الشاعرة‭ ‬الكردية‭ ‬فينوس‭ ‬فائق‭ ‬لـ‭ ‬الزمان‭:‬ العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬حاصر‭ ‬الخيال‭ ‬لكنه‭ ‬منح‭ ‬النص‭ ‬سعة‭ ‬الانتشار‭ ‬

حاورها‭:‬محمد‭ ‬محمد‭ ‬إبراهيم

تؤصل‭ ‬الشاعرة‭ ‬والإعلامية‭ ‬والمترجمة‭ ‬الكوردية‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬هولندا‭ ‬فينوس‭ ‬فائق،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬راهن‭ ‬وتحولات‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬طفرة‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬مجيبة‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬مختلفة‭ ‬تتصل‭ ‬بتطورات‭ ‬حياة‭ ‬الأديب‭ ‬وقناعاته‭ ‬تجاه‭ ‬قضايا‭ ‬الغربة‭ ‬والوطن‭ ‬وجدلية‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬وفضاء‭ ‬تجربتها‭ ‬الشعرية‭… ‬إلى‭ ‬التفاصيل

بداية‭ ‬أستاذة‭ ‬فينوس‭ ‬برأيكم‭ ‬كيف‭ ‬أثرت‭ ‬طفرة‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬الشعري؟‭ ‬وماذا‭ ‬منحته؟

التطور‭ ‬التكنلوجي‭ ‬السريع‭ ‬ألقى‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬وجمهور‭ ‬القراء،‭ ‬وصار‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬نصنف‭ ‬الشاعر‭ ‬والمتلقي،‭ ‬حسب‭ ‬حقبة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬التكنلوجيا،‭ ‬فهناك‭ ‬شعراء‭ ‬وقراء‭ ‬لم‭ ‬يجربوا‭ ‬أصلاً‭ ‬النشر‭ ‬الورقي‭ ‬ولم‭ ‬يقرؤوا‭ ‬كتباً‭ ‬ورقيّة،‭ ‬بل‭ ‬قرأوا‭ ‬نصوصاً‭ ‬ضوئية‭ ‬بصور‭ ‬سريعة‭ ‬أوهمتهم‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬يكفي،‭ ‬وبدا‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬عُرفاً‭ ‬أدبياً،‭ ‬فأنا‭ ‬أصنِّف‭ ‬هؤلاء‭ ‬تحت‭ ‬خانة‭ ‬‮«‬شعراء‭ ‬الإنترنت‮»‬‭ ‬و»قراء‭ ‬الإنترنت‮»‬‭ ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬رغم‭ ‬جوانبها‭ ‬الإيجابية‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تعتبر‭ ‬أيضا‭ ‬أرضية‭ ‬خصبة‭ ‬لتناسخ‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬وإعادة‭ ‬نشرها‭ ‬بأسماء‭ ‬أخرى،‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬السرقات‭ ‬الأدبية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬فوضى‭ ‬التداول،‭ ‬وتبعاً‭ ‬لذلك‭ ‬فقد‭ ‬انحسر‭ ‬وهَج‭ ‬وسحر‭ ‬النص‭ ‬الشعري،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬ذائقة‭ ‬المتلقي‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى،‭ ‬وسحبه‭ ‬عنوة‭ ‬من‭ ‬العمق‭ ‬إلى‭ ‬السطح،‭ ‬فنحن‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬شبكة‭ ‬عنكبوتية‭ ‬تجبرنا‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬متاهاتها‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬تتحكم‭ ‬بتفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬الشاعر،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬التكنلوجيا‭ ‬قدَّمَتْ‭ ‬خدمات‭ ‬جليلة‭ ‬للإنسانيَّة‭ ‬وسَهّلت‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬وألغت‭ ‬المسافات‭. ‬

يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬طفرة‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬والقراءة‭ ‬الضوئية‭ ‬حدت‭ ‬من‭ ‬الخيال‭.. ‬كيف‭ ‬تنظرين‭ ‬لذلك؟‭ ‬وما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬كتابة‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬هذه‭ ‬الطفرة؟‭ ‬

