(الزمان) تتجول في تبليسي (3)
زيارة إلى منزل الرجل الفولاذي باني الإمبراطورية السوفياتية
الجورجيون فخورون بأبنهم ويحرصون على موجودات متحفه
أحمد عبد المجيد
حرصت على زيارة مسقط رأس جوزيف ستالين في مدينة كوري، وبرغم محاولة ثنيي عن هذه الرغبة بسبب طول المسافة، فانني رأيت ان تكامل انطباعاتي عن جورجيا لن يتحقق الا بهذه الخطوة.
تقع كوري او غوري على مسافة 100 كيلومتر من العاصمة تبليسي، وتصل الطريق اليها بالطريق السريع الدولي الذي يمتد نحو حدود تركيا الجنوبية، ولذلك فان رؤية قوافل الشاحنات التركية والايرانية تبدو طبيعية خلال مسافة الرحلة وهي تنقل المنتجات النفطية، وتحف بهذا الطريق المزارع والمراعي فيما تحوط به تقريبا سلسلة جبلية شاهقة. واللافت هو التنوع الهائل في الطبيعة، فثمة مشاهد تبدو فيها السماء الزرقاء الصافية خالية من اثر لغيوم او رياح تنذر بهطول امطار، وثمة مشاهد تغمر فيها السماء غيوم كثيفة سوداء مثقلة بالامطار ومنذرة بالرعد والبرق، وغالبا ما ترى هذه الغيوم على تماس حاد مع قمم الجبال الى درجة يصعب فيها الفصل بين الارض والسماء.
وعلى المسافة اياها، تقع مدن صغيرة ذات طبيعة زراعية ولكنها مأهولة بالمعالم العمرانية المتواضعة، واينما تشيد تلك المدن ترى اثراً لمجرى نهر (التكواري) الذي ينبع من الاراضي التركية. لقد احصيت نحو 12 مدينة من هذا النوع. اما الارض تفترش الطبيعة عليها سحرا من نوع متميز ينطبق عليها وصف ارض الينابيع الحارة. الاراضي الشاسعة الخضراء تدل على همة عالية يتصف بها المزارعون برغم اعتماد بعضهم على وسائل بدائية. وعرفت ان الجورجيين لا يكتفون بالحصول على محاصيلهم من اراضيهم، حسب وانهم لا يستوردون فاكهة من الخارج، بل ويعمدون الى تربية النحل للافادة من العسل. وساعة اضطررت الى تناول الغداء في مطعم يقع على طرف مدينة متشخيتا، فوجئت بأسراب النحل تشاركنا المائدة وتحوم حول الطعام، هابطة على قناني العصائر التي تقدم الينا. وكان السائق ديفيد الذي يتحدث بانكليزية سليمة يشرح لي، طيلة الطريق، ما يعرفه عن تلك المدن. انه مواظب على اصطحاب الزبائن من امثالي برغم انه قليل الكلام. ويشي هدوؤه المعتاد باحترام حدود مهنته. وهذا السلوك نفتقده نحن في الشرق، اذ يتحدث السائق مع الركاب كما لو انه في مضيف او انه مصاب بالفضول فيريد التعرف على بعض اسرارهم او انطباعاتهم، لاسيما السياسية منها. كان ديفيد من الطراز الذي لا يتدخل في الشؤون الخاصة. كما انه ينأى بنفسه عن الخوض في السياسة. وبدا انه مستعد لالتزام الصمت طيلة نحو ساعة، هي المسافة الى كوري اذا لم اوجه اليه سؤالا او اطلب منه مساعدتي في التعرف على موقع من المواقع. وهذه حالة مستحيلة او نادرة في بلدنا، فالسائق يتحدث اكثر من الراكب بل وقد يصدع رأسه بالاسئلة. وقد صادفت في بغداد امثال هؤلاء الذي يدسون انوفهم في كل شيء، بدءا من الاجرة التي يتقاضاها الى ذكريات طفولتي والواني المفضلة وانت من يا عمام! انها عادة بذيئة تسبب النفور والتوجس، وتجعل الراكب في قلق من الدوافع وراء الرغبة بالتدخل في صغائر الامور. واكثر ما يعاني من هذه الظاهرة السلبية النساء اللواتي تقودهن حظوظهن الى استئجار تاكسي مع سائق حديث نعمة او ثرثار.
