صورة الخراب الإنساني وعبثيته في ( القرن بعد اكتماله) – محمود خيون

صورة الخراب الإنساني وعبثيته في ( القرن بعد اكتماله) – محمود خيون

بعد غياب طويل عثرت مع مجموعة من الكتب التي وصلتني من دمشق على رواية  للكاتبة ذكرى محمد نادر  عنوانها ( القرن بعد اكتماله ) وهي من إصدارات دار العراب والصحيفة العربية في سوريا….وقد أصابتني الدهشة بالأسلوب الذي كتبت به أحداث الرواية التي اعتمدت السرد المباشر والمتلاحق وعملية الرجوع إلى الماضي الفلاش باك والتداعي في العودة للمكان والزمان وحركة شخوص الرواية والاحداث وكأنه شريط سينمائي في تتابع المفاجاة والحدث…وبذلك فهي تعتمد ايدلوجية حديثة في فن القصة والرواية التي تتعدد أفكارها ويتسع حجم البناء الفني في كل مفصل من مفاصلها بحيث لا تكون لدى القاريء الدارس أو الاعتيادي الفرصة في عدم الاستمرار في القراءة ومتابعة الأحداث الواحد تلو الآخر..فهي تشدك منذ الوهلة الأولى لأن تبقى في حالة إنذار قصوى لمعرفة مصير أبطالها الذين قادتهم الظروف القاهرة التي مرت بها البلاد ومدنها بعد الإحتلال إذ عمت الفوضى في كل ركن وزاوية..فهي تصور للجميع حجم المأساة التي عاشتها مدينتها الموصل وكيف عاثت العصابات فيها ودمرت كل شيء وتستذكر في مخيلتها( حينما توقفت الحرب، هل تذكرينها؟رفع اليها عينين تغصان بتذكر ما يصعب نسيانه في حرب توسطت صواريخها شهر آذار عام 2003 فاستعادت بلحظة هزيم القنابل ورعب الصواريخ و نيرانها وضحايا كانت تتقطع اوصالهم على الأرصفة والطرقات أو يموتون محترقين ذات هروب مع عوائلهم في سياراتهم الشخصية أو راكضين في فرار لم يسعفهم كثيرا بين الحقول والبساتين وبعيدا عن الطرق الرئيسية التي تربط المدن فيصطادهم طيار متعحل لإصابة هدف بغية التخلص من حمولة صواريخه الزائدة، فيبادر من فوره حال اكماله مهمة القتل بأرسال برقية مستعجلة لقيادته ودون تأنيب ضمير مفادها – اصبنا الهدف..) ..

في هذا المقطع الدامي صورت لنا الكاتبة ذكرى محمد نادر مشهد من مشاهد الدمار الذي عاشته البلاد بعد أن شددت قوى الشر ضرباتها وبكل أنواع الأسلحة الفتاكة والمتطورة مستهدفة كل مفصل من مفاصل الحياة ودمرت الكثير من المؤسسات وعاثت البنى التحتية للبلاد..ولم تزل كيف قتلت جارتها وزوجها أمام أطفاله الذين قررت( مراثي ) ضمهم لحضانتها وجعلتهم كرفقين في مسيرتها الهاربة فيها من الجحيم الذي تعيشه الناس في مدن البلاد…

بطلة الرواية

وهكذا تتوالى الأحداث لتبدأ بطلة الرواية رحلة التعب والمشقة مع طفليها في البلاد الغريبة وتحت رحمة المهربين( فمنذ هروبها قبل ثلاثة ليال، راكضة مع الطفلين التوأمين بعيدا عن المهرب التركي  وهي تسير بلا هدى ولا دليل، حتى وصولها الوشيك لحافة الجبل حينما قررت وهي تلهث تعبا متصببة عرقا أنهم يستحقون وقتا للراحة ) …

اقول لقد اعتمدت الكاتبة ذكرى محمد نادر في هذا المشهد أن تغير حال الأمكنة وتغادر الأزمنة الماضية التي عاشتها في مدينتها التي اغتصبت نهاراتها واستحالت الى ظلمة حالكة يلفها الرعب والخراب والقتل والموت المجاني في كل حارة ومفترق…وهي في ذلك تذكرنا بالمأسي التي عاشتها مدن اوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية وما تلاها من حروب داخلية واقليمية خلفت الكثير من الضحايا وهدرت الممتلكات واباحت كل شيء..وانا اتفق مع ما وصفه الزميل الروائي الكبير أمجد توفيق لرواية( القرن بعد اكتماله ) للكاتبة ذكرى محمد نادر في القول( أنها ليست محض رواية تضاف إلى مكتباتنا المتخمة بروايات…انها سمفونية للجمال والوجع الإنساني العميق الذي ينفتح على فهم قوامه أن نزيد سعة الأرض ونجعلها صالحة للعيش ،هذه الرواية نادرة ،أنها نداء مفعم بالجمال والقلق والمشاعر الاصيلة والفهم المتجذر، نداء يستحق أن نترجمه للغات العالم ونمنحه ما يستحق من تقدير…عالم غريب، غير منطقي بالكامل..وهذا ما يؤهله أن يكون صورة ناطقه للفشل والخراب الإنساني الذي ما تزال البشرية تعاني منه وتخفق في وضع حد لعبثيته ومرارة جرائمه..القرن بعد اكتماله رواية وطن طعن في الصميم..ورواية طفولة مغتاله ، ورواية عاشقين صلبوا على أعمدة حبهم  وهي رواية لا تتخلى عن الأمل كونه السر أو الدافع الذي يجعل الجميع يتحملون المرارة أملا بغد أجمل ).. وقد اصاب الزميل الروائي أمجد توفيق حين أكد أن لا أظن أن روائية عربية يمكن أن تنجح في تقديم رواية خطيرة كرواية ذكرى محمد نادر ذلك أن التجربة، والروح العنيدة التي تتحلى بها الرواية أكبر من إمكانية تجمعها في شخص واحد وهي رواية كتبت بأصابع لا ترتدي قفازات، فالوجع فيها أصيل قادر على الإمساك بالخلايا الصغيرة لينتقل كما نسغ الدم في الأوردة والشرايين، بعد اكتمال القرن رواية لايمكن اختصارها أو رواية حكاية عنها فكل صفحة وعبارة ليست مرشحة للاهمال أو التجاوز…

ومما تقدم فانا على يقين بأن رواية( القرن بعد اكتماله ) للكاتبة ذكرى محمد نادر، هي منجز كبير يضاف إلى سجل المنجزات الكبيرة للرواية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص فهي ملحمة كبرى تجسدت فيها روح التحدي والقدرة على مطاوعة الصبر والوجع بأقصى درجاته.