
(الزمان) تتجول في تبليسي (2)
شباب جورجيا يتحاورون بالموسيقى والتوترات تتلاشى بإحترام حدود الحريات
أحمد عبد المجيد
لم تكتف جورجيا بتشجيع السياحة الترفيهية، بل اتجهت نحو السياحة الصحية، واقامت بنى تحتية لها حظيت باشادة عراقيين قدموا للعلاج في احد مشافيها. وكنت انتظر موعد اقلاع الطائرة في رحلة العودة، عندما تعرفت الى كبير مهندسين تقاعد للتو من شركة الخطوط الجوية العراقية وقدم الى تبليسي، بهدف العلاج من آلام الفقرات والمفاصل.
وقال بشيء من الارتياح انه تلقى عناية طبية في مستشفى، صادف ان تم تعليق اعلانات عنه في صالة المطار، فاشار اليه بينما بادرت زوجته وهي حاجة في الخمسينات من العمر، الى تقديم ايضاحات عن الاجهزة والمعدات الحديثة المستخدمة فيه، كما اشارت الى الدرجات العلمية للأطباء المعالجين.
ان هذه الالتفاتة الحكومية الى السياحة الصحية توفر مردودات مالية اضافية. فالسياحة في العالم المتقدم لم تعد فنادق ومطاعم وتسهيلات ترويحية حسب، بل نشاطات وفعاليات مكملة، ثقافية وفنية، فضلا عن السياحة الدينية وقوامها توافد الحجيج لزيارة الكنائس ودور العبادة. ففي ايران، مثلا، انصرفت الحكومة كليا الى السياحة الدينية برغم ان ايران تمتلك طبيعة جذابة ومغرية لاسيما في الجزء الواقع على بحر قزوين منها. الا ان ايران لم تول هذا الجانب الانتباه المأمول نتيجة محددات دينية واجتماعية لم يكن لها تأثير سائد على عهد الحكم الشاهنشاهي. فيما بمستطاع جورجيا ان تنصرف كليا الى السياحة الفندقية لوجود طبيعة اخاذة نادرة على اراضيها تجمع الجبال والسهول والانهار والجداول، فقد وهبها الله ما لا يتوافر في جميع الدول ايضا، طقس معتدل على مدار السنة لاسيما في الليل، قياسا ببلدان تجاور حدودها. والملاحظ ان العاصمة الجورجية تقع وسط سلسلة جبلية تحيط بها من جميع الجهات. ولعل المراقب لتضاريسها يكتشف قدرة الانسان الجورجي على استثمار هذه الخاصية في تحقيق ابعاد جمالية للمدينة. فعلى اعلى قمة جبل تقع الكنيسة المركزية الشرقية، التي ادت دورا حاسما في انفصال جورجيا عن الاتحاد السوفياتي، وكذلك في تكريس نمط الولاء الديني، فمعظم افراد الشعب يدينون بالولاء المطلق لهذه السلطة الروحية التي تتدخل من خلف الكواليس في رسم العديد من السياسات الداخلية والعلاقات الخارجية. ان النظر الى مشهد المبنى الكنسي الشاهق يوحي بالهيمنة المطلقة، فيما يوجد معادل آخر لا تبدوالمصادفة فيه غير محسوبة، وهو مبنى الاتصالات الذي ينتصب برجه الشاهق فوق قمة جبل مقابله تماما. ويعكس هذا البرج الذي يضاء ليلا فيرسم صورة طيفية توحي بالسلطة والاقتدار ايضا، هيمنة وضعية للدولة. ان الارتفاع اذا ما قورن بمبنى الكنيسة لا يبدو متوازيا بقدر ما هو تعبير عن مقاربة السلطة الروحية بنظيرتها الدنيوية، لاسيما اذا اخذنا بالحسبان الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الحديثة والهوس الذي تظهره ميول جمهور الشباب نحو الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي. لقد اقام ملايين المستخدمين الجورجيين علاقات صداقة وتعارف مع اقرانهم في دول العالم وكان للعراق نصيب منها، وذلك عبر صفحات فيسبوك وتويتر. ولدى الجورجيات صداقات شخصية باكاديميين وناشطين عراقيين في هذين الموقعين.