اتفق‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الرأي،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬غيبت‭ ‬–نوعاً‭ ‬ما‭- ‬دور‭ ‬الرقيب‭ ‬الأدبي‭ ‬واللغوي‭ ‬الكفيل‭ ‬بإخراج‭ ‬النص‭ ‬بلا‭ ‬أخطاء‭ ‬لغوية‭ ‬أو‭ ‬طباعية‭ ‬تعتور‭ ‬جمال‭ ‬الانسياب‭ ‬التعبيري‭ ‬للنص،‭ ‬كما‭ ‬أنهت‭ ‬الشغف‭ ‬المرافق‭ ‬لمراحل‭ ‬انتاجه‭ ‬ونشره،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬قبل‭ ‬الطفرة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وأنا‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬أحكم‭ ‬بتلاشي‭ ‬واختلاف‭ ‬معايير‭ ‬التقييم‭ ‬الأدبي‭ ‬الموضوعي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ ‬الشاعر‭ ‬الرقمي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أعني‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬كانت‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬نص‭ ‬لنا‭ ‬بمثابة‭ ‬شهادة‭ ‬نفتخر‭ ‬بها،‭ ‬وكنا‭ ‬ننتظر‭ ‬النشر‭ ‬بشغف‭ ‬كبيرٍ‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬معدوماً‭ ‬لدى‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬اللحظة‭ ‬الشعريَّة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭ ‬ولم‭ ‬يسهر‭ ‬وهو‭ ‬يتقلب‭ ‬بسبب‭ ‬فكرة‭ ‬تنخر‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬لتصبح‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬نصاً‭ ‬إبداعياً‭ ‬له‭ ‬قيمة‭ ‬عالية،‭ ‬ولم‭ ‬تنتابه‭ ‬مشاعر‭ ‬الشغف‭ ‬وانتظار‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬نصه،‭ ‬والإحساس‭ ‬بالنشوة‭ ‬والدهشة‭ ‬عند‭ ‬نشر‭ ‬النص،‭ ‬ولحظة‭ ‬تصفح‭ ‬الشاعر‭ ‬للمطبوعة‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬نصه،‭ ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬لها‭ ‬جوانب‭ ‬سلبية‭ ‬تترك‭ ‬أثرها‭ ‬على‭ ‬المعايير‭ ‬الأدبية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والموضوعية‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬النص‭ ‬وتمنح‭ ‬الكاتب‭ ‬لقب‭ ‬شاعر،‭ ‬وتحفزه‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬ذاته‭ ‬الشاعرة‭.‬

هل‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنك‭ ‬متشائمة‭ ‬تجاه‭ ‬مستقبل‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الرقمي؟

‭ ‬لست‭ ‬متشائمة،‭ ‬ولا‭ ‬أحكم‭ ‬بأن‭ ‬التقنية‭ ‬تهدد‭ ‬مستقبله،‭ ‬فالنص‭ ‬الشعري‭ ‬الأصيل‭ ‬والجيّد‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬زمن‭ ‬أو‭ ‬مكان،‭ ‬وما‭ ‬أقصده‭  ‬هو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الشعر‭ ‬يعيش‭ ‬أزمة‭ ‬غياب‭ ‬الرقيب‭ ‬الأدبي‭ ‬واللغوي،‭ ‬بسبب‭ ‬أدوات‭ ‬ومعطيات‭ ‬السرعة‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬سَهّلت‭ ‬نقل‭ ‬لغة‭ ‬ومفاهيم‭ ‬ومعارف‭ ‬العامة‭ ‬البسيطة‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬المبدعين‭ ‬الحقيقين‭ ‬وهذا‭ ‬يؤسس‭ ‬لمخاطر‭ ‬حتمية‭ ‬على‭ ‬المبدع‭ ‬وعلى‭ ‬القِيَم‭ ‬الجماليّة‭ ‬والإبداعيّة‭ ‬لإنتاجه‭ ‬وعلى‭ ‬اللغة‭ ‬نفسها،‭ ‬لعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬تلك‭ ‬المخاطر‭ ‬إفساد‭ ‬الذائقة‭ ‬الأدبية‭ ‬للأجيال‭ ‬الصاعدة‭ ‬وترويضها‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الروح‭ ‬والخيال‭ ‬الشعري‭ ‬والعمق‭ ‬المعرفي،‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬شعر‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تجد‭ ‬جيلاً‭ ‬بكامله‭ ‬يفتح‭ ‬عينه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ومع‭ ‬الزمن‭ ‬سيؤمن‭ ‬بأنها‭ ‬الحالة‭ ‬المثالية‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬رسالتك‭ ‬للمبدع‭ ‬والناقد‭ ‬والقارئ‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص؟

