
مصطفى لطيف عارف يرصد قصائد شوقي عبدالامير
قراءة نقدية في شعرية السرد النثري
عقيل هاشم
صدور كتاب جديد للأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف -شعرية السرد النثري عند شوقي عبد الأمير-. عن دار امارجي للطباعة والنشر 2023 وهو كتاب نقدي متميز لدراسة المنجز السردي للأديب شوقي عبد الأمير, تأتي أهمية الدراسة من اهتمامها بالجانب التنظيري والتطبيقي لسرديات الشاعر ويومياته والمحاولة في الاسهام في الكشف عن عوالم النص النثري من خلال مستويات متعددة من المحاور
محور ثان
و قد تناول المحور الأول دلالة العنوان الجمالية و الفنية، و عالج المحور الثاني الشخصيات الأحداث ، كما تناول البحث علاقات الزمان والمكان انعكاسها في النص و التقانات الفنية الموظفة كالارتداد و الاستباق و غيرها، جاء في المقدمة الحديث عن شعرية السرد: في الدراسات الحديثة تتمتع الشعرية بأهمية خاصة كونها من أبرز مرتكزات المناهج النقدية التي تحاول استنطاق مكونات النص الأدبي وفق المنهج السيميائي التحليلي, وإبراز وظيفته الاتصالية والجمالية, ففي مجال السرد ارتبطت الشعرية بالخطاب السردي عن طريق الممارسات الإبداعية التي استطاعت أن تخرق الحدود وتولّد جملة من الانزياحات الفكرية المنغرسة في جذور اللغة, فاجتمع الشعر والنثر واليوميات السيرية في بوتقة واحدة. ومن أجل خلق نص حداثي يراهن على الإبداع ويتجاوز المعتاد, ويعيد بناء شكل ومضمون المنجز الإبداعي للناقد الأكاديمي الدكتور ( مصطفى لطيف عارف ), وهنا لابد من خوض غمار التجريب والتجديد, بأن يمزج الأديب ببراعة بين مجموعة من الأجناس الأدبية, بتعانق النثر مع الشعر مع أجناس أخرى, , فيجعل من أساسيات لغته التماهي في قالب جديد.وكشأن عدد كبير من الكتاب العرب، الذين أغواهم هذا النهج “شعرية السرد” او المنتج الأدبي-الشعري ،النثري المهيمن على صوت الإبداع، وجد الشاعر شوقي عبد الأمير في كتابه “يوم في بغداد” نفسه ، ذاك الأديب المثقف يبحث عن الحرية في زمن المتغيرات الفكرية والسياسية السلطوية ، فقد تقلبت كتابات “شوقي عبد الأمير” بين الاغتراب والموت وهموم المثقف المنخرط في أجواء الصراع العقائدي والسياسي الذي استوطن العراق، في محيط منذور للتشظي، والانكفاء على الطائفية والقبلية الصلبة والمتجددة .فوجد ذاته وقد أصابها العطب وحان وقت غربتها .اشتغالات الأديب شوقي عبد الأمير تنتمي إلى التّجريبُ كتقنية حداثوية , والتجريب مبدأٌ جوهريٌّ يقعُ في صُلب الإبداع الأدبي والفنّي بشتّى أجناسه وأنواعه وأشكاله، وهو يرتبطُ بمُغامرات “التّجريب الإبداعيّ”. غير أنّ مُمارسة هذا التّجريب عبر خوض مُغامراته الجمالية ،في مقدمتها تتوازنُ الذاتُ الإنسانيّةُ مع الحياة والوجُود.ولستُ أحسبُ أنّ لهذه المُحفّزات أن تتبلور إلّا بدفع من توافُرها الذّاتيّ على رؤية إنسانيّة معرفيّة مُستنيرة: للذّات، والواقع، والعالم؛ رُؤية مُتماسكة، ورصينة، وان الشعرية كما يرى الدكتور مصطفى : أن اللغة الشعرية تقوم بتمويه الواقع, بل تخلق مقاربات مجازية وجمالية لها وقعها المؤثر, فيصل محتواه الشعري إلى غرائبية أسلوبه السردي, فعندما نقرأ لــ( شوقي عبد الامير) تأسرنا جماليات اللغة فنتماهى مع عوالم من المجازات الكفيلة بإخراج النص عن نمطيته وكلاسيكيته.