تجربة جورجيا
اننا نحتاج الى قناعات حكومية للافادة من تجربة جورجيا في قطاع السياحة والخدمات البلدية. فالاولى تحتاج الى الثانية، بحكم ان الاستقطاب فيهما قوامه النظافة، فشوارع وازقة تبليسي نظيفة جدا واهلها متعاونون مع الأجهزة البلدية من منطلق الشعور بضرورة المحافظة على بيئة المدينة التي تنعكس على صحة الانسان وتجسد احترام الزائرين اليها. وهو مبدأ لا يتراكم الا بالتربية التي يتعين على مؤسسات التنشئة ان توليها الاهتمام، فضلا عن مؤسسات الرقابة الحكومية التي تحظى عادة، بالثقة وتمتلك سلطة فرض القانون عن طريق منع مظاهر الزحف على الاملاك العامة او احتلالها والسبب هو نزاهتها وشفافية الأداء. ففي جورجيا لا يستطيع كائن من يكون من احتلال شبر من الارض او التصرف به خارج المحددات المرسومة له، كما لا يجرؤ كائن من يكون على القاء اية كمية من النفايات الا في اماكنها المخصصة، وهي عادة ما توضع داخل حاويات بعيدة عن منازل المواطنين لمنع انتشار الروائح والحشرات، بمعنى منع اي احتمال لانتقال الامراض الى السكان. والغريب ان العراقيين انفسهم يضطرون الى ممارسة سلوك منضبط هنا فيما هم يمارسون اسوأ العادات والطبائع في بلدهم. مما يعكس ازدواجية في الشخصية سبق لعالم الاجتماع الكبير علي الوردي ان افاض في شرح سلبياتها السلوكية.
وليست تبليسي لوحدها تنفرد بهذه المظاهر، فاذا ما غادرت الى المدن الصغيرة، فانك تجدها اكثر نظافة من العاصمة، والسبب، كما يبدو، ان السكان معتادون على حماية مدنهم بتدابيرهم، وعدم الاعتماد كليا على الجهد البلدي في الحصول على الخدمات. اما قضية الحرص على ترشيد الكهرباء والماء فانها تتطلب وقفة ايضا. فلا يوجد اي شكل من اشكال الاسراف في الانارة داخل المنازل، وتظهر ربات البيوت قدرا اعلى من الحرص على الترشيد. ولقد تابعت سيدة سكنت في منزلها، اسبوعا، وهي تقوم باطفاء المصابيح التي انسى اطفاءها عند مغادرتي حجرة السكن او صالة الاستراحة التي خصصتها لتناول الافطار في الصباح. ولعلها ترى في ذلك ليس اسهاما في دعم الجهد الحكومي لتوفير الطاقة، بل وفي توفير قدر من المال الشخصي الذي يمكن ان يتوافر عن دفع اجور الكهرباء الاضافية. انه سلوك دأبت عليه جميع دول اوربا، وقد اعتادت على تأسيس قواعده بدءا من العائلة مرورا بالمدارس والجامعات والكتل والاحزاب السياسية. وقد حدثني وزير عراقي سابق عن اعتذار استاذه البريطاني الذي زاره في المنزل عشية العودة الى بغداد عن ابقاء مصباح واحد مضاءً، مؤكدا ان الاسراف عمل ضار بالمصلحة العامة. فلو ان كل واحد يطفئ مصباحا او يستغني عن قليل من طاقة فان الفائدة تعم منازل مواطنين آخرين. وذلك اعلان غالبا ما تقوم به الدول، في اطار حملات الترشيد التي تشجع مواطنيها على ممارسته اعماما للفائدة. فالترشيد سلوك يومي لمسته في جورجيا ويشترك فيه الرجال ايضا. فبعض الاحتياجات المنزلية يمكن تنفيذها او انجازها بالاعتماد على قدرات العائلة بدلا من الاستعانة بعامل ورشة او خبير يتقاضى اجورا باهظة. ولقد تولت النساء مهمات اصلاح عطل حنفيات المواسير او الشبكة البيتية للماء والكهرباء اعتمادا على عدة صغيرة محفوظة في مستودع المنزل.