ساعة لم اشعر خلالها بالضيق او الملل، وانا اتجه نحو متحف (الرجل الفولاذي) المشيد على طراز العمارة القوطية وسط مدينة تفتقر الى البهرجة وتصادم الرؤى، وتعيش بهدوء اسفل سلسلة من الجبال العامرة بالخضرة واشجار الصنوبر. وفي وسط ساحة لوقوف السيارات (بارك) تركنا مركبتنا واتجهنا صوب المبنى الذي يوحي بانه هيكل حكومي اكثر من اي شيء آخر. وقد لا يلفت النظر شكل هذا المبنى بقدر ما يبهر النظر امتداده على ضلع متنزه واسع تتوزع في ارجائه مصاطب يجلس عليها بتكاسل رجال تبدو عليهم امارات التقاعد او البطالة. او نساء يتطلعن بانظارهن نحو المجهول، كما ترصد العين من بعيد، بضع مصاطب اخرى تنتظر من يحجز له عليها مكان لتبادل المواعيد العاطفية.
وتحتاج الجولة في متحف ستالين الى قطع تذكرة لقاء رسوم بسيطة، غير ان ديفيد تعرف على موظفة في مكتب الاستقبال ساعدته في الحصول على تذاكر مجانية. كانت التفاتة جميلة منها دالة على فهم مستوى الرجل الذي يرافقه ديفيد. وكان قد سبقني الى المكان فريق سياحي امريكي مؤلف من مجموعتين، وآخر اذربيجاني تبدو علامات انتمائه السابق الى الحزب الشيوعي واضحة. لقد كانت هذه المجموعة المؤلفة من 3 اشخاص باعمار متقدمة، تتعامل مع موجودات المتحف بود نادر واتصال شبه روحي. وكان الواحد منهم يتحدث، كما فهمت، باعجاب شديد عن باني التجربة السوفياتية، في صفحتها الثانية في اعقاب وفاة الأب الروحي لينين وانتقال سلطة الحزب والدولة الى ستالين بعد مدة قصيرة امضاها سلفه فياتشسلاف ميخائيلوفتش مولوتوف.
حياة صعبة
ولد ستالين او جوزيف ميستاريونوفيش المكنى بالروسية جوغاشيفيلي في 18 كانون الاول 1878. وتزوج من زوجته الاولى خلال العامين 1906 – 1907 وخاض الرجل حياة صعبة سواء في طفولته ام صباه ام في شبابه ونشأته، ويحفل سجله كقائد ثان للاتحاد السوفياتي ورئيس وزراء له في 1941 -1953، بصفحات مجيدة، ليس اقلها دوره في قيادة البلاد ابان الحرب العالمية الثانية. وكان واضحا انه وقع بين ناري المانيا والمعسكر الرأسمالي، فاضطر الى مقاومة الغزو النازي والتحالف مع قوات الحلف الغربي. ومثل هذا الخيار الذي املته ظروف الواقع يبدو للبعض غير مفهوم، ولكنه تكتيك شرعي لعبور محنة المآسي والتضحيات الناجمة عن الحرب. وكان من الطبيعي ان يحرص موظفو المتحف على ايضاح دورة حياة هذا الزعيم بدءا من الاطلاع اولا على المنزل الذي ولد فيه ستالين. انه مبنى بسيط جدا وضيق مشيد من الآجر الأحمر، وقد يكون واحدا من أبسط مباني الطبقة التي تنتمي اليها عائلة ستالين المعدمة. فهو لا يحتوي سوى على غرفتين صغيرتين واثاث فقير من الطراز الشائع يومها. ولكن مازال بعضه يحتفظ بلمسته القديمة، برغم مرور نحو 70 عاما على استخدامه. وبرغم تقادم هذه السنين لا يصعب على الزائر تلمس طبيعة الحياة في منزل لا تتعدى مساحته 40 مترا مربعا. لعلني شعرت بانفاس افراده وكأنهم احياء يرزقون، او كأني استشعرت دفء المكان من خلال موقد بدائي يتوسطه. ان والدة ستالين تبدو حاضرة في كل جزء او زاوية. فيما لا يمثل غياب بقية الاسرة اية مشكلة. اما لماذا؟ فذلك ما تفصح عنه علاقة ستالين بها. واذا ما غادرت المنزل وقامت المرشدة السياحية بغلق ابوابه بقفل قديم، فان وجه الوالدة المحجبة بوشاح اسود يظل يلاحق الزائر، وهو يواصل الفرجة على اجنحة المتحف، ان صورها في بعض المراحل تنتشر هنا وهناك منفردة او الى جوار الابن، الى درجة تفسر طبيعة علاقته بها.