وينتقلنا الناقد الدكتور مصطفى لطيف إلى مبحث آخر ,الحديث عن السيرة الذاتية في كتاب الشاعر “امضاءات” وهي يوميات صوت الكاتب في دفتر اليوميات كتبت في طريقة نثرية تتجاوز الأطر التقليدية, ولعلَّ من مزايا اليوميات السيرية أنها أحد مصادر الشهادات الأدبية على مرحلة ما، ومع ما تنطوي عليه من نزعة ذاتية ذات نبرة انفعالية في الكتابة، إلا أنها عادة ما ترتبط – أكثر من الشعر مثلاً – بالنزوع نحو كتابة تاريخ ما. و «يوم في بغداد» هو وعاء زمني يختزل الحضور المكثف للتَّاريخ بأشكاله المختلفة، ذلك أن يوميات الحرب لا تشبه يوميات السلام ولا أيَّام المنفى. من هنا يقترب كتاب شوقي عبد الأمير من تلك النصوص التي تقرأ المكان بتغيراته وليس بوصفه، بتحولاته لا بثباته، بل بانهدامه لا برسوخه. الكتابة فعل أنساني استثنائي لا يمكن الاقتراب من كل تجلياته وفهمه مهما امتلكنا من حس فني ، التي تجعل منه نصا، وتجعله واضح المعالم ،ان المقومات التي تحدد نصية النص ووجوده. بالعناصر البنائية التجاوز و العبور للثقافات والاشتباك والإبداعية, فان الكتابة تتجلى في النص، الذي يجب أن يمتثل، لمجموعة من المحددات، والمقومات,
(بغداد ترد بالحب , والعشق , والوفاء على كل مفردات الدمار , والموت , والرعب , بغداد تواصل أمام مرآة الحقيقة ترميم وجهها الذي مزقته وحوش كاسرة وإرادات عدمية جاحدة للفن , والحياة , والإنسان , تدربوا على هذه المسرحية في الشارع , في نفس المكان , أعدوها , وأخرجوها بقدر ما تسمح به الحال فقد تحملوا تكاليفها , ونذروا كل ما يملكون لإنتاج هذا العمل أقاموا كتل الديكور الذي كان بالألوان , والأشكال , والمناظر , والمؤثرات الطبيعية , لم يحتاجوا إلى فانوس سحري أو ألوان أو حيل فنية كما هو معروف اللون الأسود المتفحم والركام والأشلاء هي هي وكل ما تركته القنبلة وراءها ظل في أرضية المسرح..)اما عن البعد الاجرائي من (العنوان ,الزمان والمكان والحدث والشخصيات) جاء فيه.. يعد العنوان أول تجليات الخطاب التي يقابلها القارئ قبل أن يشرع في قراءة النص. ومع أن وظيفة العنوان الأساسية هي التحديد والتسمية، فإن دلالته تؤسس بصفته دالاً يتكمل بمدلوله، أو أفقاً يفتح المجال أمام توقع القارئ، او علامة ناجزة. فالعنوان هو العتبة النصية الأولى للنص، وتتجلى امتداداته وإشاراته من خلال سيمولوجيته السردية في الرواية، وهو الخاص بالعلامات التي تشير إلى أشياء أخرى، حيثي يحيل إلى أشياء قد يقصدها الكاتب أو يستشفها القارئ.ويومئ العنوان في كتابات شوقي عبد الأمير ، إلى العديد من الإشارات النفسية وأثره ذلك في الكشف عن دلالة الأحداث و ارتباطها بالبعد الفكري و الهدف الذي سعى الكاتب لتحقيقه .من خلال رصد دلالات الألفاظ و علاقاتها المتشعبة ، و أثر ذلك كله في المضمون الفكري و البناء الفني للنص، سعيا نحو ربط الطرح النظري للعنوان بالأدلة النصية ، اما عن الزمكان في نصوص الكاتب شوقي عبد الامير . لا شك أن «المكان» يعتبر الهيكل الذي يحمل باقي عناصر النص الإبداعي ومن خلاله يقدم الكاتب للقارئ باقي عناصر العمل الحدث والشخصيات .أن توظيف مكملات الزمكان الذي هو الحاوي للأحداث ويحتاج إلى مهارة خاصة ودربة, وقد نجح الكاتب من اسر قارئه بنصوص رائقة وممتعة.