وفي جورجيا ايضا يحترم ارباب العمل واجباتهم بشكل مطلق، فلا تذمر او شكوى، لان الاجر على قدر المشقة، وان تقديم الخدمات ينبع من ارادة وعقل مفتوح، يرى في العمل خدمة عامة وليست طريقا للاثراء اللا مشروع، فسائق سيارة الاجرة لا يلقي بك في منتصف الطريق او يعتذر عن ايصالك الى اية نقطة مهما كانت نائية. انه مستعد الى التطوع وتقديم الخدمة الى الغرباء من منطلق الالتزام باحترام انسانية الآخر وعدم الحاق الأذى النفسي او الجسدي به. وليس مستغربا انني طيلة مكوثي في جورجيا لم اصادف وقوع مشاجرة بين شخصين، ولم ار علامات عنف او اواجه سلوكا يلحق الضرر بأحد. فالجورجي يقبل اجورا اقل مقابل الرضا بتقديم خدمة اكثر. كما لم اجد اي نوع من الاحتيال في التعامل داخل المحال التجارية والمطاعم. فكل جهة منها تتعامل بمنطق العصر وفتوحاته التقنية. الحاسوب والاداء الالكتروني يقومان بواجبات فورية وجوهرية. لا تحتاج الى تدقيق الفواتير لانها تقدم اليك قبل ان تقدم على دفع (لاري) واحد. اما تقديم البقشيش فذلك مرهون برضا الزبون وليس كما يفعل بعض عمال المطاعم عندنا، يضحك اليك ويشكرك اذا دفعت اكثر ويكشر وتترسم على وجهه علامات الانزعاج اذا تجاهلت او نسيت تقديم مكافأة اليه.
الامر اللافت في جورجيا ايضا ان الشبان لا يهدرون اوقاتهم في امور غير مجدية او تافهة.فلم أر شابة او شاباً الا في اطار عمل يكسب عيشا منه او درسا يتطور بسببه ويضمن به مستقبله. وقد تتاح رؤية الشبان يلهون داخل الحانات او بعض المطاعم المجاورة للأحياء السكانية، ولكن هذا السلوك محدود وخاضع لرقابة ذاتية. لقد صادفت كثيرين منهم، ولكني استغربت انصرافهم في وقت مبكر. ولعلني اعزو ذلك الى ارتباطات تلزمهم بالمغادرة الى منازلهم بغية الاستيقاظ في الصباح للذهاب الى الجامعة او المدرسة او الى العمل. انهم يلهون ببراءة دون ايذاء او ازعاج زبون يشاركهم الوقت، كما لا تتدخل مجموعة (كروب) منهم في شؤون مجموعة تجاورها. وهكذا يتجنب الجميع الاحتكاك او الاستفزاز ويحافظ على الانضباط المجتمعي. بمعنى انهم يحترمون حريات الآخرين مثلما يمارسون حريتهم. كما لاحظت عدم شيوع ظاهرة تداخل الاعمار في هذا المجال، فالشابات يمارسن الحرية ضمن حدود اعمارهن، وكذلك الشباب، كما وجدت ذوي الاعمار الاكبر، اما يستغرقون الوقت مع زملاء لهم باعمارهم ذاتها او يركنون في زاوية ويمارسون الاستغراق والتأمل ويتناول الطعام والشراب بكل هدوء. انه نظام اجتماعي منضبط يحترم قوانين المكان ولا يخل بها. اما ابلغ اللغات التي يتحدث بها الجميع فهي الموسيقى، عن طريق فرقة تتولى العزف او مكبرات صوت تطلق اجمل الاصوات على انغام غالبا ما تكون غربية. ان هذه اللغة هي المشترك الوحيد الذي يجمع القلوب والعقول ويحول دون وقوع توترات نفسية. فالعالم يستطيع ان يتفاهم دون حواجز، اذا ما اختار الموسيقى لغة اليه. وبالمناسبة فان جورجيا تكتنز ارثا رائعا من الموسيقى والغناء. ولديها فرقة فولكلورية ذات حضور دولي تم تسجيل رقصات حية من الموروث الجورجي تؤديها في مواقع وصروح مفعمة بالجمال والخصوصية المعمارية. انها تجمع الماضي بكل ما يحفل به من الوان وازياء وقوالب مضمونية مع الحاضر، بكل ما ينطوي عليه من قفزات وحركات ايقاعية مغرقة بالحداثة. لقد تابعت تلك الفرقة وهي تؤدي لوحاتها المخزونة على محرك البحث (غوغل). وقد ساعدتني في الاطلاع المدهش سيدة جورجية حرصت على ان تقدم موروث اجدادها لزائر عراقي يرصد تحولات البلد بكثير من الانطباعات القلقة والحاسة الصحفية التي تبحث عن الجذور وتتبع المشاعر، رابطة النتائج والظواهر ببواعثها الثقافية والاجتماعية. انها تجربة تحمل كثيرا من متاعب الرصد بسبب الرغبة بتقديم المفيد من دروسها الى القراء في العراق والعالم العربي.
