الزمان تتجول في تبليسي: جولة صراع استثمارية بين العراقيين والايرانيين والأتراك

(الزمان) تتجول في تبليسي (1)
عراقيو جورجيا يمارسون السياحة والإستثمار ويتصارعون على بيئة بكر مع الإيرانيين والأتراك
أحمد عبد المجيد
لا يحتاج العراقي للوصول الى جورجيا سوى الى تذكرة سفر يتم احتكارها من شركتين، الاولى جورجية والثانية عراقية مشتركة برغم ان جميع طواقمها هم من الموظفين السابقين لشركة الخطوط الجوية العراقية.
اما العاصمة تبليسي فهي مفتوحة على جميع الجنسيات، ربما باستثناء مواطني ابخازيا الذين تحتفظ بلادهم بسجل دموي مع جارتهم جورجيا، مبعثه الصراع الاثني الطائفي الذي شهدت وقائعه ارض الاقليم ذي الاغلبية الروسية.
وفور هبوط الطائرة في مطار تبليسي الصغير، قياسا بمطارات اوربا ومعظم دول آسيا، تواجه القادمين يافطات يبدو الشعار المخطوط عليها استثنائيا: (تبليسي المدينة التي تحبك) ولكن واقع الحال قد يجعل هذا الحب من النوع الذي يجلب الخذلان والملل.
هذا ما حدث معي مصادفة، فقد تأخر وصول حقيبتي على الحزام النقال نحو نصف ساعة، غادر معظم ركاب الطائرة (الجارتر) المقبلة من بغداد، وهي مليئة بالركاب العراقيين، بينما ظللت انتظر الحقيبة مع نوع من الاستغراب الممل. فهناك صديق بانتظاري وربما شاركني الاحساس ذاته، وهو خارج صالة المسافرين، ولم يعتد على حالة مماثلة، برغم انه كثير التردد على جورجيا!! وفور خروج الحقيبة من المنفذ المخصص شعرت بالارتياح قبل ان اجد على سطحها علامة حمراء فارقة، ما ان شاهدتها امرأة الامن او شرطية الكمارك، حتى طلبت مني الالتحاق بها. سرت وأنا اضرب اخماسا باسداس. فانا اعرف محتويات الحقيبة، وأوكد الا محظور فيها يتطلب الملاحقة او التدقيق. وبكل هدوء سرت وراء الشرطية الحسناء، التي اومأت لي بفتح الحقيبة. وشرعت هي بالتفتيش كمن يبحث عن رزمة مخدرات او كمية من المتفجرات. وقلت في نفسي لعل كلبا من كلاب التفتيش الشبيهة بتلك التي تتولى تفتيش حقائب المسافرين في مطار بغداد اكتشف شيئا. ولكني لم اشاهد حيوانا من هذا القبيل، فايقنت ان الاشعة تحت الحمراء في جهاز السونار كشفت محظورا ما داخل حقيبتي.
قلّبت الشرطية اسفل المحتويات ومدت يدها الرقيقة، ذات البشرة البيضاء كالحليب، وفتحت كيسا بداخله علبة حلويات وسألتني عنها. ولم تكتف بجوابي بل استلت شفرة من فوق سطح منضدة التفتيش داخل الغرفة الزجاجية ومزقت الورق الشفاف. كما توجهت الى حقيبة يدوية جرت عادتي عند السفر الى الخارج ان اضع فيها بعض مستلزمات عملي الصحفي، وشرعت بتفتيشها مشيرة الى كاميرا فوتوغرافية والى جهاز تسجيل صغير والى اوراق واقلام. لم تجد الشرطية ذات الجمال اللافت شيئا، وكنت اتابعها وهي تعمل بشعور التقدير لمسؤوليتها الأمنية. وانا ادرك ان امن البلدان يبدأ من الخارج وان ترك الحدود والتهاون في مراقبة المسافرين يسمح بتسلل التهديدات فينهار الامن. وربما يدرك معي منتسبو الاجهزة الامنية في بلادنا هذه البديهية، ولكن مع ذلك اراهم متساهلين غير جادين في تدقيق سجلات القادمين كما يجب مثلما هم غير جادين ايضا في تفتيش حقائبهم بشكل جيد. وتلك حسنة تحسب لهم ولكنها قد تتسبب باذى لبلدهم.
افضلية المرور
ففي مطارات العالم لا افضلية لحجي فلان او سيد علان، في اجراءات التفتيش ولا سماح بمغادرة طابور ختم الجوازات، كما يحدث عندنا في مطار بغداد. وربما هي رحمة من رب العالمين لتلك الدول انها خالية من الحجاج والسادة والا تعذر عليها بناء دول القانون والنظافة.
ان المسافر العائد مستعجل، في الغالب، يريد الوصول الى اهله باسرع وقت، ولا تهمه تبعات الافعال اللا قانونية والتقاعس. وبالنسبة لي، في مطار تبليسي، لم اصل الى صديقي بالوقت المتوقع نتيجة هذا الطارئ الذي صادفني.
غلقت الشرطية حقيبتي ورفعت منها اشارة (الخطر) الموضوعة على الحقيبة المشحونة، وطلبت جواز سفري ثم اتجهت الى جهاز استنساخ موضوع الى جوار منضدة التفتيش واستنسخت صفحته الاولى. واعادت الجواز تاركة لي الانطباع الاول الذي استخلصته من شعار (تبليسي المدينة التي تحبك). ولا أعرف بالضبط معنى هذا الاجراء ضدي ولكني استشعرت الربط بين التفتيش وموضوع نشرته (الزمان) على صدر صفحتها الاولى عشية سفري يشير الى (مافيات) في جورجيا تتولى اختطاف التجار العراقيين والمساومة على حياتهم عن طريق الاتصال بعوائلهم وطلب فدية. قلت لعله اغضب تبليسي فتعاملت معي بمثل هذا الجفاء.