مدارات جمالية
والناقد الدكتور (مصطفى لطيف ) يحاول في كتابه أن يكشف عن بنية توظيف الزمكان وخصوصيته في سرديات الشاعر شوقي عبد الأمير مما خدم دلالاتها الجدلية ؛ الحداثة والتراث، اقول الشاعر أتقن الانفلات من دائرة السائد المكرورة للأفكار الجاهزة، الى السعي مدارات جمالية .ولعل أول ما يسترعي الانتباه في هذه الكتابات هو مزاج الكاتب الواعي، مزج مابين التراث والحداثة ، متمثلا في قصائده العمودية والنثرية ، والتي تتخذ لها أبعادا وصورا واستعارات متباينة، عبر التنويعات النصية لمشروعه الابداعي.إن حسية هذا الشاعر في التأمل والتصوير جزء من موهبة التخيل لديه، فطبيعي أن ينتج شعره ظاهرة تصويرية جميلة آتية من ترحاله المتعدد والأمكنة التي شكلت لديه هواجس الحس والحلم والكتابة، ابتدأت من موطن ولادته سوق الشيوخ جنوب العراق ثم الناصرية ثم أور ثم بغداد وعدن وبيروت وباريس وروما ودمشق.
تلك الأمكنة صيرت من تجربة الشاعر شوقي عبد الأمير , عناوين وأنشطة وحياة حافلة بما ظل يشعر أنه الأداء الذي يلازم روحه وجسده وبدون قصيدة لا يستطيع أن يطيب منه، وربما عمله في المنظمات الدولية ذات الهاجس الإنساني والحضاري والفكري، ومنها اليونسكو، مكنته لينجح في مشاريعه الإبداعية في المنفى وفي بلاده.
يستعيد الشاعر سلالة المكان والشخوص فيما يشبه “السيري” ـ “الشعري” وأمام هذا الجحيم من الغياب، يصبح الوطن فقط ذاكرة للموتى بما فيها موطن الشاعر.تنوعت كتاباته من موضوعات الوجود . الموت: العدم
. وهو التجلي الوحيد الممكن من عوالم ترى، أو أسماء تحللت من مجازاتها، أو أمكنة فقدت قداسها أو ذاتا تمعن في الاغتراب. ذاته الحائرة بين الوطن والغربة التي شرعت مسارات الموهبة والابداع على احتمالات الاسترجاع التأملي لخلق عالم مصطنع يستدعيه في ليالي الحنين ما بين ثنائيات الوطن / الغربة – الحياة /الموت و-الرجل /امرأة .
من هنا نفهم كيف يؤسس الشاعر خطابه الجمالي من تلازم شعري -نثري مسترسل، وجدل في المضامين والقيم، ينطوي على ثراء مغر بالاستكشاف، فكلاهما ينهض على أصول، ويسعى إلى إعلان صور، بقدر ما يثوي أسرارا وألغازا؛ فالكتابة إظهار لوعي ذوات فردية، في صراعها وتواؤمها مع الآخرين، من الحب والكراهية الذي يكسب الأحداث والشخصيات دلالات .























