ديوان شعري يصف الهذيانُ كوضوح مشتّت – ذياب شاهين

ذياب شاهين

يتألف ديوان(الهذيان وضوح مشتت) للشاعر علي خصباك، من 49 نصا شعريا، وتتميز بكونها طويلة ومتوسطة وقصيرة جدا، وتغطي فترة طويلة من تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم، حتى إن العتبة ( الهذيان وضوح مشتت) تمثل نصا كثيفا قائما بذاته ويحتلُّ صفحة كاملة بالديوان، والنصوص مهتمةٌ بأحداث العراق بصورة عامة، وبالرغم من اغتراب الشاعر عن وطنه (الولايات المتحدة) لكنه ما انفك متعلقا بتفاصيل ما يجري في وطنه ومهتما بالناس في بلاده ولا يستطيع خروجا من قوقعة البلاد فهو يعيش تفاصيل وطنه بالرغم من منفاه البعيد. حتى إن إهداء الديوان كان مكثفا ومعبرا حيث يقول فيه (ما جدوى أن تحفر اسمك على لحاء الشجر وقد احترقت الغابة)، فالغابة هنا هي الوطن وقد احترق، ولم يعد ينفع شيئا لإعادة ما احترق من هذا الوطن، وقد احترقت أشجاره(مواطنيه) ما بين شهيد ومغترب و بائس بقي يعيش على رماد الوطن.
نصوص الديوان
في نص (الليل) نقرأ تساؤلا شفيفا من الشاعر، حيث يقول(1):
ماذا جَرى لليل !
يأتي قبلَ موعده بكثير، وعندما يرحلُ يتركُ
حفنةً منهُ فَيواصلُ المدمنونَ غَيبوبتَهم ،
وحفنةً أخرى للذينَ يمسكونَ النواعيرَ ويدورونَ
معَها مُغمضي الأعين وما تبقّى يضعونَه على
رؤوسِ النساءِ بانتظار قدومِه ليرتديَهنّ بالكامل.


وهي برأينا لوحة سريالية مكللة بالسواد، فليل العراق(بلد السواد) يأتي بغير موعده، ويوزع سواده على المدمنين ليستمروا في غيبوبتهم، وعلى من يمسكون النواعير مغمضي الأعين وهي إحالة ذكية لمن فقدوا زمام الأمور وباتوا يشبهون تلك المخلوقات العميان تدور على غير هدى سوى سقي أراضي الآخرين، وليس لديهم سوى سلطة استعباد النساء وهم يضعون على رأسها كل ما يخفي ملامحها وكأنها بالسواد الذي ترتديه لا تعدو عن كونها قطعة من الليل المدلهم.
والشاعر سرعان ما يأخذنا لنص جميل آخر بعنوانِ سدى(2) حيث نقرأ:
هو معلّقٌ على الجدار
والرزنامةُ خارج البيت،
تسددُ الفواتير
الدقائق لفاتورة الماء
والساعات لإيجار المنزل
والأيام سدى….
وهنا يقوم الشاعر بتشبيه معبر وغريب ما بين الروزنامة والانسان، حيث يتبادلا المواقع فهو يعلق على الجدار والروزنامة تعمل وتدفع الفواتير، وتصبح الحياة بلا جدوى وتمر سدى، هذا التماهي بين حياتين( الرجل والروزنامة) هو تعبير عن تبدد الزمن على متطلبات الحياة فلا شيء مجانيا فيها ويتبدد العمر من أجل تأمين أبسط ما يساعد الانسان كفافا في هذه الدنيا، ويكتمل النص باكتمال دورة السنين حيث نقرأ(3):
وجلّ السنين للحرب
لم يبق
سوى أثر لرجل
كان معلّقاً على الجدار
وقد نفهم من النص أن حياة الإنسان هي حرب تتبدد سنواتها ما بين العمل والموت ولا يتبقى لنا منها سوى أثر لا يمكن الاِمساك به لأنَّهُ قد مرَّ وتبدَّد مع موتِ الثواني والدقائق والساعات.
ونقرأ في نص (نسيان) شيئا مؤثرا(4):

