المضائق والممرات البحرية بوابات  لنشوب حروب عالمية – قتيبة آل غصيبة

المضائق والممرات البحرية بوابات  لنشوب حروب عالمية – قتيبة آل غصيبة

لا تزال وسائل النقل البحرية في مقدمة وسائط النقل الاخرى البرية منها والجوية؛ فقد  اجمعت المصادر ان اكثر من 80٪ من التجارة العالمية يتم نقلها عبر البحار والمحيطات؛ وبوجود الطرق البحرية؛ اصبح بالامكان نقل البضائع على نطاق واسع وبكفاءة عالية؛ مما يساهم في تلبية احتياجات الأسواق العالمية وتوفير السلع والخدمات للمستهلكين في كل مكان.

تلعب المضائق البحرية وممراتها دوراً حيوياً في النقل البحري العالمي؛ إذ تسيطر هذه المضائق وممراتها على 61% من إنتاج العالم من البترول والمشتقات النفطية الأخرى وبما يقدر (58.9 مليون برميل في اليوم)، وذلك بحسب تقديرات المختصين؛   و كذلك تمر عبرها السفن والناقلات التجارية التي تحمل البضائع والسلع من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك في جميع أنحاء العالم؛ لذا تعتبر هذه المضائق ذات اهمية جيوسياسية قصوى؛ ولها دوراً حاسماً في تأمين وحماية المصالح الاستراتيجية للدول؛ وإن التحكم في هذه الممرات الحيوية يعطي الدول نفوذاً وسيطرة على التجارة العالمية وقدرة بالتأثير على الأسواق وتوجيهها وفقاً لمصالحها؛ وبالتالي يصبح تأمين هذه الممرات والحفاظ على سلامتها أمراً حيوياً لاستقرار النظام العالمي والاستمرار في تحقيق التجارة الحرة.

كما إن  هذه المضائق وممراتها تقدم  مزايا استراتيجية هائلة للتجارة العالمية؛ إذ يؤكد خبراء الجغرافيا الاقتصادية؛ أنه يوجد في العالم نحو 129 مضيقا مائيا، لكنها لا تستخدم جميعا لعدم صلاحيتها للملاحة؛ أو لأن الناقلات البحرية العملاقة لا يمكنها العبور من خلالها؛ ويمكن اعتبار ستاً منها بمثابة مضائق استراتيجية؛ وإن التوتر أو النزاع بشأنها أو حولها يؤدي إلى انعكاسات على النظام العالمي كليا؛ فمن يهيمن عليها أو على معظمها، يمكنه السيطرة وتوجيه حركة التجارة الدولية، كما أنه سيمتلك تفوقا عسكريا ملحوظا على خصومه، وتشمل المضائق البحرية الاستراتيجية ما يلي:

1.مضيق مالگا

 يعتبر مضيق “مالگا” في جنوب شرق آسيا أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، حيث يربط بين بحر الصين الجنوبي الذي يمر بين ماليزيا وإندونيسيا ويربط بحر الصين الجنوبي بالمحيط الهندي؛ إذ يعتبر مرور السفن والناقلات، التجارية عبر هذا المضيق ضروريًا للعديد من الدول والمناطق، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا، وذلك لتوفير الوصول إلى السوق العالمية وتصدير السلع والمنتجات الصناعية، ونظراً لاستهداف الولايات المتحدة الامريكية الاقتصاد الصيني؛ ورغبتها في تحديد طموحات الصين كدولة صاعدة بقوة ومنافسة لها؛ وسعي واشنطن للسيطرة على مضيق مالگا الحيوي لحركة الصين البحرية التجارية؛ فقد اصبح مضيق مالگا والدول المحيطة به من أشد نقاط التوتر والصراع بين الصين وحلفائها  والولايات المتحدة وحلفائها؛ وهو من الساحات المرشحة بقوة لحرب عالمية؛ إذ يسعى كلا الطرفين لتقوية نفوذه للسيطرة على حركة الملاحة في هذا المضيق ومقترباته؛ وقد ادى ذلك الى العديد من الاحتكاك والتحدي بين الطرفين؛  وفي الوقت الذي تعتبر الولايات المتحدة الامريكية الدولة الاولى في القوة البحرية؛ وتمسكها بمكانتها شرطيا للبحار في العالم؛ حيث أبدى جميع قادتها الاهتمام الكبير بقوتها البحرية منذ نشأتها كدولة  في القرن الثامن عشر ؛ إذ قال مؤسس الولايات المتحدة وأول رئيس لها “جورج واشنطن” واصفًا البحرية سنة 1776: (في ظلام الليل الدامس؛ نحتاج القوة والسفن البحرية فبدونها ليس لنا شيء ومعها لنا النصر والكرامة.)؛ وكذلك قول خَلَفَه “توماس جيفرسون” واصفًا أهمية وجود قوات بحرية: (إذا أردنا الاستمرار في تجارتنا، علينا أن نؤسس قوة بحرية قوية.) ، فقد ظهرت الصين خلال العقد المنصرم  كقوة شديدة المنافسة للولايات المتحدة؛ ورغم كل المساعي الامريكية لبناء شراكات وتحالفات عسكرية واقتصادية مع دول المحيط الهادئ كاستراليا واليابان ودول جنوب شرق اسيا والهند لتطويق الصين والحد من تنامي قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية؛ إلا ان الصين تعمل على زيادة كفاءة  قواتها المسلحة وخاصة “قوتها البحرية والجوية” ؛ فهما اساس  السيطرة على البحار والتفوق في الحروب البحرية؛ وإنها تعتبر مضيق مالگا ممرا حيويا لتجارتها البحرية مع العالم ولا تسمح لأي دولة بالسيطرة عليه، حيث تؤكد التقارير الامريكية؛ ان الصين تقوم بتطوير أسطول سفنها الحربية  بشكل متسارع؛  ما يشكل أزمة متنامية للأميركيين الذين يبحثون   بكافة الطرق لمواكبة ذلك.؛ وتؤكد التقارير؛ ان البحرية الصينية ليست هي الأكبر في العالم فحسب؛  بل إن تفوقها العددي على الولايات المتحدة يتسع، حيث حذر رئيس البحرية الأميركية مؤخراً من أنهم لا يستطيعون مواكبة ذلك؛ ويقدر بعض الخبراء أن الصين يمكنها بناء ثلاث سفن حربية في الوقت الذي تستغرقه الولايات المتحدة لبناء واحدة ؛ وذلك بحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن إن”، كذلك يقدر البنتاغون أن البحرية الصينية لديها حوالي 340 سفينة حربية في الوقت الحالي؛ بينما تمتلك الولايات المتحدة أقل من 300 سفينة ، ويعتقد الخبراء الامريكان أن الأسطول الصيني سينمو إلى 400 في العامين المقبلين؛ بينما سيستغرق الأسطول الأميركي حتى عام 2045 ليصل إلى 350؛ وإن  المخاوف الأميركية لا تكمن فقط في الاتساع المتزايد للبحرية الصينية؛ بل في بعض السفن التي تنتجها الصين والتي لديها قوة نيران أكبر من بعض نظيراتها الأميركية ، وبالتأكيد فإن كل ذلك يؤكد إحتدام الصراع بين واشنطن وبكين و حلفائهما بما ينذر وقوع حرب عالمية في منطقتي المحيط الهادئ والمحيط الهندي.

