ضرورة إصلاح الإعلام العراقي – احمد باسم القزاز

احمد باسم القزاز

إصلاح الإعلام هو قضية حاسمة تتطلب منا التفكير بعناية. ففي الواقع، يسيطر على معظم وسائل الإعلام الأحزاب.
ومن الصعب أن نجد قناة تتحدث بصوت حقيقي بلا أجندة خاصة بها. إن معظم قنوات الإعلام تعتمد بشكل رئيسي على الإعلانات والاشتراكات لتمويل برامجها، ولكن أين هي تلك الإعلانات؟ كيف يمكن لهذه القنوات أن تستمر بدون الحصول على الدعم المالي اللازم؟

الطغاة عبر التاريخ كانوا يبحثون عن الأقلام الرخيصة التي تسخرها لخدمة أجنداتهم، وكانوا يحاولون تركيع البعض وتعزيز الآخرين، وكانت أعمالهم الشعرية المرتجلة لا تحمل سوى الخزي والعار. لذلك، يبقى الانحياز هو المفتاح للسيطرة على الساحة، حيث يسيطرون العديد من الأشخاص الطفوليين والغير مبصرين والقصيري النظر على المشهد.

في إعلامنا، إما أن تكون معارضاً دائماً أو مؤيداً دائم، وهنا تنقلب الموازين ويصبح الإعلام غير متوازن فلا يصف الحالة الا وفق اجندته فلا يشيد بإنجاز حقيقي لآخر ولا ينتقد ممولي منصاته حتى لو ارتكب خطأً فادحاً.

جميع الإعلاميين يعلمون أن التلاعب بالكلمات او تغيير العنوان يمكن أن يثير سخطاً كبيراً أو إشادة عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، حتى لو كانت التصريحات هي ذاتها.

لضمان استقلالية الإعلام وحياديته في طرح الأفكار وشفافيته، ينبغي أن تتولى الحكومة تطوير حلول ووضع معايير وقوانين تنظم عمل الإعلام. وعلى الحكومة أن تعيد هيكلة الإعلام ليتلاءم مع الواقع الحديث. على سبيل المثال في الولايات المتحدة، هناك هيئتان تراقبان الإعلام عن كثب وتنظمان وضعه القانوني، ألا وهما “Federal Election Commission (FEC)” و “The Federal Communications Commission (FCC)”.

على الحكومة أن تضع جهودها في إيجاد بدائل اقتصادية لهذه القنوات والمنصات التابعة للأحزاب، وأن تضع قوانين تكشف مصدر وكمية الأموال التي تدخل هذه القنوات والصحف (مثل التحويلات المالية، التعاقدات الإعلانية، والدعايات الحزبية).

يجب أن تُسائل جميع القنوات والصحف عن مصدر أموالها وكيفية توزيعها، وأن تكفل حقوق الصحفيين بحرية العمل داخل هذه المؤسسات.

ينبغي أن يتم التركيز على تحفيز الإعلام الهادف ودعمه بل صناعة محتوى هادف وبثه عبر هذه المنصات، بدلاً من سجن وملاحقة صانعي المحتوى الهابط. فمن غير المقبول أن يجد الصحفي النزيه نفسه بلا مأوى وبلا وسيلة للعيش فقط لأن قلمه لا يباع ولا يشترى.

الحرية ليست أن تكتب ما تريد من معلومات مضللة، ولذا يجب على الحكومة أن تلعب دورها في المراقبة والسيطرة على منظومة الإعلام، وتحويلها إلى شركات مستدامة. ويمكن أن يتم تقديم بعض الدعم الحكومي في البداية، ومن ثم وضع القواعد الأخلاقية والمبادئ التوجيهية لضمان وجود إعلام حر ومستقل.

كيف يمكن لسلطة رابعة أن تراقب وتحقق فقط من خصومها وتدافع عن مالكيها بالسراء والضراء؟ يجب أن تنتهي هذا الفوضى في الإعلام من خلال مشروع حقيقي يعتمد على مهنيين يدركون أهمية الإعلام وتأثيره على ثقافة الشعب وتطوره وتوجهه وبناء لحمة وطنية. فليس من المنطقي أن يمول الإعلام القتلة وسفاكي الدماء والمتلاعبين بالحق العام لرفع قيمتهم وتجسيمهم كالملائكة.

يجب أن تتوقف مهزلة الإعلام هذه من خلال توفير بدائل اقتصادية بواسطة حكومة تتبنى مشروعاً ضخماً بخطوات واضحة بل ان تتوجه حتى لصناعة محتوى وتمويله وبثه عبر هذه المنصات لدعمها مادياً لضمان موضوعية الإعلام وشفافيته. يجب أن يتم تطوير الصحافة الحرة بحيث تنتقد من أجل التصحيح وليس التشويه، وأن يتحقق الإعلام الحر دون تأثره بتلك الأحزاب والمال ذو المصدر المجهول الذي يموله.