
النظرة السلبية للمجتمعات – علي لفتة سعيد
نعاني كثيرا كأفرادٍ أو مجموعةٍ بشريةٍ من نظرةٍ عامّة، تكاد تكون قاسيةً وحتى شديدة القسوة، حين يكون التعميم هو القول الأخير والوحيد لهذه النظرة التي تنطلق من رؤيةٍ ضيّقة، دون وجود أفقٍ أو حتى لحظة تفكيرٍ، وخاصة لمن ليس لهم رقبة طويلة للتفكير كما القول المنسوب للإمام علي بن ابي طالب (يا ليت رقبتي كرقبة البعير حتى أزن الكلام قبل أن يخرجه اللسان) والمعنى حتى لا يخرج الكلام من الطريق القصير مباشرةً دون تفكيرٍ، وهو ما يعني أن الفرد في المجتمع بحاجةٍ الى تفكيرٍ ربما طويلًا قبل النطق، والى تمحيصٍ قبل التوجيه، والى دقّةٍ قبل التعميم، لأن في ذلك الكثير من المشاكل التي تتحوّل الى معضلةٍ مجتمعيةٍ قد تؤثّر، بل هي شديدة التأثير والأثر على المجتمع كك،ل ويكون ما يشبه الرأي القار حين يتحوّل الى هدفٍ ورأيٍ وحتى مثلٍ يساق على أنه حقيقة، بل أن النظرة تحوّل حتى النكتة التي تساق من أجل صنع ابتسامة الى رؤيةٍ قاصرةٍ على فرد لتتوسّع وتشمل جزءًا من مجتمعٍ في مدينة ما أو قبيلة وعشيرة ومحلّة سكنية أو حتى محافظة إن لم تتوسّع الى دولةٍ كما يمكن ملاحظة ذلك في القول الأكثر شهرة (العراقي ما بي خير) (العراقي نايم ما يحرك ساكن ومستسلم) .
رؤى ضيقة
وإذا ما انتقلنا الى الرؤية الضيّقة لهذه المدينة أو تلك بسبب معايشة فرد من الأفراد فإنها تنسحب الى الجميع وعليهم، وتتحوّل الى مقولةٍ يستخدمها الكاره وخاصة المقولات السلبية التي قد يكون لها جانبٌ سياسي أكثر منه جانبًا اجتماعيَا، ويكون لها رؤية قاصرة بسبب موقفٍ معين لمجموعةٍ من البشر فيتم التعميم بشكلٍ فوري دون التوقّف من أن كل واحدٍ مسؤولٌ عن نفسه، ولا يجوز التعميم على المجموعة الكليّة باعتبارهم متشابهين ومتطابقين في الأفكار والسلوك، متناسين أن الأخوة في البيت الواحد هم غير متطابقي الأفكار والسلوك.. إن هذا الأمر ينعكس ايضا على الفرد في المجتمع الواحد أو المجموعة البشرية الواحدة، وحتى التجمّعات النقابية، حيث يمكن ملاحظة الرؤية القاصرة حالما يكون هناك اختلاف أو رأي غير متطابقٍ مع المجموعة الأخرى أو أنه يحمل جرأته، فإن النظرة تكاد تنعكس على القائل وتنعكس حتى على المجموعة السكانية التي ينتمي إليها على وفق المثل الذي قدمناه. وهو الأمر المخالف في حالة المعاكسة حين يكون الكلام العام في الإيجابيات في حالة الفرح مثلًا أو التطابق مع الرؤية الخاصة ليقال (العراقي أبو الغيرة – أبو الكرم – أبو النخوة) .
اختلافات الرؤى
ولو أردنا أن نعطي أمثلةً في السلبيات والإيجابيات لهذه المدينة أو تلك، فإن الأمر واضحٌ للقراء كيف يتم تقسم المحافظات وحتى المدن على أساس النظرة التي تصل الى دونيّتها الكبرى، التي تبقى ملاصقةً كعنوانٍ شاملٍ ينطبق ويطبّق على هذه المدينة وتلك.إن هذه النظرة أو القول أو المثل يتم استخدامه في الكثير من الأحيان حين تكون هناك اختلافات في الرؤى والأفكار والمصالح، وحتى الآراء البسيطة وهي تنعكس أيضا كواقعٍ سياسي وديني على فئةٍ دينية أو طائفية ومذهبية، معتمدين على ما تمّ سياقه من تلك الأقوال في فتراتٍ زمنيةٍ قديمةٍ لأسبابٍ سياسيةٍ أو دينيةٍ، وخاصّة المدن أو المحافظات أو المذهب الذي عارض نظام الحكم، كما حصل أيام الاحتلال الإنكليزي للعراق وما حصلت من مواجهات مسلّحة في واحدة مدن الجنوب، حيث كانت المقاومة شرسة لوجودهم وهه المقاومة جعلتهم يطلقون المقولة التي أريد لها أن تكون في حالة الفخر، لتتحوّل الى حالةٍ سلبيةٍ مجتمعيةٍ يتم تحريكها في الوقت الذي يكون فيها خلاف في الرأي أو الموقف، خاصة إذا كان مخالفًا للموقف السائد أو الذي يراد منه أن يكون سائدًا وعلى الجميع قبوله.إن هذه النظرة التي تنطلق في الكثير من الأحيان ليس فقط من الأفراد الذين لا يحرّكون عقولهم ويبقون ضمن حلقة العقل الجمعي فحسب، بل حتى من المثقّفين الذين يجب بكل قوة أن يكونوا بعقلٍ متحرّرٍ من الأهواء والأقوال السلبية غير الدقيقة وتتخلّص من التعميم الشامل، وإلّا كيف نفسّر مثلا أن يتمّ القول، إن مثقّفي هذه المدينة متملّقون للدولة، أو أنهم يكرهون المدينة الأخرى أو يطلقون صفة ذميمة على مدينة ما وكأنها الحقيقة التي تم اكتشافها ضمن اثار التناقض المجتمعي. بمعنى أن الأقوال التي تم تداولها في زمن ما يتم تداولها في حالةٍ ليس الدفاع عن النفس، بل للانتقاص أيضا من فردٍ ما، لتشكّل المدينة أو التجمع البشري الرؤية الشاكلة للقول.