غادرَ جثتَهُ ومَضى نَحو السماء
لم يجدْ منفذاً
عادَ ثانية إلى جثَّتهِ
فلمْ يجدْها !
بحثَ عن دارهِ
فتذكَّر أن لا دارَ لهُ
وعن طفليهِ،
فرآهما هائميْن تائهيْن !
وعن زوجتهِ،
لمحَها تبيعُ ملابسهُ في سوق المنكوبين !
وعن أمِّه،
كانتْ تجثو عَلى قبر ٍبلا شاهدةٍ

وهذا النص يحكي عن شخص توفاه الله، فحينما انفصلت روحه عن جسده لم يجد منفذا بالسماء ليدلف من خلاله إلى مستقره الأبدي، وحين يعود إلى الأرض بحثا عن جثته فلا يجدها فقد ووريت الثرى، فأراد الذهاب لبيته فلم يجده فهو بلا دارٍ، وحينما أرد رؤية طفليه وجدهما هائمين في الشوارع، فمن الذي سيعتني بهما بعده، وحينما أراد رؤية زوجته رآها تبيع ملابسه في سوق الفقراء، وأخيرا لتكتمل مآساته وجد والدته تبكي عند قبره وكان القبر بلا شاهدة، وهذه اللوحة المفعمة بالصور المأساوية هي لا تخص شخصا بعينه، فالعراق ممتلئ بهذا النوع من الأشخاص الذين ماتوا مجانا واستبيحت بيوتهم ودمرت عوائلهم ولم يتبقَ لهم سوى قبر بلا شاهدة.
وفي نص(تساؤلات طفل يهذي) نقرأ تساؤلا من طفل لأمه قائلا:(5):
يا أمّي لماذا لايقفِلوا السَّماءَ !
لقد سَقطتْ عَلى رؤوسِنا الكثيُر
من القنابرِ !
والتساؤل يحتاز غرائبيته بكونه صادرا من طفلٍ لا يعرف حقيقة القنابر التي تسقط عليهم ولا من أين تطلق، فهو يفترض أن بالسماء أبوابا لو أقفلت لتوقف انهمار القنابر منها، فكيف للأم أن تقنع هذا الطفل البريء أن القنابر تأتي من أهل الأرض وليس من أهل السماء. والنص في الحقيقة فيه الكثير من هذه الأسئلة التي تبدو في حقيقتها ساذجة ولكنها في الحقيقة أسئلة وجودية يطلقها الشاعر، فالشاعر طفب صغير ومن الصعب عليه أن يفهم لغة البشر وتبريراتهم للدمار الذي يحيق بالأرض من قبل هذه القوى التي تختفي خلف أقنعة الدين والقدر والصبر وغيرها حيث نقرأ(6):
وسألتُ تلميذاً آخرَ
-لماذا لايموتُ أبوك ؟
فأجابَني “إنّ اللهَ أنعمَ عليهِ وكلّما شعرَ بدنو الموتِ, يذهبُ اِلى مدنٍ بعيدة
ويعودُ اِلينا بأحسنَ حال ”
بينما أبي ينتظرُ كثيرأ على أبوابِ المشافي
وقبلَ أن يصلهُ الدَوْر
يقولون له: إن الدوامَ انتهى!
والمقطع أعلاه يمثل صرخة بوجه اللاعدالة التي تحيق بأبناء المجتمع فالأغنياء يتطببون بأحسن المستشفيات والفقراء ليس لهم سوى المشافي الحكومية التي تنعدم فيها الأدوية والعناية وتكاد تكون شبه مغلقة.
وأخيرا فالديوان فيه الكثير مما يحتمل القراءة العميقة التي تنتظر قارئا عارفا يفصل ويقول كلمته، وبرغم قراءتنا المقتضبة فالديوان بقصائده يستحق برأينا قراءات أخرى لنقاد آخرين.

 

 

الهوامش والمصادر
1- ديوان الهذيان وضوح مشتت – علي خصباك – شعر- دار الشاهين – بغداد- العراق-ط1- 2023- ص5
2- الديوان- ص 12
3- الديوان- ص 12
4- الديوان- ص 15
5- الديوان- ص31
6- الديوان- ص 33