الباحث المغربي في فن النحت بنيونس عميروش

الباحث المغربي في فن النحت بنيونس عميروش
زمن العودة إلى قطع رؤوس التماثيل بمصر وسوريا
فيصل عبد الحسن
التقديم الموضوعي الذي قدم فيه الناقد الفني عبد اللطيف بوجمله لمحاضرة زميله الباحث بنيونس عميروش مهد الأرضية كثيراً لفهم حقيقة المصاعب التي يواجهها فن النحت في المغرب، للجمهور الذي حضر المحاضرة برواق باب الرواح بالرباط قبل أيام قليلة، وكانت تحت عنوان النحت المغربي المعاصر مقاربة أوليةح .
قرأ بوجملة في صديقه المحاضر جانبين مهمين في شخصيته، الجانب الفني والجانب العلمي، فهو فنان قدم الكثير من المعارض الفنية، وأغنى التشكيل المغربي، بما قدمه من أعمال فنية تشكيلية، أوجزها بوجملة بثلاث مراحل فنية المرحلة الجسدانية، مرحلة العلامة، مفهوم اللوحة المتحف .
أما جانبه العلمي فكما قال عنه بوجمله فهو فنان نضجت حدوسه الفنية، وأكتمل فهمه لعملية التصوير، والتعبير عن الحركة التشكيلية خلال ربع قرن وقدم للحركة التشكيلية والنحت في المغرب عشرات الدراسات المهمة والكتب في النقد الفني.
توطئة الزكاري
واعتمد الناقد بوجملة على ما جاء في كلمة الفنان شفيق الزكاري في توطئته للمحاضرة بقوله شكل حضور بنيونس عميروش في جل المحافل الفنية، بما فيها من ندوات علمية وأيام دراسية كانت أدبية أو فنية حضوراً نوعياً وأضافة أستثنائية، لما له من قدرة على المتابعة، والأرشفة والترجمة، بطريقة أستنباطية.
وطريقته تضع المتلقي في صلب الأسئلة الأساسية، فبالأضافة إلى كونه باحثاً، فهو مبدع قبل كل شيء، بإنتاجاته وروحه وسلوكه الهادىء والمتأني، بمرجعية العارف بخبايا وأسرار التركيبات المؤثثة للتحف الفنية، ولا يصدر أحكاماً مسبقة عليها، إلا بمعية درايته بأهميتها.
لأنه يؤمن بمصداقية الفعل والكتابة كمسؤولية تأريخية ترتبط أرتباطاً قوياً بالضمير الأخلاقي، فبنيونس عميروش كما عرفته، قليل الإنتاج والكلام ولا يحب الأستسهال، وغالباً ما يشرد ذهنه متأملاً رغم وجود الآخرين صحبته، ولا يغامر في نقاشات بديهية إلا إذا تأكد من فحواها.
ولا يرسم ولا يكتب إلا بقلق المبدع والمثقف، الذي يحمل هماً حقيقياً، لذلك جاءت جل معارضه على قلتها، تحمل ثيمات ومحاور لا يمكن تفسيرها إلا إذا لاتوفر الشرط المعرفي.
عشرات الكتب
وقد تعمد الفنان شفيق الزكاري شهادته عدم الحديث عن مساربنيونس عميروش الابداعي الفني تاركاً هذا الأمر للناقدين عبد اللطيف بوجملة والناقد أحمد لطف الله، اللذين صاحبا بنيونس عميروش منصة الحديث.
فتناول أحمد لطف الله علاقته الطويلة بصاحب المحاضرة، التي أمتدت لفترة عقدين من السنوات منذ لقائهم الأول في مدينة مكناس.
وأثنى على صديقه موضحاً الجانب العلمي في شخصيته متحدثاً عن عشرات الكتب، التي ألفها المحاضر في النقد الفني ونشرها ولديه العديد من المخطوطات التي لم تنشر بعد.