هذا احتمال قائم، اذا ما عرفنا ان جورجيا مرت بمخاض سياسي صعب وان التوتر فيها مر بدورة الانتقالات الطبيعية الناجمة عن التحولات الكبرى في تاريخ الامم والشعوب. فقد خرجت من الكتلة الشيوعية وانفصلت عن الاتحاد السوفياتي السابق، اسوة بالجمهوريات الأخرى، ولكن مستوى الاحتدام فيها كان باهظا يوجب التشدد الامني احيانا والتحوط الاعلامي ايضا. وهي تنتظر نتائج انتخابات حاسمة ، بعد نحو شهرين، قد يودّع فيها الرئيس الحالي ميخائيل سأكشيفلي قصر الرئاسة المطل على نهر (التكواري) ويختزل بـاللغة الروسية الى (كورا) الذي ينبع من جنوب الاراضي التركية مقسما العاصمة الى جزءين او جانبين، وهو مصير مماثل للعاصمة العراقية التي يقسمها نهر دجلة الى جانبين هما الكرخ والرصافة. وهذا الأخير سبق ان رسم صورته الجميلة علي بن الجهم بقصيدة مشهورة (عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري).
عمليا تبدو تبليسي مفتوحة على مصراعيها لاستقبال شعوب العالم. ففي مركزها التجاري النابض (شارع رستملي) تصادفك اطياف من مختلف الجنسيات ممثلة بلغات وسمات تتقدمها الايرانية والتركية والعراقية لاحقا. وليس من الصعب تلمس حجم الوجود العراقي والايراني على ارض جورجيا، فثمة مكاتب تتولى خدمات الطيران والاقامة والتجول السياحي فضلا عن السمسرة بالعقارات. اما المطاعم فبرغم حداثة وجودها على خارطة العاصمة، فانها ترفع الاسماء العربية كأربيل او علاء الدين او نؤاس او الصياد وتغري السواح العراقيين بتقديم ما لذ وطاب من طعام بلدهم في بلد فيه مئات الانواع من الاكلات التي يدخل في صميمها عجين الحنطة. فالمطبخ الجورجي الشهي، متنوع مقبول النكهة، والأهم انه بسيط غير معقد كالدولمة او المسكوف مثلا. اما التمن او الرز فلا حضور له في هذا المطبخ الا لماماً، ولهذا يعمد المقيمون العراقيون الى شرائه يابسا ثم طبخه على طريقتهم. وترحب المطاعم العراقية بزوارها اما باختيار اسم دال او وضع العلم العراقي الجديد، مع الاشارة الى كلمة (حلال) لتطمين الزبائن الى عدم استخدام لحم الخنزير وان عملية الذبح تتم بالطريقة الاسلامية.
وصادف انني مررت من امام احد هذه المطاعم وكان خاليا الا من صاحبه، فبادر الى الترحيب قائلا (اتفضل استريح) ودخلت معه في الحوار وقد افادني بانه كان مقيما في سوريا نحو 11 عاما وانه اضطر الى المجيء الى جورجيا لمقتضيات الاوضاع فيها. وشاركته شعور الغربة واليأس الذي بدا واضحا في نبرات صوته وبريق عينيه.
ويتنافس الايرانيون، مع نظرائهم المستثمرين العراقيين، في هذا القطاع، ويبدو ان هجرة واسعة للجالية الايرانية شهدتها جورجيا، خلال القرن الماضي، اثر التغيير العاصف في شباط 1979. لقد ادى سقوط شاه ايران محمد رضا بهلوي الى هروب او نزوح منظم لمعظم اركان نظامه الى جورجيا التي تحادد ايران وترتبط معها بعلاقات تجارية واضحة، واذا ما غادرت تبليسي نحو الاطراف فانك تجد الطرق الخارجية تعج بطوابير الشاحنات التي تنقل المشتقات النفطية الايرانية مثلما تشترك في هذه المهمة شاحنات تركية تبدو بموديلات حديثة قياسا بنظيراتها الايرانية.
وعلى طول هذه الطرق تمخر او تمرق باستحياء شاحنات متهالكة ورثتها جورجيا من الحقبة السوفياتية، وظلت تعمل منذ نحو 30 عاما مؤدية غرضا تعجز البلاد عن الاستغناء عنه في كل الأحوال، اما سيارات الصالون القديمة من نوع فولكا وموسكوفيج ولادا فما زال بعضها بكامل (شبابه) او عافيته. فقد تعذر على السيارة التي تقلني تجاوز سرعة فولكا بهذه المواصفات برغم انها مستقدمة الى جورجيا في الثمانينات. وقد وصف السائق الذي كان يتحدث معي بالانكليزية هذه السيارات الموروثة بـ(مارسيدس روسيا) دلالة على متانتها وقدرتها على تحدي التقادم وتغير التصنيع.
تزدحم معظم مطاعم مركز تبليسي واسواقها بالعراقيين. انهم من الطراز الذي يهاب تجاوز حدود المكان. وبرغم ان الشركات السياحية التي تتولى تنظيم برنامج زيارتهم الى جورجيا مكلفة بواجب اطلاعهم على بعض المدن المحيطة بالعاصمة، الا ان كثرة الموجودين، يوهم بانهم لا يميلون الى الالتزام بالبرامج ويفضلون التجوال، مجموعات، تبدأ بثلاثة اشخاص وتصل الى سبعة، ربما هو نزوع الى الحرية المفقودة في بلدهم نتيجة الاوضاع الامنية التي قطعت اوصال بغداد وجعلتهم مستهدفين في نواديهم الرياضية ومنتدياتهم الشعبية (المقاهي) ومحالهم التجاربة ومراكز اعمالهم.
الى جواري في الطائرة يجلس بمقعد رجال الاعمال، شاب ظل يلهو بجهاز آي باد خاصته. ظننته ضمن المجموعة السياحية التي على متن الطائرة، الا انه صارحني القول بانه ذاهب لاستطلاع فرص الاستثمار في قطاع العقار في جورجيا، وانه مع اربعة من اصدقائه ينوون شراء سكن لعوائلم والانتقال نهائيا من بغداد. واضاف (يكفي اننا ضيعنا 11 عاما من اعمارنا بين الموت والحياة في العراق علينا ان ننهي رحلة القلق والعذاب).