‭# ‬رسالتي‭ ‬للجميع‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬القاعدة‭ ‬الأصيلة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬النصوص‭ ‬والتي‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬إنتاج‭ ‬أدبي‭ ‬خارج‭ ‬قوانين‭ ‬وأعراف‭ ‬النشر‭ ‬يكون‭ ‬ناقصاً،‭ ‬ويفتقر‭ ‬لأهم‭ ‬عوامل‭ ‬إشباع‭ ‬الذائقة‭ ‬الأدبية‭. ‬

فضاء‭ ‬التجربة‭ ‬الشعرية

‭ ‬‮«‬غربتي‭ ‬صارت‭ ‬وطني،‭ ‬والقصيدة‭ ‬خطاياي‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬أرتكبها‭ ‬على‭ ‬أوراق‭ ‬بيضاء،‭ ‬والحرب‭ ‬أخذت‭ ‬أجمل‭ ‬أيام‭ ‬الصبا‮»‬‭ ‬هكذا‭ ‬قالت‭ ‬الشاعرة‭ ‬فينوس‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬صحفي‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هذه‭ ‬القناعات‭ ‬قائمة‭ ‬أو‭ ‬ثابتة‭ ‬لديك؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬القناعات‭ ‬تتغير؟

القناعات‭ ‬تتغير‭ ‬أو‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬مع‭ ‬نضوجنا‭ ‬ثقافياً‭ ‬وأدبياً‭ ‬وفكرياً،‭ ‬فأنت‭ ‬قد‭ ‬تقول‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬قناعةٍ‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬مسيرتك‭ ‬الإبداعية،‭ ‬فتتغير‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬أفقك‭ ‬الفكري‭ ‬وتطور‭ ‬أدواتك‭ ‬المعرفية‭ ‬والإبداعية،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تقطع‭ ‬شوطاً‭ ‬في‭ ‬مشاريعك‭ ‬الحياتية‭ ‬وإنتاجك‭ ‬الأدبي‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬تتعلم‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭ ‬عبر‭ ‬محطاتك‭ ‬الحياتية‭. ‬

ورغم‭ ‬أنني‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أعيش‭ ‬الغربة‭ ‬مجازاً،‭ ‬فأنا‭ ‬أعيشها‭ ‬جغرافياً‭ ‬وروحياً،‭ ‬لا‭ ‬أقول‭ ‬هذا‭ ‬تشاؤماً،‭ ‬بل‭ ‬حقيقة،‭ ‬فنحن‭ ‬كمغتربين‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬لعودتنا‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬مواطنين‭ ‬أصليين،‭ ‬في‭ ‬بلداننا،‭ ‬ولن‭ ‬نكون‭ ‬مواطنين‭ ‬أصليين‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬المهجر‭. ‬نبقى‭ ‬نتخبط‭ ‬ذهاباً‭ ‬وإياباً‭ ‬بين‭ ‬وطن‭ ‬صار‭ ‬منفىً،‭ ‬ومنفىً‭ ‬صار‭ ‬وطناً،‭ ‬ولا‭ ‬نستقر‭ ‬على‭ ‬وطن‭ ‬نرضى‭ ‬عنه‭ ‬ويرضى‭ ‬عنا‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬سيظل‭ ‬يعيشها‭ ‬شعراء‭ ‬المهجر‭. ‬