ولابد من القول ان الطبيعة الجغرافية لجورجيا لابد انها تلقي بظلالها على روح أهل البلاد، فضلا عما تعكسه من ثروة جمالية يمكن اكتشافها في ردود افعال الانسان أحيانا. وتحفل هذه الطبيعة بمناظر قلما وجدتها في ثنايا ارض اخرى. فالجبال مكسوة باشجار الصنوبر والبندق، خلافا لما هو سائد مثلا في جبال كردستان التي وان تمتد كسلاسل وتشمخ قممها في سماوات المدن، الا انها تبدو جرداء تعوزها الرعاية. وقد تكون سببا في جفاف المناخ وشيوع التلوث، انها فرصة لحث حكومة الاقليم للقيام بحملة لتشجير جبال كردستان. هي دعوة لاضافة لمسة جمالية الى ارض حباها الله بالنعم ومنح اهلها الصبر والجلد والجمال وروح التحدي.
اداء العمال
ان رصد اداء العمال غير الماهرين، أو (الشغيلة)، كما درج زعيم الحزب الشيوعي السوفياتي فلاديمير ايليش لينين على تسميتهم، يقدم صورة للإخلاص في تنفيذ الواجبات. وفيما تحصد الدول التي لا تتوافر على هذا القدر من الأداء، التراجع وسوء الخدمات، تتوافر للدول ذات الامكانات العالية فرص تقدم واسعة. وكنت اتابع، مصادفة ايضا، امام مطعم يقدم الاكلات السريعة وجل عماله من النساء، العملية التي يتم بمقتضاها قيام عمال النظافة بافراغ الحاويات المخصصة لجمع النفايات. ولفت نظري، اولا ان هؤلاء العمال هم من الشباب مفتولي العضلات او المتعافين. واظن ان اختيارهم يتم على اساس القدرة على تحمل المشاق التي يتطلبها العمل اولا وعلى اهمية استيعاب الواجبات لمتوسطي التعليم على الاقل. كما لفتت نظري قدرتهم على الانجاز السريع مقابل الدقة في عدم الحاق اي ضرر بالحاويات، وهي قضية تعني فيما تعنيه احترام المال العام وعدم اهداره على مستلزمات يتسبب احد في اتلافها او تدميرها في عاصمة مساحتها 350 كيلومترا مربعا.
وتذكرت كيف تنعدم عندنا هذه المعايير؟ وكيف هو حال الحاويات التي يتركها عمال امانة بغداد في عرض الشوارع اما مهشمة او لحق باجزاء منها الدمار والعبث. واعتقد ان الامانة اضطرت في شارع مثل الكرادة داخل الى استبدال ثلاثة انواع من الحاويات خلال عامين. العمال كانوا وراء استخدام نوعيات مصنوعة من المعدن بدل البلاستيك المضغوط المعتمد في حالات العمل الشاق. وللمقارنة المتواضعة فقط، فان عمال جورجيا لم يتركوا اثرا او يخلفوا بقايا من اوساخ وراءهم، فيما يعمد عمال الامانة الى نشر النفايات على اكبر مساحة ممكنة دون اكتراث لما قد يلحق بالبيئة من آثار سلبية. ان مناطق بغداد تنوء بتلال من النفايات والأوساخ نتيجة عدم الاخلاص في العمل وفساد الاداء البلدي. وكل ذلك يقف وراءه عدم ادراك المسؤولية في هذه المؤسسة لاهمية الوظيفة وطبيعة الواجب، فيلجأون الى تعيين الاحداث اوفاقدي الاهلية في مشاريع بلدية ذات طبيعة تتعلق بارواح المواطنين. ويتطابق مع ذلك امر سلبي آخر هو عدم تعاون الاهالي واصرارهم على ترك مهمات من هذا النوع الى الجهازالبلدي فقط فتتضاعف المعاناة وتتكرر عبارة (آني شعليه)!.