صوت مرتفع
ولا يخلو منظر تجول المجموعات العراقية من مفارقة. فبعضهم يتحدث او يتحاور مع زملائه بصوت مرتفع فيصبح من السهل رصد مشاكله او المواقف المحرجة التي يمر بها، وقد يتضمن الحوار مفردات تنطوي على الغضب او اختلاف وجهات النظر او الوقوع في الابتزاز. كما لا يتعذر على احد ان يكشف عن وجود العراقي من خلال نوع الاهتمامات التي ينشغل بها، فهو في معظم الأحوال لا يزور معلما بارزا او قلاعا حضارية او مواقع تراثية او مدنا تنطوي على اهمية في السياق التاريخي لجورجيا.
فمن النادر ان تجد عراقيا ابدى اهتماما بزيارة مدينة كوري، مسقط رأس الزعيم السوفياتي السابق جوزيف ستالين، الذي اغرق بلده بالدم ولكنه اخرجها منتصرة بالحرب العالمية الثانية برغم سقوط ملايين الضحايا ووقوع خسائر هائلة. لقد محيت مدن باكملها وصمدت مدن اخرى كستالينغراد التي اعيدت تسميتها القديمة سان بطرسبرغ فكانت وراء هزيمة المانيا النازية. ان جل الاهتمامات في جورجيا، كما لمستها، هو ملاحقة النساء الجميلات ومحاولة استدراجهن وقضاء مواعيد عاطفية معهن. وهو حرمان يجعل العربي عموما مستعدا لقطع الاف الكيلومترات للظفر بامرأة.
ولكن المؤسف فان هذه الرغبة تصطدم دائما بالصدود والاستهزاء او الاستهجان ولاسيما ان العراقيين يستصعبون التفاهم مع البالغات فيلجأون الى (الصبايا) اللائي ينفرن من طرقهم في التعامل فيقفزن امام مرأى السابلة وكأنهن اصبن بلدغة افعى!
وهناك صورة نمطية سلبية يتعين تغييرها في اذهان السواح العراقيين عن شعوب اوربا الشرقية، ومنها ان معظم الجورجيات مستعدات لقبول المبيت او التحول الى بغايا باغراء المال نتيجة الطبيعة السياحية للبلاد، والتي تتطلب انفتاحا على السواح، وكذلك نتيجة تفشي الفقر والفوارق الطبقية داخل المجتمع الجورجي، واذا كانت هذه العملية قد سادت ابان الحكم السوفياتي واندماج جورجيا بالمنظومة الشيوعية، فانها اليوم، في ظل النظام (الجديد) تفاقمت بشدة. ان المجتمع الجورجي محكوم بنظام قيمي تكرسه الطبيعة الدينية المهيمنة. واذا كان الانفتاح يتجسد بشكل الازياء التي ترتديها الشابات وحداثة الموضة وانتشار النوادي الليلية لاسيما ما يعرف بمطاعم (البب) وسواها، فان النزعة الثقافية تتولى تطويق الجنوح الاجتماعي بسلسلة من مظاهر القيم والتقاليد، ومنها التشدد في اداء الصلوات وزيارة دور العبادة المسيحية ومراقبة اداء المتزوجات خلال العمل. وبالمناسبة فقداسة العمل ظاهرة ايجابية داخل المجتمع الجورجي الذي ورثها من عصور التربية الشيوعية ايضا. فالشابات اللائي يعلن عوائلهن ويستغنى عنهم من العمل، لاي سبب، يرفضن الانزلاق نحو الرذيلة في معظم الاحوال، بل قد يمارسن الاستجداء على قارعة الطريق او داخل عربات مترو الانفاق لكسب عطف الركاب، دون ان ينحدرن الى هاوية الرذيلة.
انها مخلفات العهد السوفياتي فيصعب اخفاؤها داخل المجتمع الجورجي، برغم مرور ربع قرن على تمتع البلاد بالانفصال ومن ثم الاستقلال والانضمام الى الاتحاد الاوربي، فهناك جيوش من النساء كبيرات السن مازلن يعملن بمهن صعبة، كتنظيف الطرق او بيع المنتجات الزراعية والمقتنيات المستهلكة في الاسواق الشعبية، ومازال هناك جيش منهن يعيش على هامش الحياة داخل الانفاق ويمارسن التسول او بيع اوراق الصدقات، ان منظرهن يبعث على الالم من منطلق الشعور بانهن مقطوعات عائليا وان النظام الجديد لم يسن قانونا لحمايتهن او يوفر لهن المأوى الكريم الآمن. وقد يكون استشراء الخلاف السياسي بين المؤيدين للخط الامريكي في ادارة الحكم ونظرائهم من المرتبطين بالمشروع الروسي الراهن، وراء تعطيل الاهتمام بهذه الشريحة وتركها عرضة للمرض والفاقة والتهميش ثم الموت.
اما اولئك الذين كانوا منتظمين في الحزب الشيوعي، ولاسيما القواعد الشعبية فلا يتعذر على مراقب اكتشاف مآلهم عبر سلسلة من المشاهد اليومية سواء داخل المدن او على هامشها. ويكفي لتوضيح احوالهم الاشارة الى مظهرين اثنين.. الاول الشيوخ الطاعنون في السن وهؤلاء يمضون يومهم بالتجول مشدودة عيونهم على مفارقات الحاضر بالمقارنة بما كانوا هم عليه في الماضي. ان نظراتهم تدل على الانكسار وان ملابسهم الرثة تعكس تواضع الامكانات وفقدان بحبوحة الوظيفة، وفي شارع رستملي الشهير وعلى رصيف مبنى حكومي متهالك ولكنه خاضع للتأهيل، يعرض عشرات الاشخاص رسوما تشكيلية او قطعا فخارية او كتبا مستلة من مكتبات مثقفين جورجيين غادرهم قطار الامل، وهؤلاء لا تعكس طبيعة السلع التي يبيعونها اوضاعهم المعيشية حسب بل تجسد قبولهم بواقع مفروض لا قدرة لهم على رفضه بالتقادم او التراجع عنه. انهم يقبلون ببضعة (لاريات) من العملة الوطنية يوميا، لتغطية نفقات المعيشة التي تسحق ماكنتها ملايين من امثالهم كل يوم، وأما المظهر الثاني فيتجسد باولئك الذين يعيشون مع عوائلهم ولكن ارتأوا قطع الصلة بالماضي كليا.