أما‭ ‬عن‭ ‬الحرب،‭ ‬فهي‭ ‬حقاً‭ ‬أخذت‭ ‬منا‭ ‬أجمل‭ ‬أيام‭ ‬الصبا،‭ ‬وقضت‭ ‬على‭ ‬أجمل‭ ‬فترة‭ ‬عمرية‭ ‬من‭ ‬حياتنا،‭ ‬والقصيدة‭ ‬–أيضاً‭ ‬كما‭ ‬كانت‭-‬لم‭ ‬تزل‭ ‬أجمل‭ ‬خطيئة‭ ‬أفضُّ‭ ‬بها‭ ‬بكارة‭ ‬الأوراق‭ ‬البيضاء‭. ‬أقول‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬وأنا‭ ‬اليوم‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بمنظار‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وأرى‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬بعين‭ ‬أخرى‭. ‬القضية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬تتأقلم‭ ‬بين‭ ‬دروب‭ ‬حيواتك‭ ‬المختلفة‭ ‬عبر‭ ‬محطات‭ ‬لم‭ ‬تختر‭ ‬أن‭ ‬تمر‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬محطة‭ ‬اختارتك‭ ‬لتقيم‭ ‬فيها‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يقول‭ ‬الأديب‭ ‬والروائي‭ ‬العربي‭ ‬واسيني‭ ‬الأعرج‭ ‬عنك‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬عيشك‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬وطنك‭ ‬الأم،‭ ‬منحك‭ ‬فضاءً‭ ‬شعرياً‭ ‬جميلاً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لكِ‭ ‬بلوغه،‭ ‬لولا‭ ‬المنافي‭ ‬وقلق‭ ‬الفقدان‮»‬‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬لك‭ ‬هذا‭ ‬القول؟

‭# ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬ذلك‭ ‬عني‭ ‬الروائي‭ ‬والأديب‭ ‬الكبير‭ ‬واسيني‭ ‬الأعرج،‭ ‬فهذه‭ ‬شهادة‭ ‬اعتز‭ ‬بها‭ ‬وأعتبرها‭ ‬مكسباً‭ ‬يفوق‭ ‬أي‭ ‬جائزة‭ ‬أدبية،‭ ‬وذلك‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬قرأ‭ ‬إنتاجي‭ ‬الشعري‭ ‬بعمق،‭ ‬وكونه‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬كمبدع‭ ‬كبير،‭ ‬فقد‭ ‬فهم‭ ‬كلما‭ ‬أشرت‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سؤالك،‭ ‬لأنه‭ ‬جرّب‭ ‬قلق‭ ‬الفقدان،‭ ‬فغاص‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬نصوصي‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬المنافي‭ ‬التي‭ ‬مررت‭ ‬بها،‭ ‬وعرف‭ ‬كيف‭ ‬تحولت‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬نصوص‭ ‬شعرية‭ ‬صادقة‭.‬

‭ ‬كشاعرة‭ ‬مهاجرة‭ ‬تنقلت‭ ‬بين‭ ‬بلدان‭ ‬متعددة‭ ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬الفعاليات‭ ‬والمهرجانات‭ ‬الثقافية‭ ‬الدولية،‭ ‬ماذا‭ ‬منحتكِ‭ ‬هذه‭ ‬الأسفار؟‭ ‬وماذا‭ ‬أخذت‭ ‬منك؟

‭ ‬هذه‭ ‬الأسفار‭ ‬منحتني‭ ‬الكثير‭ ‬ولم‭ ‬تأخذ‭ ‬مني‭ ‬شيئاً،‭ ‬الحروب‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تأخذ‭ ‬وتلتهم‭ ‬أجمل‭ ‬وأغلى‭ ‬ما‭ ‬نملك،‭ ‬لكن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأسفار‭ ‬تمنحنا‭ ‬القوة‭ ‬وروح‭ ‬التحدي‭ ‬الثقافي‭ ‬وتلقي‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬جميلة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬قصيرة‭ ‬العمر‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تحجز‭ ‬مكاناً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الذاكرة‭ ‬والوجدان‭.‬