وتقول وثيقة: ان ستالين وفد في مدينة غوري في الإمبراطورية الروسية لإسكافي يدعى بيسو، وأم فلاحة تدعى إيكاترينا. كانت العائلة تعيش في وضع اجتماعي، يدعى القنانة وهو حالة من الرق أو العبودية.
يعد ستالين الولد الثالث للعائلة, لكن الولدين الأولين توفيا في مرحلة الطفولة نتيجةً المرض والفقر. أرادت أمه أن يصبح كاهناً وذلك علامة شكر لله لأنه نجا. كان والد ستالين مدمن على الكحول وكان دائم الضرب لستالين ولامه, وفي أحد الأيام دفع الوالد ابنه أرضاً ونتيجةً لهذه الضربة عانى ستالين من تصريف الدم مع البول لعدة أيام. استمر وضع الوالد بالتدهور حتى ترك عائلته ورحل وأصبحت أم ستالين بلا معيل, مع أن النظام الاجتماعي في جورجيا هو نظام أبوي. وعندما بلغ ستالين 11 عامًا، أرسلته أمه إلى المدرسة الروسية للمسيحية الأرثوذكسية ودرس فيها. عادت بداية مشاركة ستالين مع الحركة الاشتراكية إلى حقبة المدرسة الأرثوذكسية والتي قامت بطرده من على مقاعد الدراسة في العام 1899 لعدم حضوره الامتحانات وكثرة تغيبه. وبذلك خاب ظن أمه به التي كانت تتمنى دائما أن يكون كاهناً حتى بعد أن أصبح رئيساً. بعد تركه للمدرسة الأرثوذكسية انتظم ستالين و10 سنوات في العمل السياسي الخفي وتعرض للاعتقال، بل والإبعاد إلى سيبيريا بين الأعوام 1902 إلى 1917. ثم اعتنق ستالين المذهب الفكري لفلاديمير لينين، وتأهّل لشغل منصب عضو في اللجنة المركزية للحزب البلشفي في عام 1912. وفي عام 1913، تسمّى بالاسم “ستالين” وتعني “الرجل الفولاذي”.
علاقة حميمة
لقد كان يرتبط مع أمه بعلاقة حميمة جداً واعتاد أن يرسل لها رسائل يطغى عليها طابع الحنان والحب. لكن أمه لم تتقبل أبداً انه ترك مسار الدين والكهنوت. وهذا ليس غريبا في بلد يخضع لسلطة كنيسة يدين معظم شعبه بالارثوذكسية مع اقلية مسلمة قوامها 8 بالمئة.
وفيما تمضي بتتبع مراحل حياة ستالين ومحطات تأثره وتأثيره في محيطه المحلي والدولي، فانك تفتقد واحدا من اكثر الشخصيات قربا اليه قبل ان تتحول علاقته به الى حالة من العداء المستحكم والمطاردة الدالة على الانتقام.
اين هو تروتسكي اذن؟ سألت نفسي وانا اتجول داخل حجرات المتحف او اتوقف واطلق العنان لافكاري في بعض ارجائه، كدت اصرخ بأعلى صوتي: اين صوت الثورة المتمرد؟ ومن بين مئات الصور واللوحات التشكيلية التي توثق تلك الحياة الحافلة بالكتمان والاسرار والصعوبات، الناجمة عن بناء دولة عظمى، كنت اترصده كمن فقد عزيزا، واتتبع المشاهد لعلني اظفر بصورة واحدة لمفكر الثورة البلشفية واحد اعظم مثقفيها والمستشارين فيها. لا أثر له. فقد تماهى مع المقتنيات او توارى في الافق البعيد خلف غيمة مسافرة. ان بناء هذا المتحف، كما يبدو تم على عهد ستالين ذاته، وانه من الطبيعي ان يغيب دور تروتسكي وتنزع صوره عن المكان بوصفه ذكرى، غير سارة للرجل الفولاذي.