كبار سن
ويبدو الانتشار الملحوظ جدا للمشردين وكبار السن وصعوبة المعيشة نتيجة الفقر في المدن، وكذلك انصراف الحكومة عن تحسين تلك الاوضاع، ينذر بانتفاضة جورجية مقبلة، انني اؤكد هذا المصير من منطلق القناعة بان الدول التي تعجز عن احتواء شعوبها الرازحة تحت مطارق المرض والجوع ووسط فقدان البيئة الآمنة للعيش، تواجه مصيرا واحدا، وان الفقراء يختارون الثورة لانهم لن يخسروا شيئا منها سوى قيودهم. لا اذكر قائل هذا القول، للأسف، ولكنني اعرف انه انطلق من ثورات الكتلة التي اندمجت، مطلع القرن الماضي بدول الاتحاد السوفياتي. وهي ليست استعارة تاريخية مني ولكنها مراجعة يستحسن بالحكومة الجورجية تدارك اثارها وفهم ابعادها. ذلك ان على تبليسي ان تحب اهلها اولا قبل ان تفتح احضانها للقادمين من الاصقاع اليها. صحيح ان مصلحة جورجيا الاقتصادية تملي التظاهر بالحب، ولكن وجودها الاجتماعي مرهون به كذلك. فقد انهار السياج الحديدي وتم اطلاق الاستثمارات العقارية للأجانب لاستدراجهم للعمل في جورجيا. ولا شك في ان خطوة من هذا القبيل تفجّر ظواهر سلبية مؤذية للاقتصاد، ومنها الفساد الاداري والرشا. فأملاك كبار موظفي العهد السابق تم الاستيلاء عليها او تزوير سجلاتها، بغية الاستحواذ عليها، من لدن الطبقة السياسية الجديدة. اما الاملاك الباقية فقد دهمها الاهمال بحيث تحولت الى خرائب تشوّه معالم الحداثة في المعمار الجورجي السائد، وان نتائج هذا الوضع باتت تضغط، بشدة، على الاوضاع العامة بحيث اتسعت شرائح المهمشين من الشباب وكبار السن والجياع الخارجين من قعر المدينة. وهؤلاء لهم حكايات تتمثل في بيئة مليئة بالغرائب ومفعمة بالعلاقات المتوترة. اما الضحايا فيها فجلهم من الاطفال ومن اصحاب الحاجات الخاصة التي تستغلهم مرجعيات تتحرك باسم الكنيسة لبسط نفوذها السياسي وتعزيزه في مجتمع مازال يتصارع فوق حطام الماضي.
لقد أسهمت عوامل عديدة في استدراج العراقيين الى بيئة بكر كجورجيا، ابرزها تداعيات الوضع الاقليمي الذي املى على العراق الاقامة في نقطة اللا استقرار. ولعل معظم الذين وجدوا في سوريا محطة للاقامة، قبل ازمتها الراهنة، اضطروا الى اختيار ملاذات جديدة، ولم يجد اصحاب الاموال صعوبة في الانتقال، مع عوائلهم وارصدتهم، نحو جورجيا. واذا كانوا قد امضوا سنوات ما بعد نيسان 2003 في بلدان آمنة او كانت تتمتع بالحماية الامنية او النأي بالنفس عما يجري داخل منصات التحولات الكبرى، وشكلت لهم اموالهم اوطانا بديلة لوطنهم، فانهم اليوم وجدوا في جورجيا وطنا آخر. أليس (المال في الغربة وطن)؟ هؤلاء جاءوا بنية الاقامة الدائمة وبلوغ الغاية وهي، هنا، نقل مكاتب العمل وملاكاتها وعلاقاتها الارتباطية، فالاستثمار يفتش دائما عن البيئات الآمنة ولذلك قيل بحقه (ان المال جبان)، ومتى ما استشعر الخطر او تحسس بعض مظاهر التهديد، انسحب الى ساحة تستقبله بالاحضان. ولا شك في ان سوريا تحولت الى عنصر طرد بعد ان كانت عامل شد واستقطاب بعد غزو بغداد. وليس ثمة بلد اقرب الى العراق، جغرافية وظروفا، كجورجيا فالوقت، للوصول اليها، لا يستغرق سوى ساعتين بالطائرة، وهي بذلك اقرب من اسطنبول، التي تحولت من بيئة لاستثمار الاموال الى بيئة للاستقطاب السياسي المتورط بحوادث كل من العراق وسوريا ولبنان. ولقد تم تسليط ضوء ساطع على هذا الاستقطاب عن طريق المؤتمرات التي تعقد بشأن العراق وكثرة سفر كبار المشتغلين بالعملية السياسية وهجرة ملايين الدولارات الى اسواق تركيا المالية، فضلا عن تفضيل، معظم الناشطين العراقيين، اسطنبول في عقد مشاوراتهم وتشكيل تكتلاتهم والاتصال بالقواعد في الداخل. وهو امر يبدو مكشوفا او منزوع السرية التي تقتضيها بعض الصفقات السياسية. في وقت مازالت ارض جورجيا عصية على الكشف، وان بامكانها توفير الكثير من موجبات العمل السياسي المرتبط بالمال والصفقات السرية، لعقدين مقبلين من الزمان على الاقل. وحتى يحل ذلك فان موطن ستالين وساحة النفوذ الروسي التقليدي ستشهد نزوح موجات من العراقيين، اما باموالهم ومشاريعهم او بآمالهم واحلامهم المجهضة حيث تلوح في داخل كل فرد منهم الرغبة بالحرية الشخصية والامان وانسيابية المرور واحترام الكفاءات الوطنية وسقوط المشروع الطائفي البغيض.
ولا تفوتني الاشارة الى العامل الجوهري الباعث على هجرة العراقيين نحو جورجيا ويتمثل بالرغبة بالحصول على الوثائق الجورجية، مما يمهد للعبور نحو دول الاتحاد الاوربي قاطبة التي تعتمد مع المهاجرين والمطاردين لاسباب سياسية وانسانية معايير حقوق الانسان الدولية. وذلك طريق لا يمكن اجتيازه بالوسائل التضليلية وتهريب الاشخاص على نحو تقليدي، كشفت الدول العديد من اساليبه وخفاياه.