  1. مضيق هرمز

 يلعب مضيق هرمز في الخليج العربي؛  دورًا حيويًا في نقل النفط والغاز الطبيعي من منطقة الخليج العربي إلى الأسواق العالمية. اذ يمر اكثر من 30-40٪ من النفط العالمي عبره للوصول إلى المحيط الهندي وبقية العالم؛  ولذا فإن أمن وسلامة هذا الممر الحيوي يشكل أولوية قصوى للدول المعنية وللمجتمع الدولي بأسره؛ إذ لاتزال ايران تسعى لاحكام سيطرتها على مضيق هرمز؛  وتمارس ضغوطا استفزازية على بعض السفن التجارية والقطع البحرية التابعة للقوات الأمريكية وحلفائها؛ في رسالة واضحة منها تدعي قدرتها على غلق هذا المضيق الحيوي بوجه التجارة العالمية متى تشاء؛ وهو ما قد يفجر حرب عالمية في منطقة الخليج العربي الذي يمر عبره 85٪ من النفط المصدر من دول الخليج والعراق الى العالم؛ لذلك يعتبر تواجد الاسطول الخامس الامريكي في البحرين؛ ومقر القيادة المركزية الامريكية في قطر، والعديد من قواعدها في دول الخليج العربي؛ كقوة ردع جاهزة في التصدي والحيلولة دون تحقيق ايران لهدفها في السيطرة على هذا المضيق الحيوي.

3.مضيق البوسفور

يقع مضيق البوسفور في تركيا؛ ويمثل جزءا من الحدود الفاصلة بين قارتي اسيا وأوربا؛ وله دورا رئيسا في التجارة العالمية؛  إذ يربط البحر الأسود مع بحر مرمرة وعبر مضيق الدردنيل مع البحر المتوسط، فقد كان قبل الحرب الروسية – الاوكرانية؛ وفرض العقوبات الاقتصادية الدولية على روسيا؛ يمر خلال هذا المضيق  أكثر من 3٪ من إمدادات النفط والغاز العالمية معظمها من روسيا؛ بالاضافة الى شحن كميات هائلة من الحبوب والمحاصيل الزراعية التي تنتجها روسيا وأوكرانيا وكازاخستان الى الاسواق العالمية؛ ويؤكد  وزير الزراعة الروسي؛ إن محصول الحبوب سيبلغ 123 مليون طن على الأقل في 2023؛ بينما ستتراوح صادرات الحبوب الإجمالية بين 50- 55 مليون طن في موسم 2023-2024؛ ما يجعل هذا المضيق واحدا من أكثر البوابات البحرية ازدحاما في العالم؛ وإن الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا إذا ما امتدت لتصل الى مضيق البوسفور وغلقه ؛ فإن ذلك يؤدي الى نشوب حرب غذاء عالمية يدفع ثمنها العديد من الدول العربية التي تعتمد على الحبوب المنتجة في روسيا؛ التي تستورد 80٪ من الحبوب التي تصدرها روسيا.

4.قناةالسويس

 تعتبر قناة السويس؛ التي يمر من خلالها بحدود 12٪  من إجمالي التجارة العالمية؛  من اهم المضائق والممرات البحرية؛ لأنها تربط شمال العالم بجنوبه وشرقه بغربه؛ وتعتبر أسرع ممر بحري بين القارتين وتوفر نحو 15 يوماً في المتوسط من وقت الرحلة عبر طريق رأس الرجاء الصالح الكائن في اقصى جنوب القارة الافريقية؛ فقد كانت هذه القناة تابعة لمصر  منذ إنشائها عام 1869؛ الا انها تعرضت لكثير من المشاكل والحروب  لمدة 22 سنة ومنذ العدوان الثلاثي على مصر  سنة 1956؛  وحتى اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر والكيان الصهيوني سنة 1978؛ حيث ان مصر اغلقتها خلال حرب 1967؛ وكنتيجة لذلك فقد اصبحت هذه القناة ممرا ملاحيا دوليا؛  لا يحق لمصر اغلاقه بوجه الملاحة البحرية؛ ولا يتوقع حاليا نشوب اي ازمة او تهديد أمني لهذه القناة قد تؤدي الى إشعال حروب جديدة.

