
البطالة والعشوائية ركيزتان لإفشال المنجز – رياض عبد الكريم
كثر الحديث عن مشكلة البطالة وآليات معالجاتها، في خضم قرارات الإصلاح والمعالجات والحلول لهذه الازمة، إذ طرحت على مدى الزمن الذي مضى ومنذ عام 2003 ولحد الان الكثير من القرارات غير المدروسة والترقيعية ووفق اجتهادات بعيدة عن الواقع المعاش ، برغم تعدد الحكومات وتوالي دورات مجلس البرلمان ، لذا سنركز على الحلول الواقعية، التي تستند إلى القوانين النافذة والمؤسسات الرسمية،الموجودة، مع التأكيد على توفر شروط الإلزام لتنفيذ هذه الحلول، وبخلاف ذلك فإن المشكلة ستبقى قائمة.
ووفق آخر مسح لوزارة التخطيط أعلنت عن نسبة البطالة لمن هم في عمر 15 سنة فما فوق إذ بلغت (13.8 بالمئة ) في حين بلغت نسبة البطالة للفئة (15-24 سنة) (67 بالمئة ) من هذا نستنج أن الفئة الأكثر ضرراً من عدم توفر فرص العمل هم الشباب، وهذا ما ترجمته الاحتجاجات الأخيرة، إذ طغت عليها فئة الشباب وكانت الفئة البارزة لهذه التظاهرات، وعند التوقف على نسبة البطالة لدى الشباب والبلغة 67 بالمئة نجد اننا امام هول مصيبة كبرى تعصف بواقع الشباب، وامام تعطل معظم قدرات الدولة وجهدها الاداري في التوصل لحلول واقعية ولو نسبية لهذه المعضلة الكبيرة ، مما يعني ان الدولة ومن خلال عجزها عن حل هذه المشكلة طيلة السنوات التي مضت قد اخضعت نفسها لتراكمات نمو واتساع وازدياد نسب البطالة لحين تحولها الى ظاهرة ملفتة للانتباه والنظر ادت الى تهديد مستقبل الشباب ودفعت بالبعض منهم الى سلوك طرق قد تشوبه ملامح السوء والانحراف والجريمة وتعاطي المخدرات ، وهذا ما نلاحظه من ازدياد نسب تعاطي المخدرات واتساع حوادث الجريمة المنظمة وتنامي السرقات وتشتت الافكار وضياع فرص تنامي العقول التي كان بالامكان صقلها وتطويرها لو اتيحت فرص العمل لتكون طاقات مضاعفة ومتحصنة في عملية البناء والاعمار ، في الوقت الذي يحتاج البلد مثل هذه الطاقات الشابة التي هي بمثابة الدماء النقية التي تغذي شرايين الاقتصاد والتنمية .
إن العمل بحد ذاته يعد وسيلة، و ليس غاية فهو وسيلة الإنسان التي تمكنه من الإسهام في الحياة و النشاط الاقتصادي، و بذلك تجنبه معاناة الشعور بالعجز أو الفشل.
استخدام الطاقة البشرية
وتحدد بعض المصادراهمية العمل كونه المصدر الرئيسي لتحقيق الدخل للاسرة و بالتالي إشباع حاجاتها الأساسية و الكمالية، حيث انه يمثل المصدر الرئيس للدخل الذي يمكن الإنسان من المعيشة بكرامة و رفاهية، وهو وسيلة المجتمع لتوزيع مجمل الدخل القومي المتحقق سنويا كما إن العمل يمثل وسيلة استخدام الطاقة البشرية و تلافي إهدارها أو ضياع ما تحمله من مهارات ذهنية و بدنية، و عندما يصبح من الصعب اعتماد هذه الوسيلة لأي سبب كان ، فان مشكلة خطيرة ستبرز في الحياة الاقتصادية، هذه المشكلة تعرف بـالبطالة.
ومن جانب اخر تشير المصادر الى إن ظاهرة البطالة تعد مشكلة اقتصادية واجتماعية خطيرة و تحتل مكانا بارزاً في معظم الأدبيات الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية وهي واحدة من أهم المشاكل الاقتصادية التي يتناولها بشكل أساس ( التحليل الاقتصادي الكلي )، باعتبارها من ابرز المشاكل الاقتصادية الكلية التي يهتم بها هذا النوع من التحليل الاقتصادي، و قد طرحت العديد من المفاهيم المتعلقة بهذه الظاهرة بهدف دراستها ووضع المعالجات المناسبة للتقليل من مخاطرها و آثارها الاقتصادية و الاجتماعية إلا أن قياس شريحة العاطلين عن العمل ليس من الأمور السهلة, و إنما هي محل جدل و خلاف بين المختصين بسبب الأمور الفنية و العوامل الموضوعية و الذاتية التي تدخل في تحديد هذه الفئة من السكان, و من اجل تقديم صورة واضحة لأبعاد هذا المفهوم كان لابد من محاولة الطرح الملائم لهذه الظاهرة بما يحقق الإحاطة الشمولية بها.
سياسات البعد التأملي
ان العديد من الاجتماعات والتصريحات والبيانات التي كانت تتبناها الحكومة هي في معظمها ترسم سياسات البعد التأملي للظاهرة دون التطرق للتفصيلات ، وتترك الامور لاجتهادات الوزراء والمسؤولين والتي غالبا ما تتسم بالمماطلة والتسويف ، يرافقها عدم المتابعة والتأكيد على الحلول من قبل الحكومة ، الامر الذي يشكل اضاعة لفرصة تحقيق نتائج ايجابية لمثل هذه الاجتماعات ، والادهى من ذلك فأن مجلس الخدمة الذي شرع بقانون بعد انتظار سنوات طويلة ، مجمد حاليا وليس له حول ولاقوة ولن يحرك ساكنا بأتجاه حل ازمة البطالة ، وفي حوار متلفز لرئيس المجلس اشار بوضوح الى توقف العمل في المجلس لعدم وضوح الرؤية في صلاحياته وعدم قدرته في التحاور مع باقي الوزرات حول مشكلة التعينات كون هذه الوزارات تعلن بأستمرار عن عدم وجود التخصيصات المالية لاطلاق درجات وظيفية .