AZP02

 

حرصت على زيارة مسقط رأس جوزيف ستالين في مدينة كوري، وبرغم محاولة ثنيي عن هذه الرغبة بسبب طول المسافة، فانني رأيت ان تكامل انطباعاتي عن جورجيا لن يتحقق الا بهذه الخطوة.
تقع كوري او غوري على مسافة 100 كيلومتر من العاصمة تبليسي، وتصل الطريق اليها بالطريق السريع الدولي الذي يمتد نحو حدود تركيا الجنوبية، ولذلك فان رؤية قوافل الشاحنات التركية والايرانية تبدو طبيعية خلال مسافة الرحلة وهي تنقل المنتجات النفطية، وتحف بهذا الطريق المزارع والمراعي فيما تحوط به تقريبا سلسلة جبلية شاهقة. واللافت هو التنوع الهائل في الطبيعة، فثمة مشاهد تبدو فيها السماء الزرقاء الصافية خالية من اثر لغيوم او رياح تنذر بهطول امطار، وثمة مشاهد تغمر فيها السماء غيوم كثيفة سوداء مثقلة بالامطار ومنذرة بالرعد والبرق، وغالبا ما ترى هذه الغيوم على تماس حاد مع قمم الجبال الى درجة يصعب فيها الفصل بين الارض والسماء.
وعلى المسافة اياها، تقع مدن صغيرة ذات طبيعة زراعية ولكنها مأهولة بالمعالم العمرانية المتواضعة، واينما تشيد تلك المدن ترى اثراً لمجرى نهر (التكواري) الذي ينبع من الاراضي التركية. لقد احصيت نحو 12 مدينة من هذا النوع. اما الارض تفترش الطبيعة عليها سحرا من نوع متميز ينطبق عليها وصف ارض الينابيع الحارة. الاراضي الشاسعة الخضراء تدل على همة عالية يتصف بها المزارعون برغم اعتماد بعضهم على وسائل بدائية. وعرفت ان الجورجيين لا يكتفون بالحصول على محاصيلهم من اراضيهم، حسب وانهم لا يستوردون فاكهة من الخارج، بل ويعمدون الى تربية النحل للافادة من العسل. وساعة اضطررت الى تناول الغداء في مطعم يقع على طرف مدينة متشخيتا، فوجئت بأسراب النحل تشاركنا المائدة وتحوم حول الطعام، هابطة على قناني العصائر التي تقدم الينا. وكان السائق ديفيد الذي يتحدث بانكليزية سليمة يشرح لي، طيلة الطريق، ما يعرفه عن تلك المدن. انه مواظب على اصطحاب الزبائن من امثالي برغم انه قليل الكلام. ويشي هدوؤه المعتاد باحترام حدود مهنته. وهذا السلوك نفتقده نحن في الشرق، اذ يتحدث السائق مع الركاب كما لو انه في مضيف او انه مصاب بالفضول فيريد التعرف على بعض اسرارهم او انطباعاتهم، لاسيما السياسية منها. كان ديفيد من الطراز الذي لا يتدخل في الشؤون الخاصة. كما انه ينأى بنفسه عن الخوض في السياسة. وبدا انه مستعد لالتزام الصمت طيلة نحو ساعة، هي المسافة الى كوري اذا لم اوجه اليه سؤالا او اطلب منه مساعدتي في التعرف على موقع من المواقع. وهذه حالة مستحيلة او نادرة في بلدنا، فالسائق يتحدث اكثر من الراكب بل وقد يصدع رأسه بالاسئلة. وقد صادفت في بغداد امثال هؤلاء الذي يدسون انوفهم في كل شيء، بدءا من الاجرة التي يتقاضاها الى ذكريات طفولتي والواني المفضلة وانت من يا عمام! انها عادة بذيئة تسبب النفور والتوجس، وتجعل الراكب في قلق من الدوافع وراء الرغبة بالتدخل في صغائر الامور. واكثر ما يعاني من هذه الظاهرة السلبية النساء اللواتي تقودهن حظوظهن الى استئجار تاكسي مع سائق حديث نعمة او ثرثار.
ساعة لم اشعر خلالها بالضيق او الملل، وانا اتجه نحو متحف (الرجل الفولاذي) المشيد على طراز العمارة القوطية وسط مدينة تفتقر الى البهرجة وتصادم الرؤى، وتعيش بهدوء اسفل سلسلة من الجبال العامرة بالخضرة واشجار الصنوبر. وفي وسط ساحة لوقوف السيارات (بارك) تركنا مركبتنا واتجهنا صوب المبنى الذي يوحي بانه هيكل حكومي اكثر من اي شيء آخر. وقد لا يلفت النظر شكل هذا المبنى بقدر ما يبهر النظر امتداده على ضلع متنزه واسع تتوزع في ارجائه مصاطب يجلس عليها بتكاسل رجال تبدو عليهم امارات التقاعد او البطالة. او نساء يتطلعن بانظارهن نحو المجهول، كما ترصد العين من بعيد، بضع مصاطب اخرى تنتظر من يحجز له عليها مكان لتبادل المواعيد العاطفية.
وتحتاج الجولة في متحف ستالين الى قطع تذكرة لقاء رسوم بسيطة، غير ان ديفيد تعرف على موظفة في مكتب الاستقبال ساعدته في الحصول على تذاكر مجانية. كانت التفاتة جميلة منها دالة على فهم مستوى الرجل الذي يرافقه ديفيد. وكان قد سبقني الى المكان فريق سياحي امريكي مؤلف من مجموعتين، وآخر اذربيجاني تبدو علامات انتمائه السابق الى الحزب الشيوعي واضحة. لقد كانت هذه المجموعة المؤلفة من 3 اشخاص باعمار متقدمة، تتعامل مع موجودات المتحف بود نادر واتصال شبه روحي. وكان الواحد منهم يتحدث، كما فهمت، باعجاب شديد عن باني التجربة السوفياتية، في صفحتها الثانية في اعقاب وفاة الأب الروحي لينين وانتقال سلطة الحزب والدولة الى ستالين بعد مدة قصيرة امضاها سلفه فياتشسلاف ميخائيلوفتش مولوتوف.
