فلسطينيون بعد 75 عاما على النكبة: مفاتيحنا بأيدينا وسنعود

غزة‭ (‬الاراضي‭ ‬الفلسطينية‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)   ‬الهاجس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بحق‭ ‬العودة‭ ‬لم‭ ‬ينته‭ ‬برغم‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬توقيعها‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬السلطة‭ ‬او‭ ‬الصعيد‭ ‬العربي‭ ‬،‭ ‬اذ‭ ‬انه‭ ‬

‭ ‬بعد‭ ‬75‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬‮«‬النكبة‮»‬‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬صور‭ ‬المنازل‭ ‬التي‭ ‬هجروها‭ ‬ماثلة‭ ‬أمام‭ ‬عيون‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬مثل‭ ‬أمينة‭ ‬الدبعي‭ ‬التي‭ ‬تصف‭ ‬مدينة‭ ‬اللد‭ ‬حيث‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1934‭ ‬بـ»عروس‭ ‬جميلة‮»‬‭.‬‮ ‬

الدبعي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬5،9‭ ‬مليون‭ ‬لاجئ‭ ‬فلسطيني‭ ‬يتوزعون‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬والأردن‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا،‭ ‬وفقًا‭ ‬لأرقام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وبين‭ ‬قلة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬760‭ ‬ألف‭ ‬فلسطيني‭ ‬فروا‭ ‬من‭ ‬منازلهم‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬1948‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬إثر‭ ‬إعلان‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭.‬

وبحسب‭ ‬منظمة‭ ‬زوخروت‭ (‬ذاكرات‭) ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬التاريخية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالنكبة،‭ ‬هناك‭ ‬600‭ ‬بلدة‭ ‬وقرية‭ ‬فلسطينية‭ ‬دُمّرت‭ ‬أو‭ ‬هُجرت‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭.‬‮ ‬

ويحيي‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬ذكرى‭ ‬النكبة‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬بينما‭ ‬يحتفل‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬قبلها‭ ‬بيوم‭ ‬بذكرى‭ ‬تأسيس‭ ‬دولتهم‭.‬

بعد‭ ‬مرور‭ ‬خمسة‭ ‬وسبعين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬النكبة،‭ ‬التقت‭ ‬وكالة‭ ‬الصحافة‭ ‬الفرنسية‭ ‬لاجئين‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬85‭ ‬و98‭ ‬عاما،‭ ‬عاشوا‭ ‬أحداث‭ ‬النكبة‭.‬‮ ‬‭ ‬وتستذكر‭ ‬الدبعي‭ ‬كيف‭ ‬‮«‬كنّا‭ ‬نعيش‭ ‬مرتاحين‮»‬‭ ‬في‭ ‬اللدّ‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬مدينة‭ ‬كبيرة‭ ‬مختلطة‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬إسرائيل‭. ‬وتصف‭ ‬نافورة‭ ‬مياه‭ ‬كبيرة‭ ‬تتوسط‭ ‬سوق‭ ‬المدينة‭ ‬وتحيط‭ ‬بها‭ ‬المتاجر‭.‬‮ ‬‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬اللد‭ ‬في‭ ‬12‭ ‬و13‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬1948‭ ‬عندما‭ ‬اجتاح‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المدينة،‭ ‬محور‭ ‬جدل‭ ‬كثيف‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬إذ‭ ‬يتحدث‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬عن‭ ‬طرد‭ ‬قسري‭ ‬مخطط‭ ‬له،‭ ‬ومجازر‭ ‬استهدفت‭ ‬مئات‭ ‬المدنيين‭ ‬والمقاتلين،‭ ‬بينما‭ ‬يقول‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬إن‭ ‬النزوح‭ ‬كان‭ ‬طوعيا‭.‬

لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سكانها‭ ‬الثلاثين‭ ‬ألفا‭ ‬تقريبا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭.‬

وتعود‭ ‬الدبعي‭ ‬بذاكرتها‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬هاجم‭ ‬فيه‭ ‬اليهود‭ ‬البلد‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬المراهقة‭. ‬وتقول‭ ‬‮«‬عندما‭ ‬وصل‭ ‬جنود‭ ‬إلى‭ ‬اللد‭ ‬كانوا‭ ‬يعتمرون‭ ‬كوفيات،‭ ‬فاعتقد‭ ‬السكان‭ ‬أنهم‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الأردني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتشفوا‭ ‬أنهم‭ ‬يهود‭ ‬متنكرون‮»‬‭.‬