مصاعب وتحديات اقتصادية
و بقدر تعلق الأمر بالاقتصاد العراقي، فانه يواجه في ظل الظروف الراهنة مشكلة الارتفاع الكبير في معدلات البطالة، حيث إنها تعتبر واحدة من ابرز المصاعب و التحديات التي يواجهها هذا الاقتصاد، و ذلك لما لها من انعكاسات عميقة و خطيرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية و مما يزيد من حدة هذه المشكلة استمرارها ووجودها لمدد طويلة مع ارتفاع معدلاتها في السنوات الأخيرة و ظهورها بأشكال و أنواع مختلفة مقابل استمرار ضعف قدرة القطاعات الاقتصادية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الأيدي العاملة القادرة على العمل والراغبة فيه, بسبب عدم تنامي امكانيات القطاع الخاص لانعدام رؤية الحكومة في تطوير هذا القطاع والاستفادة من امكانياته الكبيرة ، فقد أصبح أكثر من نصف شباب العراق عاطلين عن العمل , ويأتي العراق في مقدمة دول الشرق الأوسط و بنسبة بطالة تقدر بحوالي (59).ان الحلول المقترحة وان كانت هي بمثابة افكار، الا انها يمكن ان تدرس وتنضج من خلال لجنة عليا تشكل في وزارة التخطيط ، تبدأ بحصر اعداد العاطلين عن العمل من خلال استمارة تعد لهذا الغرض تتضمن العمر والتحصيل العلمي وموقع السكن والمهارات في قاعدة بيانات تشارك فيها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
ومن ثم تصنف التخصصات وتفتح دورات تدريبية بمشاركة مجلس الخدمة ووزارتي التخطيط والعمل لتطوير تلك التخصصات والمهارات لمدة معينة تححدها طبيعة الدورات على ان تصرف لهم مكافآت شهرية ، ولابأس من اشراك القطاع الخاص وبالاخص المصانع الانتاجية والشركات المتخصصة في مختلف المجالات ، على ان تمنح شهادات للتخرج بعد انتهاء مدة الدورة ووفق صيغة علمية منهجية وتسلم الى مجلس الخدمة حيث يجري تصنيف هذه المهارات بحسب التخصصات ، ويجري ارشفتها في مجلس الخدمة الذي بدوره يقوم بمفاتحة كل وزارات ومؤسسات الدولة لعرض التخصصات المتوفرة والمؤهلة للمارسة الدور الوظيفي . اضافة الى مفاتحة الشركات المستثمرة في العراق لعرض التخصصات المتوفرة وكذلك شركات القطاع الخاص المنتجة كي لا تتحمل الدولة العبء الاكبر في استيعاب اعداد العاطلين عن العمل .
ولكن مايجري الان وبشكل خاطيء هو قيام الحكومة باطلاق التعيينات وعلى نطاق واسع بطريقة عشوائية غير مدروسة وبدون معرفة حاجة الوزارات والمؤسسات للتخصصات والاعداد التي يمكن لها ان تحسن من الاداء والانتاج وتركت هذه المهمة لتقديرات الوزارات ، وهنا يكمن الخطأ الكبير في سوء عملية التوزيع ، ذلك ان ستراتيجية العمل والتعيينات تشكل الجزء الاكبر من التخطيط لسياسة الدولة المالية والاقتصادية ، ولايمكن ان تترك للتلاعب او الاجتهادات او الامزجة والعلاقات ، وهذا ما أدى ويؤدي لحد الان الى الترهل الوظيفي والتداخل في المهمات والاداء مما يفسد قيمة الابداع في العمل ويخلق حالة من الاتكالية ةالاعتماد على الاخر في الانجاز .
إن تنفيذ هذه الآلية يعتمد على التزام مؤسسات الدولة بقاعدة البيانات في وزارة العمل ومجلس الخدمة الاتحادي التي تمثل مصدر اختيار العاملين بالوظائف الحكومية أو المشاريع الاستثمارية الكبرى، كعقود التراخيص النفطية ومشاريع الطاقة وباقي المشاريع الاستراتيجية الكبرى المزمع الاتفاق عليها كميناء الفاو ومشروع البتروكيمياويات ومشروع الاسمدة ومشاريع السكن ، واعمال اعادة هيكلة البنى التحتية ، وتحديد النسبة العظمى من العاملين للعراقيين عن سواهم من الايدي العاملة الاجنبية ، ومن شأن هذه الآلية أن تؤسس لمركزية في التعيين لتوفر للمواطن المسجل ضمن قاعدة البيانات الاطمئنان بعدالة التطبيق وتؤسس لتكافؤ الفرص والعدالة والمساواة وفق مبادئ الدستور في العراق .
ان الحكومة معنية بل ومسؤولة بأن تقوض ظاهرة انتشار البطالة ، وأن تسعى لتفعيل مجلس الخدمة الاتحادي وضخ الكوادر المنصفة والامينة في هذا الاتحاد كي لايتحول الى بؤرة للسفاد من خلال بيع الوظائف للمواطنين كما يحصل ذلك الان وعلى نطاق واسع .
كاتب ومتابع للشأن السياسي