حياة صعبة
ولد ستالين او جوزيف ميستاريونوفيش المكنى بالروسية جوغاشيفيلي في 18 كانون الاول 1878. وتزوج من زوجته الاولى خلال العامين 1906 – 1907 وخاض الرجل حياة صعبة سواء في طفولته ام صباه ام في شبابه ونشأته، ويحفل سجله كقائد ثان للاتحاد السوفياتي ورئيس وزراء له في 1941 -1953، بصفحات مجيدة، ليس اقلها دوره في قيادة البلاد ابان الحرب العالمية الثانية. وكان واضحا انه وقع بين ناري المانيا والمعسكر الرأسمالي، فاضطر الى مقاومة الغزو النازي والتحالف مع قوات الحلف الغربي. ومثل هذا الخيار الذي املته ظروف الواقع يبدو للبعض غير مفهوم، ولكنه تكتيك شرعي لعبور محنة المآسي والتضحيات الناجمة عن الحرب. وكان من الطبيعي ان يحرص موظفو المتحف على ايضاح دورة حياة هذا الزعيم بدءا من الاطلاع اولا على المنزل الذي ولد فيه ستالين. انه مبنى بسيط جدا وضيق مشيد من الآجر الأحمر، وقد يكون واحدا من أبسط مباني الطبقة التي تنتمي اليها عائلة ستالين المعدمة. فهو لا يحتوي سوى على غرفتين صغيرتين واثاث فقير من الطراز الشائع يومها. ولكن مازال بعضه يحتفظ بلمسته القديمة، برغم مرور نحو 70 عاما على استخدامه. وبرغم تقادم هذه السنين لا يصعب على الزائر تلمس طبيعة الحياة في منزل لا تتعدى مساحته 40 مترا مربعا. لعلني شعرت بانفاس افراده وكأنهم احياء يرزقون، او كأني استشعرت دفء المكان من خلال موقد بدائي يتوسطه. ان والدة ستالين تبدو حاضرة في كل جزء او زاوية. فيما لا يمثل غياب بقية الاسرة اية مشكلة. اما لماذا؟ فذلك ما تفصح عنه علاقة ستالين بها. واذا ما غادرت المنزل وقامت المرشدة السياحية بغلق ابوابه بقفل قديم، فان وجه الوالدة المحجبة بوشاح اسود يظل يلاحق الزائر، وهو يواصل الفرجة على اجنحة المتحف، ان صورها في بعض المراحل تنتشر هنا وهناك منفردة او الى جوار الابن، الى درجة تفسر طبيعة علاقته بها.
وتقول وثيقة: ان ستالين وفد في مدينة غوري في الإمبراطورية الروسية لإسكافي يدعى بيسو، وأم فلاحة تدعى إيكاترينا. كانت العائلة تعيش في وضع اجتماعي، يدعى القنانة وهو حالة من الرق أو العبودية.
يعد ستالين الولد الثالث للعائلة, لكن الولدين الأولين توفيا في مرحلة الطفولة نتيجةً المرض والفقر. أرادت أمه أن يصبح كاهناً وذلك علامة شكر لله لأنه نجا. كان والد ستالين مدمن على الكحول وكان دائم الضرب لستالين ولامه, وفي أحد الأيام دفع الوالد ابنه أرضاً ونتيجةً لهذه الضربة عانى ستالين من تصريف الدم مع البول لعدة أيام. استمر وضع الوالد بالتدهور حتى ترك عائلته ورحل وأصبحت أم ستالين بلا معيل, مع أن النظام الاجتماعي في جورجيا هو نظام أبوي. وعندما بلغ ستالين 11 عامًا، أرسلته أمه إلى المدرسة الروسية للمسيحية الأرثوذكسية ودرس فيها. عادت بداية مشاركة ستالين مع الحركة الاشتراكية إلى حقبة المدرسة الأرثوذكسية والتي قامت بطرده من على مقاعد الدراسة في العام 1899 لعدم حضوره الامتحانات وكثرة تغيبه. وبذلك خاب ظن أمه به التي كانت تتمنى دائما أن يكون كاهناً حتى بعد أن أصبح رئيساً. بعد تركه للمدرسة الأرثوذكسية انتظم ستالين و10 سنوات في العمل السياسي الخفي وتعرض للاعتقال، بل والإبعاد إلى سيبيريا بين الأعوام 1902 إلى 1917. ثم اعتنق ستالين المذهب الفكري لفلاديمير لينين، وتأهّل لشغل منصب عضو في اللجنة المركزية للحزب البلشفي في عام 1912. وفي عام 1913، تسمّى بالاسم “ستالين” وتعني “الرجل الفولاذي”.
علاقة حميمة
لقد كان يرتبط مع أمه بعلاقة حميمة جداً واعتاد أن يرسل لها رسائل يطغى عليها طابع الحنان والحب. لكن أمه لم تتقبل أبداً انه ترك مسار الدين والكهنوت. وهذا ليس غريبا في بلد يخضع لسلطة كنيسة يدين معظم شعبه بالارثوذكسية مع اقلية مسلمة قوامها 8 بالمئة.
وفيما تمضي بتتبع مراحل حياة ستالين ومحطات تأثره وتأثيره في محيطه المحلي والدولي، فانك تفتقد واحدا من اكثر الشخصيات قربا اليه قبل ان تتحول علاقته به الى حالة من العداء المستحكم والمطاردة الدالة على الانتقام.
اين هو تروتسكي اذن؟ سألت نفسي وانا اتجول داخل حجرات المتحف او اتوقف واطلق العنان لافكاري في بعض ارجائه، كدت اصرخ بأعلى صوتي: اين صوت الثورة المتمرد؟ ومن بين مئات الصور واللوحات التشكيلية التي توثق تلك الحياة الحافلة بالكتمان والاسرار والصعوبات، الناجمة عن بناء دولة عظمى، كنت اترصده كمن فقد عزيزا، واتتبع المشاهد لعلني اظفر بصورة واحدة لمفكر الثورة البلشفية واحد اعظم مثقفيها والمستشارين فيها. لا أثر له. فقد تماهى مع المقتنيات او توارى في الافق البعيد خلف غيمة مسافرة. ان بناء هذا المتحف، كما يبدو تم على عهد ستالين ذاته، وانه من الطبيعي ان يغيب دور تروتسكي وتنزع صوره عن المكان بوصفه ذكرى، غير سارة للرجل الفولاذي.