وتتابع‭ ‬السيدة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬اليوم‭ ‬ضعفا‭ ‬في‭ ‬السمع‭ ‬‮«‬احتمى‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الجامع‭ ‬ثم‭ ‬بدأ‭ ‬الجنود‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬عليهم‮»‬‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬حطّم‭ ‬الجنود‭ ‬أثاث‭ ‬المنازل‭ ‬وطلبوا‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬الرحيل،‭ ‬وفق‭ ‬الدبعي‭. ‬‮«‬هددونا‭ ‬بالقتل،‭ ‬رحل‭ ‬الناس‭ ‬ونحن‭ ‬معهم‮»‬‭.‬وتروي‭ ‬أن‭ ‬والدتها‭ ‬‮«‬جمعت‭ ‬ما‭ ‬استطاعت‭ ‬من‭ ‬ملابس‮»‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هناك‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أخذ‭ ‬ملابس‭ ‬معه،‭ ‬فإطلاق‭ ‬النار‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‮»‬‭.‬‮ ‬

وسارت‭ ‬الدبعي‭ ‬وعائلتها‭ ‬لأيام‭ ‬عدة‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬بلدة‭ ‬بيرزيت‭ ‬المسيحية‭ ‬شمال‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقلوا‭ ‬إلى‭ ‬رفح‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬حيث‭ ‬تسكن‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭.‬‮ ‬

يشكّل‭ ‬اللاجئون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثي‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬2،3‭ ‬مليون‭. ‬ويرفض‭ ‬هؤلاء‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬‮«‬حق‭ ‬العودة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬الثوابت‭ ‬الفلسطينية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1948‭.‬‮ ‬

وترفض‭ ‬إسرائيل‭ ‬عودة‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬وشكّل‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬نقطة‭ ‬خلاف‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬التفاوض‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والفلسطيني‭.‬

في‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬2018‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬شهور‭ ‬طويلة،‮ ‬شهدت‭ ‬المنطقة‭ ‬الحدودية‭ ‬بين‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تظاهرات‭ ‬أسبوعية‭ ‬كثيفة‭ ‬عُرفت ب»مسيرة‭ ‬العودة‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬آلاف‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬مطالبين‭ ‬بحق‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بلداتهم‭ ‬التي‭ ‬هجروا‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1948‭.‬

وترفض‭ ‬الدبعي‭ ‬أي‭ ‬تعويض‭ ‬مالي‭ ‬بديلا‭ ‬للعودة،‭ ‬وهي‭ ‬متيقنة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العودة‭ ‬ستحصل‭ ‬‮«‬يوما‮»‬‭.‬

بعد‭ ‬إنشاء‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1994،‭ ‬تمكّنت‭ ‬الدبعي‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬اللد‭. ‬وتروي‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬دار‭ ‬جدي‭ ‬مدمرة،‭ ‬وبيوت‭ ‬جيراننا‭ ‬يسكنها‭ ‬يهود‮»‬‭.‬

وتقول‭ ‬بحسرة‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬أحد‭ ‬يصوّر‭ ‬المجازر‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬اليوم‮»‬‭.‬

بعد‭ ‬حرب‭ ‬1948‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬جيوش‭ ‬خمس‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬خضعت‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لسيطرة‭ ‬الأردن،‭ ‬بينما‭ ‬أصبح‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬مصري‭.‬‮ ‬

‭- ‬‮«‬بلا‭ ‬رحمة‮»‬‭ -‬

وتقول‭ ‬إسرائيل‭ ‬إن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬غادروا‭ ‬قراهم‭ ‬طوعا‭ ‬خلال‭ ‬المعارك،‭ ‬كما‭ ‬ترفض‭ ‬الاتهامات‭ ‬حول‭ ‬قيامها‭ ‬بمجازر‭. ‬وتتحدّث‭ ‬عن‭ ‬قيام‭ ‬دولتها‭ ‬على‭ ‬‮«‬أرض‭ ‬بلا‭ ‬شعب‭ ‬لشعب‭ ‬بلا‭ ‬أرض‮»‬‭.‬