وعشرات الدراسات النقدية الفنية المنشورة في الجرائد والمجلات المحلية والعربية، التي خص بها أعمال فنانين مغاربة كفريد بنكاهية، محمد بن شبعة، محمد القاسمي، المليحي، نور الدين الفاتحي، عبد العزيز أصالح، وغيرهم.
أباح الأزهر صنع التماثيل
وبعد ذلك بدأ المحاضر بنيونس عميروش محاضرته مورداً أسباب تأخر النحت المغربي، وأسباب تجريده، فمعظم النحت المغربي لا يملك القسمات المحددة للوجوه، والأشكال الأدمية معتبراً أن تجريد البشرمن قسماتهم الحقيقية في النحت المغربي جاء بسبب التحريم الديني لفن النحت بالمغرب من قبل بعض المتشددين.
وقد جاء في المحاضرة التي حملت عنوان النحت المغربي المعاصر مقاربة أولية ما يشير إلى تعميم المحاضر عن حالة النحت في الوطن العربي فقال عن ذلك في العالم العربي عموما، تكاد تخلو البيوت من التحف النحتية، بدافع الخلفية الدينية التي ما زالت تربط النحت بالأصنام والأوثان، خاصة ونحن نعيش زمن العودة إلى قطع رؤوس التماثيل بمصر وسوريا
ولكن المحاضر أستثنى بعض المذاهب الدينية ورجال الدين المتنورين من تهمة التحريم بقوله بالرغم من تأكيد بعض علماء الدين المتنورين على ضرورة تجاوز علة التحريم التي أصبحت منتهية الصلاحية في عصر الشاشات الثلاثية الأبعاد، بحكم ذوبان العلة ذاتها مع تطور وتعميق الوعْيَيْن الديني والثقافي عبر العصور.
لذلك أباح الأزهر صناعة التماثيل المشروطة بإنعاش السياحة وإبراز الحضارات وتاريخ الأمم وتخليد ذكرى المحاربين وعظماء الشعوب .
ثم عرج المحاضر على بلاده المغرب فقال إذا كانت في الكثير من البلاد العربية تُنَصَّب العديد من التماثيل التي تخلد أهم رجالها ونسائها ورموزها، فإن المغرب يبقى مُفْرغا من هذه التماثيل التشخيصية استنادا إلى تبني المذهب المالكي، باعتبار رأي فقهائه في الموضوع.
النحت التجريدي
وهنا أشار الباحث إلى الأسباب الحقيقية وراء التجريد في النحت المغربي من ثمة، ظهر النحت المغربي بمَيْل تجريدي منذ ولادته، إذ تتشكل فيه التعبيرية العُضوية بوجوه مطموسة تعلن حَذَرها الصارخ من التمثيل Repr sentation.
وكذلك قرن الباحث ذلك التحريم بعدم أهتمام المسؤولين في الدولة بفن النحت وعدم أدراجه ضمن دراسات الفنون الجميلة في الأكاديميات والمعاهد الفنية التي تدرس الفنون في المغرب، يقول المحاضر بهذا الصدد
فبالإضافة إلى مشكلة التحريم الديني الذي يؤثر على انفتاح وتوجيه التعبير الحجمي، بوعي أو بدون وعي، يمكن ربط ضعف الممارسة النحتية بأسباب أخرى. من بينها لامبالاة المسؤولين وذوي القرار بأهمية إدراج الفنون الجميلة ضمن المنظومة الجامعية الموصولة بالتعليم العالي الذي لا يتحقق بالمستوى المطلوب في مدرستي تطوان والبيضاء اللَّتيْن تعتبران من مخلفات الاستيطانَيْن الإسباني والفرنسي.
وأستثنى من ذلك الأهمال صندوق الإيداع والتدبير بقوله من زاوية أخرى، وباستثناء باحة صندوق الإيداع والتدبير بالرباط المُحْدَثَة مؤخرا، يتصل تقهقر التعبير الحَجْمي بانعدام قاعات وساحات متخصصة في عرض المُنتَجات النحتية، وبالنقد الفني الذي لم يستطع أن يحفز ويتابع العديد من المحاولات والاجتهادات.