  1. مضيق باب المندب

يعتبر مضيق باب المندب الذي يمر عبره 7% من الملاحة العالمية؛ من المضائق الاستراتيجية الرئيسية؛ وهو يفصل بين اليمن وجيبوتي ؛ وتزداد  أهميته بسبب ارتباطه بقناة السويس وممر مضيق هرمز؛ ومما زاد من أهميتةأيضا؛ أن عرض قناة عبور السفن هو 16 كم؛ مما يسمح لشتى السفن وناقلات النفط بعبور الممر بسهولة على محورين متعاكسين متباعدين، وجدير بالذكر فقد اصبح هذا المضيق يشكل تهديدا محتملا لنشوب حرب عالمية محتملة؛ وذلك بعد إنشاء الصين لقاعدة بحرية لها في عام 2017 على سواحل جيبوتي؛ تنافس كلا القاعدتين الامريكية والفرنسية المتواجدتين في جيبوتي؛ إذ تهدف هذه القواعد في جيبوتي إلى تعزيز حماية المصالح  الاقتصادية والأمنية في المنطقة؛ لكل من الولايات المتحدة وفرنسا من جهة! والصين من جهة اخرى؛ وسيكون الامر ممكنا ننشوب حرب في منطقة باب المندب بالتزامن مع الحرب المتوقعة التي قد تحدث بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيط الهادئ ؛ هذا بالاضافة الى التهديد القادم من اليمن بسبب تردي الوضع الامني والسياسي فيه والحرب الدائرة فيه بين اطرافه المختلفة.

  1. مضيق جبل طارق

يمثل مضيق جبل طارق ممراً بحرياً حيوياً؛ و يشكل  موقع مهم من الناحية الاستراتيجية، فهو يفصل أوروبا عن إفريقيا ويصل بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي؛ فهو بوابة العالم بين آسيا و إفريقيا وأجزاء كبيرة من أوروبا؛ وبين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وإن عدد السفن التي تمر عبره تبلغ 120 ألف سفينة سنويا،  وعلى الرغم من استقرار الأوضاع في منطقة جبل طارق، التي تعد جزءاً من التاج البريطاني، فإن الجانب الإسباني لا يزال يصر على ضرورة استعادة منطقة جبل طارق، ويتعامل معها باعتبارها خاضعة للاحتلال البريطاني؛ وهناك عديد من المخاوف؛ وخاصة بعد   خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020 ؛ إذ يؤدي ذلك إلى زيادة الاحتكاك والتوتر بين الجانب الإسباني والبريطاني بشأن مئال السيادة على منطقة جبل طارق؛ فعضوية بريطانيا في الاتحاد كانت تدفع إسبانيا إلى الأخذ في الاعتبار ضرورة حل الخلاف بين الطرفين عبر الآليات الرسمية للاتحاد الأوروبي؛ أما الآن فقد أختلف الوضع، بما يتضمنه ذلك من إمكانية التصعيد الدبلوماسي بشأن تلك القضية؛ وإذا حركت إسبانيا أسطولها البحري، فإن الملاحة الدولية في المضيق قد تكون عرضة للخطر؛ وتتأثر بموجبها حركة التبادل التجاري بين شرق العالم وغربه؛ بما ينذر بوقوع حربا عالمية.

في النهاية، تظل حرب المضائق والممرات البحرية محوراً رئيسياً في الصراع القائم بين الدول التي تسعى للسيطرة على هذه المضائق،  ومع زيادة التوترات والتنافس في هذه المناطق الحيوية؛ يكمن التحدي في تحقيق التوازن بين المصالح الاستراتيجية والتعاون الدولي. وعليه يجب أن يكون للحوار والتفاهم المشترك الدور الأساسي في تسوية النزاعات و

تحقيق الاستقرار في الممرات البحرية الحيوية؛ ويجب أن تعتمد هذه الدول على قواعد القانون الدولي والتزاماتها الدولية لضمان حقوق حرية الملاحة وحرية المرور في الممرات البحرية. يمكن تحقيق ذلك من خلال التعاون في تطوير إجراءات مشتركة للتحكم المروري والأمن البحري؛ وتبادل المعلومات والبيانات البحرية؛ وتعزيز التعاون البحثي والتكنولوجي في مجال الأمن البحري.