ويدرك الخبراء ان التخطيط للجمال لا يتطلب، في حالة المدن، تخصيصات كبرى فقط، بل يتطلب مهارة في الاداء ولمسة في التعامل. اننا نفتقد هذه العناصر نتيجة وضع اشخاص غير مناسبين في اماكن غير مناسبة! وغالبا ما تكون الخسارة جسيمة. لقد فقدنا جمال بغداد بهروب او انزواء الاختصاصيين القادرين على خدمتها. فقدنا محبي المدينة التي كانت في الخمسينات اكثر نظافة وذوقا وكانت مظاهر تقدمها الباقية شاخصة في الصور والوثائق والاذهان وهي عاصمة لبلد صاعد.
ولو ان تبليسي التي يبلغ عدد سكانها مليونا و158 الفاً تركت الى هذا المصير ايضا، لما استطاعت جورجيا ان تبدو بهذا العنفوان ولا تبدو مدنها بهذا الحسن الالهي ولا تقدّم الى خدمتها، عبر الاستثمار واستقدام الاحوال والارصدة، احد. وهذه قضية اخرى ترتبط جدليا بالسياحة والنظافة. فليس من المعقول ان يضع رجل اعمال او مستثمر دم قلبه في مجال مجهول المصير ومليء بمشاهد النفور وانعدام الذوق العام.
ويمثل تنظيف الشوارع والطرق الفرعية مهمة يومية شاقة اذ اخذنا في الحسبان انها مزروعة بالاشجار، وان هذه الاشجار تنفض اوراقها على مدار السنة وتجدد شكلها خلال الربيع، فيما تتخلص كليا من اوراقها في فصل الخريف. ولو انها تركت دون متابعة يومية لتعذر استخدام السابلة للأرصفة واستحال مرور المركبات في الشوارع. ان تلك المهمة منوطة، كما يبدو لطاعنات في السن يستخدمن مكانس نباتية بقوائم طويلة ليتسنى احكام السيطرة عليها، ودفع اكبر كمية من الاوراق في كل حركة. ومثل نساء جورجيا، ذوات القوام الرشيق، تبدو معظم اشجار شوارع العاصمة كذلك. ولقد صادفت احدى عمليات تشذيب اشجار شارع الكورنيش الجميل الممتد على طول نهر (التكواري) حيث يتولى العمال المؤهلون، عملية فصل افرع السيقان بواسطة مناشير كهربائية حادة وتقطيعها على هيئة رزم لرفعها في شاحنة متوسطة مستعدة لهذه الغاية مباشرة، ثم يجري تنظيف المكان بحيث يتعذر الكشف عن اية ورقة مهملة. ان الاشجار كالنساء الجميلات فارعات الطول، كلما بذلت جهدا في رعايتهن كلما حظيت منهن بالرضا والامتنان.
ان جورجيا التي خرجت من معطف الشيوعية لترتدي عباءة اقتصاد السوق، نجحت، حتى الان، في اعتماد التداول السلمي للسلطة وممارسة آليات الديمقراطية ومنها الانتخابات واحترام حقوق المواطنين في التظاهر وتأسيس المنظمات، الا ان هذه الآليات لا تعني بأي شكل من الاشكال السماح بالتمرد او الانقلاب على الشرعية او خرق قواعد وانظمة المرور.
