محسن إطيمش.. الذاكرة والتراث الإبداعي

137

أمير علي العنزي

هناك أشخاص يأتون الى هذه الدنيا وتكون أعمارهم قصيره قصر عمر كواكب الاسحار لكنهم ومع ذلك يملأون حدائق وجدهم بكل الوان الطيف الشمسي ويملؤون الأرجاء بعبق محبتهم وروعه سمتهم فيستخرجون درر عطائهم الثر فيبقون خالدين في ذاكره الانسان شموسا مضيئة تحيل ظلمه النفوس

الى نهارات سرمدية فالإنسان المبدع – أي انسان – يضيف الى تراث أمته إضاءات تظل عالقة في عقول محبي الثقافة والأبداع.

أنهم يحرثون في ارض يحسبها غيرهم غير قادره على الانتاج غير ان المبدعين ببصيرتهم وعبقرتيهم وقوه ارادتهم يجعلون من اليباب جنانا وارفة وحقولا يانعه

الصعب عندهم سهل والصلب مطواعا أنهم وبلا أدنى ريب امتلكوا القدرة على الغوص في بحار الأبداع واستخراج الدر الثمين وصقله وتقديمه للأخرين بأحلى وأبهى صوره تداعب القلوب وتناغم العقول

والدكتور محسن أطيمش هذا الرجل العملاق في أبداعه الصغير في حجم بنيته أستطاع رغم قصر عمره أن يلج دروبا ومسارب في الأبداع والخلق فهو الأكاديمي والباحث والشاعر والناقد وفوق هذا وذاك الأنسان المتواضع البسيط المحب لأصدقائه وطلبته أنه طود شامخ في الأدب العراقي خاصه والأدب العربي عامه .

كانت حياته الخاصة رحله في العذاب والتوجس والمرض غير أنه في حياته الإبداعية عين نضّاخه لم ينقطع يومآ عطاؤه الإبداعي فأن لم تزود ما حولها فأنها وبحق تنثر عليهم رذاذ عطائها فتلقح وجوه المحبين والمأسورين بالكلمة وسحرها ..

كان الراحل عنا جسدا والساكن في ألبابنا وقلوبنا دوما قد وصل بغداد عام 1963قادمآ من مدينه الابداع والمبدعين مدينه الناصرية ليلتحق بمعهد المعلمين العالي بالأعظمية ..

قدم الى مدينه المحبة والآخاء وهي تمور بالغضب وتغلي كالمرجل بعد انقلاب الثامن من شباط ليتسلم البعثيون سدة الحكم وفعل الحرس اللاقومي ما فعل من غدر وتنكيل فأنزوا المثقفون في صومعات قلقهم وخوفهم ..

أما أنصاف المثقفين وأشباههم فقد ركبوا الموجه ليحققوا مأربهم على حساب مبادئهم وقيمهم الحقيقية ….

جاء الى العاصمة وهو ما يزال غض العود طري الجسم وهو لم يتجاوز الثامنة عشر من عمرة . كان ينحدر من عائلة فقيرة الحال لكنها غنيه بكبريائها عظيمه بعطائها .

وفي عام 1965 تخرج من معهد المعلمين العالي ولما كان حب الدرس والتعليم والرغبة في ولوج طرق الدراسة دخل في ذات العام الى كلية الآداب قسم اللغة العربية في الجامعة المستنصرية وتخرج فيها بتفوق والجدير بالذكر أن عائله أطيمش أنبتت عدد من الشعراء والمبدعين ومنهم أحمد ،مظهر , عبد اللطيف ,…..الخ

كان الدكتور محسن مملوء رغبة وجموحا في الحصول على اعلى الدرجات العلمية كيف لا وهو الذي يمتلك طاقه جبارة وارداه صلبة لا تلين وعبقرية أدبيه قلما تتأتى للأخرين .فأكمل في بغداد دراسة الماجستير فحصل عليها بدرجه امتياز وكان عنوان رسالته ((الشاعر العربي الحديث مسرحيا )) وهي دارسه نقديه

واذا كان الشريف الرضي قال ( لوكنت اقنع بالنقابة وحدها لغضضت حين بلغتها آمالي .لكن لي نفسا تتوق الى ما بعدها مقام عالي)

الدكتور محسن لم يفكر ولو لطرفة عين في الاكتفاء بدرجه ماجستير ولهذا تراه قد شد الرحال الى القاهرة ليدرس الدكتوراه . ومرة أخرى يثبت للأخرين علوّ كعبه في الدراسة والتحصيل ..فحصل على لقب الدكتوراه من جامعة القاهرة عن اطروحته الموسومة ( دير الملاك ) وهي دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العربي المعاصر..