جدلية‭ ‬صراع‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭ ‬

في‭ ‬مجموعتك‭ ‬‮«‬سأرزق‭ ‬برجل‭ ‬من‭ ‬ضلعي‭ ‬الأيمن‮»‬،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬نفس‭ ‬اسم‭ ‬الديوان،‭ ‬تبرز‭ ‬جدلية‭ ‬تاريخية‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬صراع‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬فمن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬فلسفية‭ ‬لماذا‭ ‬تحاول‭ ‬المرأة‭ ‬الشاعرة‭ ‬تمثل‭ ‬دور‭ ‬الضحية‭ ‬أو‭ ‬تحاول‭ ‬ترويض‭ ‬الرجل‭ ‬ليكون‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تريد؟

‭# ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬كذلك،‭ ‬أنما‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬لإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬رجل‭ ‬قريب‭ ‬منها‭ ‬ومن‭ ‬خلاله‭ ‬نقل‭ ‬التغيير‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬آخرين،‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬تغيير‭ ‬العالم،‭ ‬لكننا‭ ‬قد‭ ‬نترك‭ ‬أثراً‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬أما‭ ‬بخصوص‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬تمثل‭ ‬دور‭ ‬الضحية‭ ‬فهذا‭ ‬ليس‭ ‬صحيح،‭ ‬بل‭ ‬تعيش‭ ‬الدور‭ ‬نفسه،‭ ‬فهي‭ ‬أصلاً‭ ‬ضحية،‭ ‬والأمر‭ ‬يتعدى‭ ‬كونه‭ ‬تمثيل،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬نظرتنا‭ ‬للآخر‭ ‬لنحقق‭ ‬أقل‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض،‭ ‬وأن‭ ‬نفهم‭ ‬أنفسنا‭ ‬أولاً‭ ‬ونحاول‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬الآخر،‭ ‬ونصيغ‭ ‬علاقتنا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إنساني‭ ‬بحت‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬من‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬مَن‭! ‬ومَن‭ ‬هو‭ ‬القوي‭! ‬ومن‭ ‬هو‭ ‬الضعيف‭! ‬أنت‭ ‬إنسان‭ ‬وأنا‭ ‬إنسان،‭ ‬لا‭ ‬تستضعفني،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬فيك‭ ‬شيطاناً‭. ‬

ذاكرة‭ ‬الألوان

أخيراً‭.. ‬يلمس‭ ‬القارئ‭ ‬دفقاً‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬التصويرية‭ ‬الميالة‭ ‬إلى‭ ‬سجال‭ ‬الألوان،‭ ‬فهل‭ ‬كانت‭ ‬فيونس‭ ‬مشروع‭ ‬فنانة‭ ‬تشكيلية؟‭ ‬وما‭ ‬أجمل‭ ‬الألوان‭ ‬في‭ ‬نظرك؟‭ ‬

‭ ‬قد‭ ‬أكون‭ ‬ورثت‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬والدي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مدرساً‭ ‬وفناناً‭ ‬تشكيلياً‭ ‬ويمتلك‭ ‬تأريخاً‭ ‬غنياً‭ ‬بالإبداع‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬كرسام،‭ ‬وكنحات،‭ ‬غير‭ ‬أنني‭ ‬وظفت‭ ‬ما‭ ‬ورثته‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬ورسم‭ ‬الصور‭ ‬الشعرية‭ ‬بالحروف‭.. ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأجمل‭ ‬الألوان‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬وأكثرها‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بذاكرة‭ ‬الطفولة‭ ‬هي‭ ‬البنفسجي‭ ‬الغامق‭ ‬وكل‭ ‬الألوان‭ ‬الغامقة‭. ‬