ولدت‭ ‬أم‭ ‬جبر‭ ‬وشاح في‭ ‬العام‭ ‬1932‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬بيت‭ ‬عفا‭ ‬قرب‭ ‬المجدل‭. ‬وكانت‭ ‬متزوجة‭ ‬ولديها‭ ‬طفل‭ ‬لدى‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭.‬

وتقول‭ ‬إن‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬احتلوا‭ ‬‮«‬قرية‭ ‬تلو‭ ‬قرية‭ ‬حتى‭ ‬وصلوا‭ ‬الى‭ ‬قريتنا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تعرضت‭ ‬لهجوم‭ ‬مسلح‭ ‬عنيف‮»‬‭.‬

وتتابع‭ ‬وهي‭ ‬تذرف‭ ‬الدموع،‭ ‬‮«‬كنت‭ ‬وقتها‭ ‬أعدّ‭ ‬الخبز‭ ‬في‭ ‬فرن‭ ‬الطابون،‭ ‬كان‭ ‬الرصاص‭ ‬مثل‭ ‬المطر‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‮»‬‭. ‬‮ ‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬‮«‬أجبرونا‭ ‬على‭ ‬الرحيل‭ ‬الى‭ ‬قرية‭ ‬كرتيا‭ (‬المجاورة‭)‬،‭ ‬وأسر‭ ‬الجنود‭ ‬كل‭ ‬الشباب‭ ‬والرجال،‭ ‬وبقيت‭ ‬النساء‭ ‬مع‭ ‬الأطفال‭ ‬يبكون‭ ‬عليهم‮»‬‭.‬

وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬شاهدت‭ ‬جثة‭ ‬يهودي‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الذرة‮»‬‭.‬‮ ‬

وتستذكر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬جنديا‭ ‬يهوديا‭ ‬سألني‭ ‬عن‭ ‬ابني‭ ‬قائلا‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬ولد‭ ‬أم‭ ‬بنت؟‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬بنت‭. (…) ‬خفت‭ ‬أن‭ ‬يقتلوا‭ ‬ابني‭ ‬إبراهيم‮»‬‭.‬

وأم‭ ‬جبر‭ ‬وشاح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬نحو‭ ‬مئتي‭ ‬ألف‭ ‬لاجئ‭ ‬استُقبلوا‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬ومساجد‭ ‬وبيوت‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬‮ ‬

وتقول‭ ‬اليوم‭ ‬بحسرة‭ ‬‮«‬قالوا‭ ‬لنا‭ ‬أسبوعا‭ ‬وسنرجع،‭ ‬خانونا‭ ‬وكذبوا‭ ‬علينا‮»‬‭.‬

وتؤكد‭ ‬وشاح‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬اليهود‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬كانت‭ ‬جيدة‭. ‬وتقول‭ ‬‮«‬كنا‭ ‬لا‭ ‬نؤذيهم‭ ‬ولا‭ ‬يؤذوننا‮»‬‭.‬‮ ‬

حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬تحتفظ‭ ‬أم‭ ‬جبر‭ ‬وشاح‭ ‬في‭ ‬منزلها‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬مخيم‭ ‬البريج‭ ‬وسط‭ ‬القطاع،‭ ‬بمفتاح‭ ‬منزلها‭ ‬أملا‭ ‬بالعودة‭.‬

وتقول‭ ‬‮«‬الظلم‭ ‬لا‭ ‬يدوم‮»‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬‮«‬بكل‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بديلا،‭ ‬سأرجع‭ ‬كما‭ ‬جئت‭ ‬حافية‭ ‬القدمين‮»‬‭.‬‮ ‬

‮ ‬‭- ‬مفاتيح‭ ‬صدئة‭ -‬‮ ‬

وتقول‭ ‬ابتهاج‭ ‬دولة‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬يافا‭ ‬العام‭ ‬1935‭ ‬من‭ ‬جهتها‭ ‬‮«‬سأذهب‭ ‬زحفا‭ ‬على‭ ‬الأيدي‭ ‬والأقدام‭ ‬لو‭ ‬قالوا‭ ‬ارجعوا‮»‬‭.‬‮ ‬

