭ ‬خابيير‭ ‬مارياس‭ ‬عن‭ ‬موت‭ ‬أحد‭ ‬أبطاله‭  ” ‬طبيعية‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬لن‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬اليوم،‭ ‬ولن‭ ‬يقول‭ ‬شيئا‭ ‬إضافيا،‭ ‬ولن‭ ‬يخطو‭ ‬أي‭ ‬خطوة‭ ‬أخرى‭ ‬أبدا‭ – ‬لا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التقدم‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التنحي‭ ‬جانبا‭- ‬ولا‭ ‬النظر‭ ‬إلينا‭ ‬ولا‭ ‬صرف‭ ‬النظر‭ ‬عنا‭. ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬نتحمل‭ ‬ذلك‭ ‬ولا‭ ‬كيف‭ ‬نتعافى‭ ‬منه‭. ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬ننسى‭ ‬للحظات،‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الزمن‭ ‬قد‭ ‬مضى‭ ‬وأبعدنا‭ ‬عنهم،‭ ‬وظلوا‭ ‬ساكنين‭ ‬خامدين‭”. ‬

أعود‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬للبيت‭ ‬مساء‭ ‬وعندما‭ ‬أفتح‭ ‬بابه‭ ‬أشعر‭ ‬بالفراغ‭ ‬ليس‭ ‬لفكرة‭ ‬غياب‭ ‬فاهم‭ ‬الأبدي‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬لأني‭ ‬لا‭ ‬أحمل‭ ‬تلك‭ ‬الأكياس‭ ‬التي‭ ‬تحوي‭ ‬الحاجيات‭ ‬التي‭ ‬يحتاجها‭ ‬وقد‭ ‬درج‭ ‬على‭ ‬توصيتي‭ ‬بجلبها‭ ‬بأدب‭ ‬جم‭ ‬وكنت‭ ‬أحيانا‭ ‬أشعر‭ ‬بالبرم‭ ‬والتذمر‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التوصيات،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فأقف‭ ‬خائبا‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬وأقول‭ ‬دامعا‭ ‬له‭ ‬ولنفسي،‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬توصني‭ ‬أو‭ ‬تكلفني‭ ‬بشيء‭ ‬يا‭ ‬فاهم‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬زعلان‭ ‬أم‭ ‬غاضب‭ ‬مني‭ ‬أم‭ ‬تخشى‭ ‬برمي،‭ ‬لا‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬ليتك‭ ‬تأمرني‭ ‬بأي‭ ‬شيء‭ ‬فيكون‭ ‬خفيفا‭ ‬على‭ ‬روحي‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ثقله‭. ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اختار‭ ‬عزلته‭ ‬بكامل‭ ‬حريته‭ ‬لكنه‭ ‬يستقبلني‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬ولغبائي‭ ‬جعلت‭ ‬زيارتي‭ ‬له‭ ‬طقسا‭ ‬تقليديا‭ ‬مجاملا‭ ‬يطرد‭ ‬وحشته،‭ ‬أزوره‭ ‬لنتحدث‭ ‬عن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬ويهتم‭ ‬جدا‭ ‬بعملي‭ ‬البائس‭ ‬وهو‭ ‬يشجعني‭ ‬الاستمرار‭ ‬قائلا‭ ‬صحتك‭ ‬أفضل‭ ‬مذ‭ ‬بدأت‭ ‬عملك‭ ‬الجديد،‭ ‬تنتهي‭ ‬المواضيع‭ ‬فأفشل‭ ‬بإيجاد‭ ‬طريقة‭ ‬للانسحاب‭ ‬والانصراف‭ ‬لعالمي‭ ‬مخافة‭ ‬أني‭ ‬أخيب‭ ‬أمله‭ ‬وعندما‭ ‬أبادر‭ ‬بالاعتذار‭ ‬أجده‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬ينتظر‭ ‬رحيلي‭ ‬وتركي‭ ‬لحال‭ ‬سبيله‭ ‬متكورا‭ ‬حول‭ ‬ذاته‭ ‬المتلاشية‭ ‬وعالمه‭ ‬الآفل‭ ‬فيالغبائي‭ ‬فلقد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المواساة‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬كالقبر‭ ‬لايتسع‭ ‬إلا‭ ‬له‭…‬وحده‭. ‬

يصف‭ ‬خابيير‭ ‬مارياس‭ ‬أناقة‭ ‬نفس‭ ‬البطل‭ ‬قائلا‭ : ‬كان‭ ‬يبدو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬تربيته‭ ‬بأن‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬وهو‭ ‬يلبس‭ ‬بغير‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭. ‬

وكأنه‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬فاهم‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬رغم‭ ‬عزلته‭ ‬ومرضه‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬مرضه‭ ‬بالأحرى‭ ‬ظل‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬أناقته‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الأناقة‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬خابيير‭ ‬مارياس‭ ‬وقد‭ ‬أضع‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬التعليقات‭ ‬آخر‭ ‬صورة‭ ‬له‭ ‬وقبل‭ ‬أسابيع‭ ‬من‭ ‬وفاته‭ ‬ويبدو‭ ‬فيها‭ ‬كعادته،‭ ‬أنيقا‭ ‬يشد‭ ‬الرحال‭. ‬

أقرؤك‭ ‬اليوم‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬متأخرا‭ ‬كما‭ ‬أقرأ‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬فالمؤلف‭ ‬مات‭ ‬ولن‭ ‬تجدي‭ ‬كلمات‭ ‬الإعجاب‭ ‬ولا‭ ‬الاعتذار‭. ‬

عندما‭ ‬استقرت‭ ‬حبة‭ (‬ز‭) ‬في‭ ‬جوفي‭ ‬دهشت‭ ‬من‭ ‬نفسي‭ ‬فكيف‭ ‬لم‭ ‬أتذكر‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬سمعت‭ ‬بها‭ ‬ب‭(‬ز‭) ‬حينما‭ ‬أوصاني‭ ‬فاهم‭ ‬نفسه‭ ‬يرجوني‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬علبة‭ ‬ز‭ ‬وجلبها‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الصيدلية‭. ‬

تذكرت‭ ‬تلك‭ ‬الحادثة‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬نهايته‭ ‬وهو‭ ‬بكامل‭ ‬صحته‭ ‬العقلية،‭ ‬تذكرتها‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬وأنا‭ ‬بتمام‭ ‬صحتي‭ ‬العقلية‭. ‬