يضم المتحف ايضا لقطات للاعداد الاولى للصحف التي وثقت ثورة روسيا عام 1917 كما رصدت تقلبات الاوضاع على عهد زعيمها، وقد تصدرت (برافدا) هذا الجناح. كانت صور ستالين مع رفيقه لينين تصطف هنا وهناك ولكنها تكشف عن لغز واضح مؤداه ان منظمي المتحف او مؤسسي هذا الشريط الحي لمسيرة ستالين لا يرغبون بتقديم دور اكبر الا اليه. ولهذا ظلت صور لينين تبدو ثانوية قياسا بالرفيق الذي تولى نقل الاتحاد السوفياتي من مجتمع زراعي الى آخر صناعي مكنه من الانتصار على دول المحور والصعود الى قمة القدرة على الاستقطاب العالمي. انه باختصار باني الامبراطورية الجديدة على انقاض روسيا القيصرية الغارقة بالفوارق الطبقية والفساد.
ان هذه الدرجة من الاهتمام بدور ستالين الحاسم دفعت ادارة المتحف الى وضع مساحة خاصة للعربة الحديدية التي شهدت ابرز لقاءات ستالين بزعماء الغرب. الزعيم البريطاني تشرشل والرئيس الامريكي روزفلت. وقادتني المرشدة الى العربة صعودا فوق سلم من جزءين، الاول تابع الى هيكل العربة، ذاتها والثاني مكمل مصنوع من الحديد يتعرض للإهتزاز، بقوة لحظة وضع الاقدام عليه. لقد صممت العربة على هيئة جناح مؤلف من غرفة ضيقة مخصصة للمنام وحمام بسيط يؤدي غرضين، فضلا عن حجرة بقياس 2*3 مترات بمثابة صالة ضيافة مخصصة كمكتب مصغّر الى ستالين. هنا خاض الزعيم اصعب واثقل رحلاته بين الاراضي الشاسعة بحثا عن خلاص او نهاية للدمار والدم. مازال في بعض زوايا عربة القطار شيء ينطق وذكريات سياسية حزينة.
في عام 1912 تقول إحدى الحكايات إن فلاديمير لينين أطلق لقبا بطوليا على ستالين لأنه قام بإلقاء قنبلة يدوية على القيصر أثناء عمل ستالين في القصر مع مجموعة من العمال الذين كانوا يقومون بعملية طلاء للقصر، حيث قام ستالين بإلقاء القنبلة بين قدمي القيصر وتابع عمله كأن شيئاً لم يكن.
وقد تقلد ستالين منصب المفوّض السياسي للجيش الروسي في مدتي الحرب الأهلية الروسية والحرب الروسية البولندية، وتقلّد أرفع المناصب في الحزب الشيوعي الحاكم والدوائر المتعددة التابعة له. وفي العام 1922، تقلّد ستالين منصب الأمين العام للحزب الشيوعي وحرص على أن يتمتع بمنصب الأمين العام بأوسع أشكال النفوذ والسيطرة. وهنا بدأت الميول نحو القبضة الحديدية.
مبادئ تروتسكي
بعد وفاة فلاديمير لينين في كانون الثاني 1924، تألّفت الحكومة من الثلاثي: ستالين، وكامينيف، وزينوفيف. وفي مدة الحكومة الثلاثية، نبذ ستالين فكرة الثورة العالمية الشيوعية لصالح الاشتراكية المحلية، مما ناقض بفعلته مبادئ تروتسكي المنادية بالشيوعية العالمية. تغلب ستالين على الثنائي كامينيف وزينوفيف بمساعدة التيار الأيمن للحزب المتجسد في بوخارن وريكوف حيث نجحوا في طرد تروتسكي وزينوفيف وكامينيف من اللجنة المركزية في عام 1927، ثم من الحزب الشيوعي. وبعدها بشهور سعى ستالين إلى إضعاف نفوذ بوخارن واستطاع ازاحته من القيادة حتى أصبح هو القائد الأوحد. وتم ذلك بين عام 1928-1929. إلا أن ستالين لم يبلغ السلطة المطلقة إلا بعد التصفيات الجسدية التي حدثت في الثلاثينات من القرن الماضي.