الهندسة المعمارية
وأشار المحاضر إلى ما يحتاجه فن النحت ليتطور وينتشر في المغرب بقوله في الحالة التي يستدعي فيها النحت الجُهد المُضاعَف في تطويع المادة والورش الفسيحة الكفيلة بالممارسة المنطلقة، مثلما يقتضي الطاقة المعرفية التي تجعل من النحات ذلك الباحث المقتنع برسالته التي يكابد ويكافح من أجله.
وأشار إلى صعوبات تسويق ما ينتجه النحات من مشغولات علما أن القطع النحتية الصالونية منها والصَّرْحِية قلَّما تجد مقتنيها.
وإن كانت هذه المسألة متعلقة بالتربية والتعليم والذوق في المقام الأول، فإن الأمر يستوجب التأكيد على أن الاستئناس بتذوق النحت والتعبير الحَجْمي على اختلاف أساليبه وتقنياته، ينطلق أساسا من الفضاء العمومي المُكَوِّن للبنية العُمْرانية المشتركة.
وأشار المحاضر إلى التواشج بين الهندسة المعمارية التي تضع في أعتباراته عند تخطيط المدن ملء الفضاءات بالنصب وأعمال النحت كأعمال جمالية تضيف للشكل المعماري للمدن بقوله عن ذلك
أن الهندسة المَدَنِيَة المعاصرة تأخذ النحت بعين الاعتبار في تصميم وتأثيث المدن، حيث يتم بناء وتنصيب المنحوتات الصرحية والرمزية والتماثيل والتماثيل النصفية ومختلف المنشآت الحَجْمية في مواقع مدروسة بعلاقتها مع النسيج المَدِيني بوصفه كُلاًّ مُتَوافقا.
منحوتات وسط الرباط
وختم المحاضر محاضرته بأيراد أسماء فنانين مغاربة ساهموا بأغناء أعمال النحت المغربي، وقد أشار خلال محاضرته إشارة بالغة الأهمية إلى أعمال الفنان التونسي المقيم في المغرب منذ سنوات كثيرة صحبي الشتيوي التي أستقرت في الفضاء المفتوح من وسط مدينة الرباط .
وأعطت هذه الأعمال مدينة الرباط ميزة فنية في غاية الجمال من خلال أظهارأحتفائها بفن النحت، والأعمال النحتية الكبيرة الحجم المعروضة في الساحة، والتي هي بمتناول عيون الكبار والأطفال من اهل المدينة وخارجها.
وختم المحاضر محاضرته بقوله أجمالا، ومنذ تأسيس ملامح التشكيل المغربي، وبقدر من التأخير، ظل النحت المغربي المعاصر مرتبطا بقلة من المبدعين مثل عبد الحق السجلماسي وعبد الله الملياني وأحمد الزبير وموسى الزكاني وحسن السلاوي ومحمد شبعة ومحمد المليحي وفريد بلكاهية.
وبمساهمات آخرين كمحمد الوردي ومحمد العبادي. بيد أن هذه الهوة القائمة بين الحضور العابر والغياب المُسْتَرسَل، لم تمنع آخرين محدودين من إعادة إشعال فتيل الإبداع الحجمي، لِنُشير في هذا السياق إلى الإشعاع المتألق لأعمال إكرام القباج وحضور أعمال عبد الرحمان رحول وعبد الكريم الوزاني والصحبي الشتيوي تونسي مقيم في المغرب .
ومحمد العادي وعبد السلام أزدام ومصطفى غزلاني وغيرهم من الأجيال المتعاقبة التي تجتهد وتعمل على إيجاد موطئ قدم في حقل النحت المغربي الذي يحتاج إلى المزيد من الإخصاب.
AZP09