ان مشكلة الدول التي تخرج من قبضة الدكتاتورية الى فضاء الحرية تتمثل بالفهم الخاطئ للتمتع بالحرية أو ادراك حدودها. فبعضهم يظنها انفلاتا وبعضهم الآخر يراها فرصة للانقضاض على حقوق الغير والحصول على مكاسب شخصية. ويراها فريق ثالث نوعا من الاطر الشكلية التي تتيح للأفراد، لاسيما اصحاب النفوذ ومالكي السلاح والميليشيات، الاستحواذ على الشهادات الجامعية والاملاك العامة وضرب سياقات التنظيم عرض الحائط. وربما شهدت دول الاتحاد السوفياتي السابق التي انفرط عقدها بعد العام 1992، ممارسات من هذا القبيل، بل ان زميلا لي مقيما في بلغاريا ابلغني خلال لقاء معه في موسكو قبل سنوات، ان ما حصل في بغداد والمحافظات مستنسخ عن تجربة عاشها في صوفيا. لقد استعدت ظروف وتداعيات الانهيار ومظاهر شيوع الفوضى وتسيد المافيات واللصوص والبلطجية على مقاليد الاوضاع الامنية، مما اضطر عامة المواطنين الى التحسب بوضع كتائب حديدية على ابواب منازلهم وشبابيكها، كاجراء حماية لعوائلهم وممتكاتهم. وقد راودني شعور بان ما تحدث عنه الزميل المذكور عاشته تبليسي في بعض ايامها. فقد ذكرتني رؤية الكتائب الحديدية على مداخل العمارة التي سكنت فيها وعلى ابواب الشقة التي تمتلكها السيدة الجورجية الام، الاوكرانية الاب، الانكليزية اللسان والثقافة، بما حدث عندنا لاسيما في اعوام 2004 وما تلاها. مثلما رسخت لدي الصورة عن الحوادث المؤسفة التي شهدتها عواصم من طراز بودابست وبراغ وصوفيا ووارشو. وهذه الاخيرة ضمت عراقيين منفيين كثرا التقيت بعضهم وتعرفت على طبيعة حياتهم ومسار اعمالهم وجذورهم في العراق، خلال رحلة شاقة قطعناها برا وجوا من بغداد الى عمان ثم عبر امستردام الى بولندا.
ان نظام الطوارئ هذا لا يعني بأية حال من الاحوال تعميم ظواهره على المواطنين جميعا، فالامن الذاتي تكرسه عوامل التنشئة وعمق القناعات والايمان بالمثل العليا. ومن مجموع الاشخاص الذين نطلق عليهم (خيرين) تنبعث القوة المجتمعية الحصينة التي تتحول الى آليات عفوية للنظام العام بغياب الدولة او انهيار عناصر مؤسساتها الدستورية.
تحولات سياسية
والسؤال الصعب الذي تواجهه الشعوب في مثل هذه التحولات السياسية هو كم تدوم مدة الانفلات؟ وكم تتحمل الدول من تبعات او اثار هذا الانهيار؟ فاذا كان نسيجها متينا امكنها تجاوز المحنة بارادة عقلائها ووضوح الهوية الوطنية لمن يتولون مسؤولية وضع الامور في نصابها او تعديل مسارات الاعوجاج، قبل الانحدار الى الهاوية. وربما كانت جورجيا من الدول التي امكنها تعديل المسار سريعا، والدليل ان جل الموجودات الثابتة فيها ظلت تعمل وتؤدي الدور والرسالة، خذوا مثلا متاحفها وكنائسها واثارها ومؤسساتها التعليمية. فهي لم تنهب او يجري تدميرها على نحو منظم أو سرعة اثاثها وقلع بلاطها وأبوابها، كما ظلت واجهات الخدمات العامة والتي كانت تعين او تساعد الفقراء على تدارك شؤون حياتهم بأوطأ الاسعار، تعمل دون توقف او تلكؤ، ولعل مترو تبليسي، العملاق الذي ينقل يوميا ملايين المواطنين، لاسيما صغار الموظفين والطلبة منهم الى اعمالهم، احد ابرز الممتلكات العامة النابضة بالحركة والقابضة على جمر التغيير نتيجة التحولات الزلزلالية التاريخية. فمن حافظ عليه؟ ومن ادرك ضرورات بقائه؟ لا شك في ان اولئك الذين يجعلون الشوارع براقة والارصفة نظيفة من اوراق الاشجار يمتلكون القدرة على حماية ممتلكات الامة.. ان ذلك تحقق بالوعي والاخلاص.
AZP02