هكذا اذن يتسبب الطموح الشخصي بتصفية رفاق الامس واحدا واحدا. ولكن اجنحة المتحف تكشف عن كم من الادوار تطلبت لاخذ ستالين موقعه الاخير في تاريخ العالم. احد هذه الادوار يتجسد في الأداء الفكري والثقافي. فهناك مجسم يظهر كفاءته في اخفاء مطبعة الحزب التي تولت طبع المناشير والبيانات المعادية للنظام القيصري والداعية الى تصفيته. انها ترسم صورة الرعب الذي يمتلك شيوعيا مكلفا بعمل يقترب من مهمة انتحارية, فداخل بئر عميق تغطيه سقيفة يمتد نفق عرضي يقود بعد ذلك الى حجرة ضيقة تحتضن ماكنة الطبع البدائية، لعلها تدار باليد او تصدر اصواتا فاضحة، ولكنها تنتج (سلعا) قادرة على اشعال النيران وتفجير داخل بؤس الواقع الروسي. هكذا يعمل ستالين ويتولى توزيع الادبيات. وهكذا يشكل التحدي لديه منطلقا للثورة. فلا احد قادر يومها على المزايدة عليه. ولعله كان ينوي تقديم ادلة كافية على شهادة وفائه وجدارته للاجيال بالايعاز لبناء المتحف.
لم يحرص القائمون على هذا المعمار الوثائقي على كشف تفاصيل المسيرة الاولى لستالين، الا عبر بعض الصور تقدمه شابا يافعا او تلميذا في مدرسة، وباستثناء صورة واحدة لوالده كان معظم افراد العائلة على هامش حياة الزعيم لاسيما زوجته الاولى اكاترينا التي ماتت بمرض السل واسدل على صفحتها الستار بالزواج من ثانية.
تزوج ستالين مرتين، الأولى عام 1907 أي قبل قيام الثورة بعشر سنوات، ويقال أنه لم يكن لديه المال الكافي لعلاجها بعد أن أنفق كل ما لديه على الحزب وكان قد انجب منها ياكوف الابن الأكبر الذي حاول الانتحار، ذات مرة، ونجا ثم التحق بالجيش وتم أسره على يد القوات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية ورفض ستالين أن يميزه في تبادل الأسرى وقتل أثناء محاولته الهرب. اما زوجته الثانية فهي ناديا وقد تزوجها وهي ابنة السابعة عشرة عام 1917 وكانت شيوعية متحمسة ابنة أحد أصدقائه المقربين، كانت تدرس الهندسة، وقد انجبت له طفلين. رسميًا توفيت بسبب التهاب الصفاق، لكن يعتقد أنها قتلت نفسها برصاصة في القلب بسبب خلاف مع الزوج.
وانا اشكك بصحة هذه الرواية لانها تنسج تلفيقات في اطار الدعاية المضادة له، بقصد نزع الرحمة منه واظهاره بمظهر شيطان. وهو اسلوب ساد في حقبة الحرب الباردة حيث صورت الدعاية الغربية الزعماء السوفيت بمظهر الدكتاتوريين الخرفين الذين لا يرحمون مواطنيهم.
بعد دورة في اجنحة المتحف التي تضم قطعا من المنسوجات اليدوية الفاخرة التي تحمل صور ستالين وابرز الهدايا المقدمة اليه من زعماء الدول انذاك، يقودك المسار نحو فسحة يبدو فيها جلال المكان وهيبته واضحا، انه عبارة عن دائرة تتوزع على محيطها مجموعة من الاعمدة الرخامية يتوسطها تماما قناع برونزي لوجه ستالين. يبدو مسجى وعيونه مغمضة.. لفت نظري ضآلة الوجه قياسا بالهالة التي يحظى بها ستالين. لقد تم اخذ القناع بطريقة الاستنساخ التي ذكرتني بقيام النحات الراحل محمد غني حكمت باستنساخ قناع وجه استاذه وزميله الفنان الكبير جواد سليم. هي لحظة نادرة بادر بها لتخليد هذا المبدع الكبير. وتجري هذه العملية بطريقة التجبيس ثم تؤخذ نسخة معدنية عنها.
