علماء يطورون وحدة تفكك الأفكار بتصوير الدماغ والذكاء الاصطناعي

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬طوّر‭ ‬علماء‭ ‬وحدة‭ ‬فك‭ ‬ترميز‭ ‬تتيح،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تصوير‭ ‬الدماغ‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ترجمة‭ ‬أفكار‭ ‬الشخص‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التحدث،‭ ‬بحسب‭ ‬دراسة‭ ‬نُشرت‭ ‬نتائجها‭ ‬الاثنين‭.‬

ويكمن‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ “‬وحدة‭ ‬فك‭ ‬ترميز‭ ‬اللغة‭” ‬هذه‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكلّم،‭ ‬على‭ ‬توصيل‭ ‬أفكارهم‭ ‬عبر‭ ‬الكمبيوتر‭. ‬ورغم‭ ‬استخدامه‭ ‬لأغراض‭ ‬طبية،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الجهاز‭ ‬الجديد‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬انتهاك‭ “‬الخصوصية‭ ‬العقلية‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬معدي‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬نتائجها‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭ ‬نيوروساينس‭”.‬

ولدرء‭ ‬الانتقادات،‭ ‬أشار‭ ‬الباحثون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أداتهم‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬تدريب‭ ‬الدماغ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمضية‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬التصوير‭ ‬بالرنين‭ ‬المغناطيسي‭.‬

وكانت‭ ‬واجهات‭ ‬سابقة‭ ‬بين‭ ‬الدماغ‭ ‬والآلة،‭ ‬وهي‭ ‬أجهزة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬السماح‭ ‬للأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقات‭ ‬الكبيرة‭ ‬باستعادة‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذاتي،‭ ‬أثبتت‭ ‬جدواها‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬الواجهات‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬جمل‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬مشلول‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التحدث‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬لوحة‭ ‬المفاتيح‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬تتطلب‭ ‬تدخلاً‭ ‬جراحياً،‭ ‬مع‭ ‬زرع‭ ‬أقطاب‭ ‬كهربائية‭ ‬في‭ ‬الدماغ،‭ ‬والتركيز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬الدماغ‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬الفم‭ ‬لتكوين‭ ‬الكلمات‭.‬

وقال‭ ‬عالم‭ ‬الأعصاب‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أوستن‭ ‬في‭ ‬تكساس‭ ‬ألكسندر‭ ‬هوث،‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الدراسة،‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحافي‭ “‬يعمل‭ ‬نظامنا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفكار‭ ‬والدلالات‭ ‬والمعنى‭”‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أسلوب‭ ‬غير‭ ‬جراحي‭.‬

وأثناء‭ ‬التجربة،‭ ‬أمضى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشخاص‭ ‬16‭ ‬ساعة‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬تصوير‭ ‬طبي‭ ‬وظيفي‭ (‬fMRI‭). ‬وتتيح‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬تسجيل‭ ‬الاختلافات‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬الدم‭ ‬في‭ ‬الدماغ،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الإبلاغ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الفعلي‭ ‬عن‭ ‬نشاط‭ ‬المناطق‭ ‬الدماغية‭ ‬أثناء‭ ‬مهمات‭ ‬معينة‭ (‬الكلام‭ ‬والحركة‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭).‬

وقد‭ ‬أسمع‭ ‬الباحثون‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬مدونات‭ ‬صوتية‭ (‬بودكاست‭) ‬سُردت‭ ‬خلالها‭ ‬قصص‭. ‬وسمح‭ ‬ذلك‭ ‬للباحثين‭ ‬بتحديد‭ ‬طريقة‭ ‬تحفيز‭ ‬الكلمات‭ ‬والجمل‭ ‬ومعانيها‭ ‬لمناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الدماغ‭. ‬ثم‭ ‬أدخل‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭ ‬تلك‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬عصبية‭ ‬لمعالجة‭ ‬اللغة‭ ‬الاصطناعية‭ ‬باستخدام‭ ‬برنامج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ “‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭-‬1‭” (‬GPT-1‭)‬،‭ ‬سلف‭ ‬روبوت‭ ‬المحادثة‭ ‬الشهير‭ “‬تشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي‭”. ‬ودُربت‭ ‬الشبكة‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭ ‬بطريقة‭ ‬تفاعل‭ ‬كل‭ ‬دماغ‭ ‬مع‭ ‬الكلام‭ ‬المسموع‭. ‬ثم‭ ‬استمع‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬جهاز‭ ‬الرنين‭ ‬المغناطيسي‭ ‬الوظيفي،‭ ‬لاختبار‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الشبكة‭ ‬قد‭ ‬خمّنت‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭.‬