وتضيف‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬يافا‭ ‬‮«‬شبرا‭ ‬شبرا‮»‬،‭ ‬‮«‬خيمة‭ ‬في‭ ‬يافا‭ ‬ولا‭ ‬قصر‭ ‬هنا‮»‬‭.‬‮ ‬

وكانت‭ ‬عائلة‭ ‬دولة‭ ‬أول‭ ‬عائلة‭ ‬تسكن‭ ‬مخيم‭ ‬الشاطئ‭ ‬الذي‭ ‬بنته‭ ‬وكالة‭ ‬غوث‭ ‬وتشغيل‭ ‬اللاجئين‭ (‬أونروا‭) ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سبع‭ ‬مخيمات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬عام‭ ‬1951،‭ ‬وبقيت‭ ‬فيه‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

وتجلس‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬في‭ ‬بهو‭ ‬منزلها‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أزقة‭ ‬المخيم‭ ‬الضيقة‭ ‬وتهز‭ ‬أربعة‭ ‬مفاتيح‭ ‬صدئة‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬تحتفظ‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬بعد‭ ‬التهجير‭.‬

ولا‭ ‬يزال‭ ‬منزلها‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬العجمي‭ ‬وسط‭ ‬يافا‭ ‬يحتفظ‭ ‬بلونه‭ ‬الزهري،‭ ‬وتسكنه‭ ‬سيدة‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬دولة‭ ‬التي‭ ‬زارته‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬وشربت‭ ‬الشاي‭ ‬فيه‭.‬‮ ‬

وسألتها‭ ‬السيدة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬تبكين؟‭. ‬فأجبتها‭ ‬هذه‭ ‬داري‮»‬‭.‬

وتقول‭ ‬إن‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬يافا‭ ‬كانوا‭ ‬يتحدثون‭ ‬العربية‭. ‬وتتابع‭ ‬بابتسامة‭ ‬‮«‬زوجة‭ ‬شقيق‭ ‬زوجي‭ ‬يهودية‭ ‬ولديها‭ ‬ثلاث‭ ‬بنات‭ ‬وولد،‭ ‬تركناهم‭ ‬في‭ ‬يافا‭ ‬وهجرنا‭. ‬كنا‭ ‬نزورهم،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬زيارات‭ (‬اليوم‭)‬،‭ ‬الآن‭ ‬خوف‮»‬‭.‬

وتسيطر‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2007‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الذي‭ ‬تحاصره‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أمرا‭ ‬شبه‭ ‬مشتحيل‭.‬

يوم‭ ‬تهجير‭ ‬عائلتها،‭ ‬كانت‭ ‬ابتهاج‭ ‬عائدة‭ ‬من‭ ‬مدرستها‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬فصدمت‭ ‬بهروب‭ ‬سكان‭ ‬الحي‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الرصاص‭ ‬والمدافع،‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسها‭ ‬فجأة‭ ‬مع‭ ‬عائلتها‭ ‬في‭ ‬قارب‭ ‬صغير‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬غزة‭.‬

وتتذكر‭ ‬السيدة‭ ‬‮«‬رأيت‭ ‬يهوديا‭ ‬مقيدا‭ ‬في‭ ‬شاحنة،‭ ‬وكان‭ ‬الناس‭ ‬يرشقونه‭ ‬بالحجارة،‭ ‬كان‭ ‬ميتًا‮»‬‭.‬

‭- ‬ليالي‭ ‬يافا‭ -‬‮ ‬

يفخر‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬زروق‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬حي‭ ‬المنشية‭ ‬في‭ ‬يافا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1932،‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬وكذلك‭ ‬والده‭ ‬في‭ ‬ورشة‭ ‬لخراطة‭ ‬الحديد‭ ‬يملكها‭ ‬يهودي‭ ‬يدعى‭ ‬فاغنر‭.‬‮ ‬