يضم المتحف ايضا لقطات للاعداد الاولى للصحف التي وثقت ثورة روسيا عام 1917 كما رصدت تقلبات الاوضاع على عهد زعيمها، وقد تصدرت (برافدا) هذا الجناح. كانت صور ستالين مع رفيقه لينين تصطف هنا وهناك ولكنها تكشف عن لغز واضح مؤداه ان منظمي المتحف او مؤسسي هذا الشريط الحي لمسيرة ستالين لا يرغبون بتقديم دور اكبر الا اليه. ولهذا ظلت صور لينين تبدو ثانوية قياسا بالرفيق الذي تولى نقل الاتحاد السوفياتي من مجتمع زراعي الى آخر صناعي مكنه من الانتصار على دول المحور والصعود الى قمة القدرة على الاستقطاب العالمي. انه باختصار باني الامبراطورية الجديدة على انقاض روسيا القيصرية الغارقة بالفوارق الطبقية والفساد.
ان هذه الدرجة من الاهتمام بدور ستالين الحاسم دفعت ادارة المتحف الى وضع مساحة خاصة للعربة الحديدية التي شهدت ابرز لقاءات ستالين بزعماء الغرب. الزعيم البريطاني تشرشل والرئيس الامريكي روزفلت. وقادتني المرشدة الى العربة صعودا فوق سلم من جزءين، الاول تابع الى هيكل العربة، ذاتها والثاني مكمل مصنوع من الحديد يتعرض للإهتزاز، بقوة لحظة وضع الاقدام عليه. لقد صممت العربة على هيئة جناح مؤلف من غرفة ضيقة مخصصة للمنام وحمام بسيط يؤدي غرضين، فضلا عن حجرة بقياس 2*3 مترات بمثابة صالة ضيافة مخصصة كمكتب مصغّر الى ستالين. هنا خاض الزعيم اصعب واثقل رحلاته بين الاراضي الشاسعة بحثا عن خلاص او نهاية للدمار والدم. مازال في بعض زوايا عربة القطار شيء ينطق وذكريات سياسية حزينة.
في عام 1912 تقول إحدى الحكايات إن فلاديمير لينين أطلق لقبا بطوليا على ستالين لأنه قام بإلقاء قنبلة يدوية على القيصر أثناء عمل ستالين في القصر مع مجموعة من العمال الذين كانوا يقومون بعملية طلاء للقصر، حيث قام ستالين بإلقاء القنبلة بين قدمي القيصر وتابع عمله كأن شيئاً لم يكن.
وقد تقلد ستالين منصب المفوّض السياسي للجيش الروسي في مدتي الحرب الأهلية الروسية والحرب الروسية البولندية، وتقلّد أرفع المناصب في الحزب الشيوعي الحاكم والدوائر المتعددة التابعة له. وفي العام 1922، تقلّد ستالين منصب الأمين العام للحزب الشيوعي وحرص على أن يتمتع بمنصب الأمين العام بأوسع أشكال النفوذ والسيطرة. وهنا بدأت الميول نحو القبضة الحديدية.
مبادئ تروتسكي
بعد وفاة فلاديمير لينين في كانون الثاني 1924، تألّفت الحكومة من الثلاثي: ستالين، وكامينيف، وزينوفيف. وفي مدة الحكومة الثلاثية، نبذ ستالين فكرة الثورة العالمية الشيوعية لصالح الاشتراكية المحلية، مما ناقض بفعلته مبادئ تروتسكي المنادية بالشيوعية العالمية. تغلب ستالين على الثنائي كامينيف وزينوفيف بمساعدة التيار الأيمن للحزب المتجسد في بوخارن وريكوف حيث نجحوا في طرد تروتسكي وزينوفيف وكامينيف من اللجنة المركزية في عام 1927، ثم من الحزب الشيوعي. وبعدها بشهور سعى ستالين إلى إضعاف نفوذ بوخارن واستطاع ازاحته من القيادة حتى أصبح هو القائد الأوحد. وتم ذلك بين عام 1928-1929. إلا أن ستالين لم يبلغ السلطة المطلقة إلا بعد التصفيات الجسدية التي حدثت في الثلاثينات من القرن الماضي.
هكذا اذن يتسبب الطموح الشخصي بتصفية رفاق الامس واحدا واحدا. ولكن اجنحة المتحف تكشف عن كم من الادوار تطلبت لاخذ ستالين موقعه الاخير في تاريخ العالم. احد هذه الادوار يتجسد في الأداء الفكري والثقافي. فهناك مجسم يظهر كفاءته في اخفاء مطبعة الحزب التي تولت طبع المناشير والبيانات المعادية للنظام القيصري والداعية الى تصفيته. انها ترسم صورة الرعب الذي يمتلك شيوعيا مكلفا بعمل يقترب من مهمة انتحارية, فداخل بئر عميق تغطيه سقيفة يمتد نفق عرضي يقود بعد ذلك الى حجرة ضيقة تحتضن ماكنة الطبع البدائية، لعلها تدار باليد او تصدر اصواتا فاضحة، ولكنها تنتج (سلعا) قادرة على اشعال النيران وتفجير داخل بؤس الواقع الروسي. هكذا يعمل ستالين ويتولى توزيع الادبيات. وهكذا يشكل التحدي لديه منطلقا للثورة. فلا احد قادر يومها على المزايدة عليه. ولعله كان ينوي تقديم ادلة كافية على شهادة وفائه وجدارته للاجيال بالايعاز لبناء المتحف.
لم يحرص القائمون على هذا المعمار الوثائقي على كشف تفاصيل المسيرة الاولى لستالين، الا عبر بعض الصور تقدمه شابا يافعا او تلميذا في مدرسة، وباستثناء صورة واحدة لوالده كان معظم افراد العائلة على هامش حياة الزعيم لاسيما زوجته الاولى اكاترينا التي ماتت بمرض السل واسدل على صفحتها الستار بالزواج من ثانية.