وفي‭ ‬النتيجة،‭ ‬ورغم‭ ‬إعادة‭ ‬الصياغة‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬ترتيب‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬تمكنت‭ ‬وحدة‭ ‬فك‭ ‬التشفير‭ ‬من‭ “‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬معنى‭ ‬ما‭ ‬سمعه‭ ‬الشخص‭”‬،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أوضح‭ ‬جيري‭ ‬تانغ‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬أوستن،‭ ‬وهو‭ ‬المعد‭ ‬الرئيسي‭ ‬للدراسة‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬عندما‭ ‬سمع‭ ‬أحد‭ ‬المستخدمين‭ ‬عبارة‭ “‬ليس‭ ‬لدي‭ ‬رخصة‭ ‬قيادة‭ ‬بعد‭”‬،‭ ‬أجاب‭ ‬نموذج‭ ‬الشبكة‭ “‬هي‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬حتى‭ ‬تعلم‭ ‬القيادة‭ ‬بعد‭”.‬

وذهبت‭ ‬التجربة‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭: ‬فحتى‭ ‬عندما‭ ‬تخيل‭ ‬المشاركون‭ ‬قصصهم‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬شاهدوا‭ ‬أفلاماً‭ ‬صامتة،‭ ‬كان‭ ‬جهاز‭ ‬فك‭ ‬التشفير‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬التقاط‭ ‬جوهر‭ ‬أفكارهم‭.‬

وتشير‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬إلى‭ “‬أننا‭ ‬نفك‭ ‬تشفير‭ ‬شيء‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬ثم‭ ‬نحوله‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬ألكسندر‭ ‬هوث‭.‬

واعتبر‭ ‬ديفيد‭ ‬رودريغيز‭ ‬أرياس‭ ‬فيلهين،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬أخلاقيات‭ ‬علم‭ ‬الأحياء‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬غرناطة‭ ‬الإسبانية‭ ‬لم‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الدراسة،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬تشكل‭ ‬تقدماً‭ ‬حقيقياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالواجهات‭ ‬السابقة‭ ‬بين‭ ‬الدماغ‭ ‬والآلة‭.‬

ولفت‭ ‬فيلهين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬تقرّبنا‭ ‬من‭ ‬مستقبل‭ ‬ستكون‭ ‬فيه‭ ‬الآلات‭ “‬قادرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬العقول‭ ‬وتدوين‭ ‬الأفكار‭”. ‬لكنه‭ ‬حذّر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬خلافاً‭ ‬لإرادة‭ ‬الأشخاص،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬عندما‭ ‬يكونون‭ ‬نائمين،‭ ‬ما‭ ‬يعرّض‭ ‬حريتنا‭ ‬تالياً‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

وتوقّع‭ ‬معدّو‭ ‬الدراسة‭ ‬هذه‭ ‬الأخطار‭ ‬عبر‭ ‬إثبات‭ ‬أن‭ ‬وحدة‭ ‬فك‭ ‬التشفير‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬دماغ‭ ‬شخص‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تدريبها‭ ‬عليه‭.‬

وتمكن‭ ‬المشاركون‭ ‬الثلاثة‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬خداع‭ ‬الآلة‭ ‬بسهولة‭: ‬فأثناء‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬مدونة‭ ‬صوتية،‭ ‬كان‭ ‬عليهم‭ ‬العد‭ ‬إلى‭ ‬سبعة‭ ‬وتخيل‭ ‬حيوانات‭ ‬وتسميتها‭ ‬أو‭ ‬سرد‭ ‬قصة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬رؤوسهم‭… ‬تكتيكات‭ ‬كثيرة‭ “‬خربت‭” ‬عمل‭ ‬وحدة‭ ‬فك‭ ‬الترميز‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬دعا‭ ‬معدو‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬قواعد‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الخصوصية‭.‬