كانت‭ ‬عائلة‭ ‬زروق‭ ‬ميسورة‭ ‬الحال،‭ ‬فوالده‭ ‬الذي‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬ورشة‭ ‬خراطة‭ ‬لاحقا،‭ ‬تملّك‭ ‬أيضا‭ ‬بيارة‭ (‬حقل‭ ‬حمضيات‭) ‬‮«‬مساحتها‭ ‬30‭ ‬دونما‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬يبنا‮»‬‭ ‬القريبة‭.‬‮ ‬

ويقول‭ ‬‮«‬ادخر‭ ‬أبي‭ ‬أموالا‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬البنك‭ ‬العثماني‭ ‬وأنشأ‭ ‬بنايات‭ ‬سكنية‭ ‬للإيجار،‭ ‬استأجر‭ ‬بعضها‭ ‬يهود‮»‬‭.‬‮ ‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬‮«‬الجميلة‮»‬‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كانت‭ ‬تضم‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬والمسارح،‭ ‬وكان‭ ‬يلعب‭ ‬فيها‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬مع‭ ‬يهود‭.‬

ويستذكر‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬مرقص‭ ‬قرب‭ ‬برج‭ ‬الساعة،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬حفلة‮»‬‭.‬‮ ‬

ويصرّ‭ ‬زروق‭ ‬الذي‭ ‬يقطن‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬شقة‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الرمال‭ ‬الراقي‭ ‬غرب‭ ‬غزة‭ ‬على‭ ‬‮«‬العودة‭. ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬تعويضا‮»‬‭.‬

‭- ‬‮«‬كل‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬الميناء‮»‬‭ -‬

ويصغر‭ ‬خليل‭ ‬صرصور‭ ‬زروق‭ ‬بست‭ ‬سنوات،‭ ‬وهو‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬المنشية‭.‬‮ ‬

ويقول‭ ‬‮«‬استولى‭ ‬اليهود‭ ‬على‭ ‬المنشية‭ ‬ومسحوها‭ ‬مسحا،‭ ‬من‭ ‬بقي‭ ‬حيا‭ ‬خرج‭ ‬لمركز‭ ‬الإيواء‭ ‬في‭ ‬السرايا‭ ‬الحكومية‮»‬‭.‬

لكنه‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬‮«‬دمّروا‭ ‬السرايا‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬شيء‮»‬‭.‬

وقال‭ ‬‮«‬كنت‭ ‬طفلا،‭ ‬بدأ‭ ‬اليهود‭ ‬يضربوننا‭ ‬بالهاون‮»‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬هرب‭ ‬أهالي‭ ‬يافا‭ ‬إلى‭ ‬الكنيسة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتسع‭ ‬للناس‭ ‬فلجأوا‭ ‬إلى‭ ‬مخازن‭ ‬البضائع،‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬الميناء‮»‬‭.‬‮ ‬

‮ ‬‭- ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬عاقر‭ -‬

تتذكّر‭ ‬زكية‭ ‬محمد‭ ‬أبو‭ ‬سويلم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يهود‭ ‬الهاجانا‭ ‬هاجموا‮»‬‭ ‬قريتها‭ ‬عاقر‭ ‬قرب‭ ‬الرملة‭ ‬و»حمل‭ ‬الناس‭ ‬أغراضهم‭ ‬وهربوا‭ ‬إما‭ ‬مشيا‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الحمير‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬حصول‭ ‬مجزرة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬دير‭ ‬ياسين‮»‬‭.‬

فرّت‭ ‬أبو‭ ‬سويلم‭ ‬من‭ ‬عاقر‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1935،‮ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬المغار‭ ‬المجاورة،‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬يبنا‭ ‬التي‭ ‬تبعد‭ ‬24‭ ‬كيلومترا‭ ‬عن‭ ‬يافا،‭ ‬وتعرضت‭ ‬هاتان‭ ‬القريتان‭ ‬أيضا‭ ‬لهجمات،‭ ‬فرحلت‭ ‬مع‭ ‬عائلتها‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬أسدود‭ ‬ثم‭ ‬المجدل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬بهم‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

وتقول‭ ‬إن‭ ‬عمها‭ ‬أصيب‭ ‬في‭ ‬بطنه‭ ‬بشظايا‭ ‬قنابل‭ ‬أطلقتها‭ ‬طائرة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬وتوفي‭ ‬ودفن‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬أثناء‭ ‬فرارهم‭.‬