تزوج ستالين مرتين، الأولى عام 1907 أي قبل قيام الثورة بعشر سنوات، ويقال أنه لم يكن لديه المال الكافي لعلاجها بعد أن أنفق كل ما لديه على الحزب وكان قد انجب منها ياكوف الابن الأكبر الذي حاول الانتحار، ذات مرة، ونجا ثم التحق بالجيش وتم أسره على يد القوات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية ورفض ستالين أن يميزه في تبادل الأسرى وقتل أثناء محاولته الهرب. اما زوجته الثانية فهي ناديا وقد تزوجها وهي ابنة السابعة عشرة عام 1917 وكانت شيوعية متحمسة ابنة أحد أصدقائه المقربين، كانت تدرس الهندسة، وقد انجبت له طفلين. رسميًا توفيت بسبب التهاب الصفاق، لكن يعتقد أنها قتلت نفسها برصاصة في القلب بسبب خلاف مع الزوج.
وانا اشكك بصحة هذه الرواية لانها تنسج تلفيقات في اطار الدعاية المضادة له، بقصد نزع الرحمة منه واظهاره بمظهر شيطان. وهو اسلوب ساد في حقبة الحرب الباردة حيث صورت الدعاية الغربية الزعماء السوفيت بمظهر الدكتاتوريين الخرفين الذين لا يرحمون مواطنيهم.
بعد دورة في اجنحة المتحف التي تضم قطعا من المنسوجات اليدوية الفاخرة التي تحمل صور ستالين وابرز الهدايا المقدمة اليه من زعماء الدول انذاك، يقودك المسار نحو فسحة يبدو فيها جلال المكان وهيبته واضحا، انه عبارة عن دائرة تتوزع على محيطها مجموعة من الاعمدة الرخامية يتوسطها تماما قناع برونزي لوجه ستالين. يبدو مسجى وعيونه مغمضة.. لفت نظري ضآلة الوجه قياسا بالهالة التي يحظى بها ستالين. لقد تم اخذ القناع بطريقة الاستنساخ التي ذكرتني بقيام النحات الراحل محمد غني حكمت باستنساخ قناع وجه استاذه وزميله الفنان الكبير جواد سليم. هي لحظة نادرة بادر بها لتخليد هذا المبدع الكبير. وتجري هذه العملية بطريقة التجبيس ثم تؤخذ نسخة معدنية عنها.
الرجل الفولاذي
المكان يلزمك بالتأمل في الوجه وقراءة تفاصيله الممكنة، برغم الضوء الخافت الذي تم استخدامه في اخراج المشهد. قلت هذه آخر اطلالة للرجل الفولاذي على الدنيا، وهذا هو الوجه الذي سيقابل به ربه، وهي سنّة يخضع اليها جميع بني البشر لا فرق بين غفير ووزير، فقير وثري ثراء قارون.
تقول وثيقة اخرى: انه في الأول من اذار 1953، وخلال مأدبة عشاء بحضور وزير الداخلية السوفييتي لافرينتي بيريا وخوروشوف وآخرون، تدهورت حالة ستالين الصحية ومات بعدها بأربعة أيام. تجدر الإشارة ان المذكرات السياسية لـ “مولوتوف” والتي نُشرت في عام 1993 تقول أن الوزير بيريا تفاخر لمولوتوف بأنّه عمد إلى دسّ السم لستالين بهدف قتله. وقد ذكرت المصادر الرسمية ان وفاته كانت نتيجة جلطة دماغية.
حنطت جثته ووضعت بجانب لينين في التاسع من اذار وبقيت حتى سنة 1961، عندما حركت جثته ودفنت بالقرب من الكرملين. لكن وبرغم ذلك وجهت اصابع الاتهام إلى أربعة اشخاص آخرين وهم أبنيه سفتلانا وسيرغي ووزير خارجيته فياتشسلاف مولوتوف إضافة إلى نيكيتا خروتشوف. لقد شاهدت هذا القبر خلال زيارتي الى الساحة الحمراء بموسكو في تموز 2009. كانت الابواب موصدة ولم تعد بالانتظار طوابير الراغبين برؤية الجثمان تأخذ دورها.
وقد قامت هوليوود بعد تصدع المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي بإنتاج فيلم حول حياة ستالين وشارك فيه كل من روبير دوفال الذي قام هذا بدور البطولة بادائه لدور ستالين إضافة إلى ماكسيمليان شيل الذي أدى دور لينين.
ان بقاء ابواب هذا المتحف مفتوحة على مصاريعها حتى اليوم ينطوي على دلالات عدة ويفسر، ربما، النزعة القومية لجورجيا في التفاخر بشخصية ولدت من رحم ارضها واسهمت في تغيير وجه العالم. وبرغم التحولات السياسية فان ستالين ظل، بالنسبة لجورجيا، مواطنا يستحق الاعجاب، وان المحافظة على اثره وتراثه ونقاء صورته، مهمة وطنية. لقد ادركت شعوب كثيرة اهمية قراءة تاريخ الشخصيات بمراجعة اثارها والرموز الباقية منها. ولعله من المفيد اشاعة ثقافة الابقاء على حقب التاريخ ورموزه وعدم اهدار مخلفاتها او تضييع الوثائق الدالة عليها. فهي، في النهاية، ملك للأجيال ومن العار على شعب الاستخفاف بتاريخه او انكاره او اخفاء معالمه، سواءا كانت في السلب ام الايجاب. لقد فتح المتحف كشكاً لبيع التذكارات الخاصة بهذه الشخصية المثيرة للجدل. ولم اهدر الفرصة او اهمل الذكرى، فأشتريت تمثالا صغيرا من النحاس لستالين وكوباً من الخزف موشحا بصور له والى لينين، فضلا عن كراس يحفظ بعض صوره. وها هي امامي ليس للنظر الى وجه ستالين، بل لاستذكار جورجيا التي انجبت شخصية بقامة هذا الرجل فازداد اعجابا بشعبها.
ويبقى ان المتحف الذي شيد، في الاربعينات من القرن الماضي، فوق اطلال منزل ستالين لم يحظ بأية زيارة منه، وظل مفتوحا الى الزوار سواء أكانوا ساخطين عليه ام معجبين به، كشخصية ملهمة.
AZP02