الرجل الفولاذي
المكان يلزمك بالتأمل في الوجه وقراءة تفاصيله الممكنة، برغم الضوء الخافت الذي تم استخدامه في اخراج المشهد. قلت هذه آخر اطلالة للرجل الفولاذي على الدنيا، وهذا هو الوجه الذي سيقابل به ربه، وهي سنّة يخضع اليها جميع بني البشر لا فرق بين غفير ووزير، فقير وثري ثراء قارون.
تقول وثيقة اخرى: انه في الأول من اذار 1953، وخلال مأدبة عشاء بحضور وزير الداخلية السوفييتي لافرينتي بيريا وخوروشوف وآخرون، تدهورت حالة ستالين الصحية ومات بعدها بأربعة أيام. تجدر الإشارة ان المذكرات السياسية لـ “مولوتوف” والتي نُشرت في عام 1993 تقول أن الوزير بيريا تفاخر لمولوتوف بأنّه عمد إلى دسّ السم لستالين بهدف قتله. وقد ذكرت المصادر الرسمية ان وفاته كانت نتيجة جلطة دماغية.
حنطت جثته ووضعت بجانب لينين في التاسع من اذار وبقيت حتى سنة 1961، عندما حركت جثته ودفنت بالقرب من الكرملين. لكن وبرغم ذلك وجهت اصابع الاتهام إلى أربعة اشخاص آخرين وهم أبنيه سفتلانا وسيرغي ووزير خارجيته فياتشسلاف مولوتوف إضافة إلى نيكيتا خروتشوف. لقد شاهدت هذا القبر خلال زيارتي الى الساحة الحمراء بموسكو في تموز 2009. كانت الابواب موصدة ولم تعد بالانتظار طوابير الراغبين برؤية الجثمان تأخذ دورها.
وقد قامت هوليوود بعد تصدع المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي بإنتاج فيلم حول حياة ستالين وشارك فيه كل من روبير دوفال الذي قام هذا بدور البطولة بادائه لدور ستالين إضافة إلى ماكسيمليان شيل الذي أدى دور لينين.
ان بقاء ابواب هذا المتحف مفتوحة على مصاريعها حتى اليوم ينطوي على دلالات عدة ويفسر، ربما، النزعة القومية لجورجيا في التفاخر بشخصية ولدت من رحم ارضها واسهمت في تغيير وجه العالم. وبرغم التحولات السياسية فان ستالين ظل، بالنسبة لجورجيا، مواطنا يستحق الاعجاب، وان المحافظة على اثره وتراثه ونقاء صورته، مهمة وطنية. لقد ادركت شعوب كثيرة اهمية قراءة تاريخ الشخصيات بمراجعة اثارها والرموز الباقية منها. ولعله من المفيد اشاعة ثقافة الابقاء على حقب التاريخ ورموزه وعدم اهدار مخلفاتها او تضييع الوثائق الدالة عليها. فهي، في النهاية، ملك للأجيال ومن العار على شعب الاستخفاف بتاريخه او انكاره او اخفاء معالمه، سواءا كانت في السلب ام الايجاب. لقد فتح المتحف كشكاً لبيع التذكارات الخاصة بهذه الشخصية المثيرة للجدل. ولم اهدر الفرصة او اهمل الذكرى، فأشتريت تمثالا صغيرا من النحاس لستالين وكوباً من الخزف موشحا بصور له والى لينين، فضلا عن كراس يحفظ بعض صوره. وها هي امامي ليس للنظر الى وجه ستالين، بل لاستذكار جورجيا التي انجبت شخصية بقامة هذا الرجل فازداد اعجابا بشعبها.
ويبقى ان المتحف الذي شيد، في الاربعينات من القرن الماضي، فوق اطلال منزل ستالين لم يحظ بأية زيارة منه، وظل مفتوحا الى الزوار سواء أكانوا ساخطين عليه ام معجبين به، كشخصية ملهمة.
AZP02