‭- ‬خريطة‭ ‬وطاحونة‭ ‬قمح‭ -‬

ولد‭ ‬حسن‭ ‬الكيلاني‮ ‬في‭ ‬شباط‭/ ‬فبراير‭ ‬1934‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬برير‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬غزة،‭ ‬وهو‭ ‬يعلّق‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الصبرة‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬غزة‭ ‬خريطة‭ ‬لهذه‭ ‬القرية‭ ‬تتضمّن‭ ‬أيضا‭ ‬أسماء‭ ‬عائلاتها‭ ‬قبل‭ ‬النكبة،‭ ‬ويحتفظ‭ ‬بطاحونة‭ ‬قمح‭ ‬يدوية‭ ‬وخمسة‭ ‬أباريق‭ ‬قهوة‭ ‬نحاسية‭ ‬أخذها‭ ‬والده‭ ‬معه‭ ‬عند‭ ‬فراره‭.‬

وتفيد‭ ‬الروايات‭ ‬أن‭ ‬القرية‭ ‬حوصرت‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬جهات‭ ‬وبقيت‭ ‬الجهة‭ ‬الشمالية‭ ‬مفتوحة‭ ‬لخروج‭ ‬الأهالي‭ ‬منها‭ ‬باتجاه‭ ‬المدن‭ ‬المجاورة‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬غزة‭.‬‮ ‬

ويقول‭ ‬الكيلاني‭ ‬‮«‬قتلوا‭ ‬الأطفال‭ ‬والكبار،‭ ‬حتى‭ ‬المواشي،‭ ‬الجمال‭ ‬والبقر‭ ‬وحرقوا‭ ‬البلد،‭ ‬أخرجوا‭ ‬الناس‭ ‬بقوة‭ ‬السلاح‮»‬‭.‬

وشاهد‭ ‬الرجل‭ ‬الثمانيني‭ ‬طائرات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬تشبه‭ ‬طائرات‭ ‬رش‭ ‬المبيدات‭ ‬الزراعية‭ ‬‮«‬تلقي‭ ‬براميل‭ ‬البارود،‭ ‬فخاف‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬حياتهم‭ ‬وهربوا‮»‬‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬غزة‭.‬

ويقول‭ ‬الكيلاني‭ ‬إنه‭ ‬واقعي،‭ ‬‮«‬فمهما‭ ‬بلغت‭ ‬قوتنا‭ (‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والفلسطينيون‭)‬،‭ ‬لن‭ ‬نبلغ‭ ‬قوة‭ ‬إسرائيل‮»‬‭. ‬رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أملنا‭ ‬بالمقاومة‮»‬‭.‬

‮ ‬‭- ‬مختار‭ ‬القرية‭ -‬

كان‭ ‬محمد‭ ‬الحلو‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬قريته‭ ‬بيت‭ ‬جرجا‭ ‬قرب‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬يجيد‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬لذلك‭ ‬اختير‭ ‬مختارا‭ ‬لها‭.‬‮ ‬

ويقول‭ ‬الحلو‭ ‬الذي‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمفتاح‭ ‬وشهادات‭ ‬ميلاد‭ ‬وجواز‭ ‬سفر‭ ‬وأوراق‭ ‬لملكية‭ ‬الأرض،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬البريطانيين‭ ‬دعموا‭ ‬اليهود‭ ‬بالسلاح‭. ‬أما‭ ‬نحن‭ ‬فكانوا‭ ‬يسجنوننا‭ ‬ويفرضون‭ ‬علينا‭ ‬غرامات‭ ‬إذا‭ ‬حملنا‭ ‬سلاحا‮»‬‭.‬‮ ‬

ويعتبر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬الصلح‮»‬،‭ ‬لذلك‭ ‬‮«‬لا‭ ‬عودة‭ ‬إلا‭ ‬بالمقاومة‮»‬‭ ‬بالنسبة‭ ‬اليه‭.‬

ويضيف‭ ‬‮«‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬جاءت‭ ‬لتنقذنا‭ ‬فأغرقتنا‮»‬‭.‬‮ ‬

ويتابع‭ ‬أن‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الرمال‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬عندي‭ ‬فرن‭ ‬الطابون‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬جرجا‮»‬‭.‬