تميزت رسالته والتي عدت بحق من الدراسات المهمة .كتبت بأسلوب أدبي أكاديمي رصين دلت على ثقافته الواسعة ومعرفته الثرة وقدرته على الغوص في النص واستخراج دلالاته ومعانيه . أنه شاعر مجدد وتجريبي متمرد على الشعر التقليدي أنه ذو أحساس مرهف غارقاً في الرمزية والدلالية كما انه ناقد محترف ومقتدر على مسك النص بوعي وذكاء .لديه طاقه إبداعية متميزة في النقد ..والجدير بالذكر أنه تأثر كثيرا بطريقة النقاد الغربيين الكبار .

.عمل بتدريس الأدب العربي الحديث والمسرح والشعر في الجامعة طبع الكتاب (دير الملاك )عام 1982 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد المستنصرية ببغداد بدءا من عام 1983. كان عضو بارزا في أتحاد الأدباء والكتاب العراقيين وصدر ديوانه (الأناشيد ) وهو عباره عن قصيده طويلة حول الشاعر المصري الكبير ( محمد عفيفي مطر ) وصدرت أيضا عن دار الشؤون الثقافية ببغداد وأستغرق في كتابة هذه القصيدة من تموز عام 1991 وطبعت في شباط عام 1992 .. حاول أن يستنبط تجربه الشاعر مطر الرافض للعدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 .نسي وهو في حومه الحوادث التي عصفت بالعراق الهم الخاص فصار الهم العام هو الشغل الشاغل له .

الأنسان المبدع والمتجرد من بعض ذاتيته لا يمكن أنه يحيى في برج عاجي ويرى أبناء جلدته يساقون للردى فمنهم قتيل ومنهم قابع في قعر السجون والاوفر حظا نفي في زوايا النسيان والاهمال . ولو أنه تخلى عن بعض قيمه ومبادئه لنال أعلى المناصب ولحصل على حظوة كبيرة لكنه آثر أن يبقى جبلا تتلاشى عن سفحه العواصف العاتية وتتكسر عنده كل الاحلام غير المشروعة ..

وما ادل على ذلك أنه عندما كان مشاركا في مهرجان المربد عام 1986 ودعي لألقاء كلمته كان ناقدا لاذعا الى الشعراء الذين ألقوا قصائدهم فهاجمهم وهاجم القصائد التي ألقيت بلا استثناء ورفض الانسياق وراء الاعلام الزائف ولم يخش في الله لومه لائم . كان بموقفه المتميز هذا كمن يضع قلبه فوق صدره . لقد كان لموقفه الشجاع هذا أن لم يدع الى أي مهرجان أدبي أخر وذلك لشجاعته وتفرده وحرصه على أن يبقى بيرق الأدب عاليا خفاقا في سماء الأبداع ولعلني أحسبه مؤمنا ( بأن الرجل موقف وكلمه ) . أما إنسانيته وحبه للأخرين فتجلى بوضوح شديد حينما طلب من طلابه الذين أنهوا دراستهم الجامعية وسيقوا لجبهات القتال عنوة طلب منهم أن يأتوا لزيارته كلما سنحت لهم الفرصة في ذلك .

كان مدفوعا بحب طلبته ورغبته الحقيقية في أن يراهم سالمين وقد أخطأتهم شظايا الحرب .

كان الراحل يبدأ الدرس بمقوله شكسبير ( المصائب لا تأتي فرادى ) هذا هو الدكتور محسن أطيمش المهوس بحب الوطن والمواطن ..

أنصهر شاعرنا بالوطن المعذب ولم يتنازل عن مبادئه وأفكاره فهو نجم في سماء الأبداع والكثيرون من الأدباء كواكب .

كان محطه مهمه من المحطات التي على التاريخ أن يلقي بجمله ليأخذ من أدب وفكر هذا العلم والصرح الشامخ .

ولكــن سهام الدهر لا تخطئ من ترميه فكان هم الوطن وهم الأدب قد نالا منه وبمؤازره المرض فظل جسد الحبيب المغموس والمغمور بالطيبة والنبل راقدا في فراشه.

صارع الرجل المرض وهو في بلاد بعيدة عن ملاعب صباه وموطن ذكرياته فنقل من بلاد اليمن الى بغداد التي احتوته شابا يافعا يفيض نشـــاطا وعبقريه ولكنه جاءها عليلا ينوء بأوجاعه وأوزاره فغادرنا جسدا يوم الاثنين المصادف 6/6/1994 ..

ولكن عزاءنا الوحيد أنه بقي خالدا في ذاكرة المحبين له والمخلصين لأدبه لأنه رمز من رموز النقد الأدبي العربي المعاصر .