إعادة قراءة الفيلسوف الألماني الأشهر نيتشة وزرادشت وصولاً إلى إبن رشد

إعادة قراءة الفيلسوف الألماني الأشهر نيتشة وزرادشت وصولاً إلى إبن رشد

اريزونا -عباس الحسيني

ما إنْ يبحر المتتبع للفلسفة الكلاسيكية، حتى يكتشف السجال الأعظم، والذي بقي حديث النقاش والجدال لقرون ،

بقي نيتشه متصدرا لحلقات الدرس الفلسفي والنفسي ، بل وحتى الاجتماعي ولعدة عقود في اوروبا، حين ارتفاع مداخل البحوث الشكية ونيف قواعد التفكير الغربي ، وعبر الاحالة الى نمط الوعي الانساني المباشر دونا عن كل المدخلات الفكرية الاخرى

هيمن نيتشه بالياته العقلية على معظم نشاط الفلسفة في المانيا واوروبا والعالم وغدا نبيا للمتكلمين الجدد ، او السفسطائيين المحدثين وباعتماد لغة التشبيه العليا واساليب الاستعارة البلاغية، التي فككها فيما بعد ميشيل فوكو في حفريات المعرفة .

لقد أقدم الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه على اعتماد مدخلات رائد الموحدين في الوجود زرادشت الفارسي، عنواناً لمبحثه القرائي – الاستنباطي: والذي عنونه بطريقة درامية ،هكذا تحدث زرادشت، وربما كان كتاب المازداربا ، أول كتاب في الاستغراق الفلسفي ، الذي كتبه زرادشت خلال خلوةالـ 10 سنوات في الجبال ، مقدماً انموذجاً صوفياً وروحياً في التطهيرالذهني ، إذاً لا جنس ولا طعام ولا حوارات مع بني البشر . عاد زرادشت من عزلته بكتابه الشيق عن الظلمة والنور وجدلية الثنائيات ، التي ربماتطورت بعد قرون لتصبح ذات المبدأ في الدياليكتيك ، ومعامل السيرورة ،وهو ما جعل نيتشه يدشن عصراً جديداً ، تميز بلذة قراءة النص والتعالي الاصطلاحي ، الذي عمل نيتشه على جعله متدفقاً في إصداره ،هكذا تحدث زرادشت ، حيث الحوار الى الغابة مرة والى الأرواح مرةأخرى ، ومن ثم الذهاب الى قلب المقدمات وإحياء ثوابت فلسفية ، بدا وقتها غاية في الغرابة والإطناب وتداخل الاصطلاحات. لكن عشاق نيتشه من الألمان أنفسهم ، دافعوا عن عنصرية نيتشه وهوسه في تجاوز الذات الإنسانية، الى قراءة فصل القوة والبقاء للأصلح في المصدر المعاد فهمه من زرادشت، فهو يذهب الى أن الأقوياء والأذكياء في هذا الوجود ، ذكوراً كانوا أم إناثاً ، فإن عليهم أن يتخالطوا ويتزوجوا من الأغبياء والضعاف والفيحاء والملونين  والمدنيين في التفكير الإنساني، وذلك للحفاظ على مجموعة بشرية من الخوارق والاذكياء ، وهو الإشكال العلمي الذي وقع فيه نيتشه والمدافعون عنه، على حد سواء. فالصفات الوراثية تنتقل عبر عدة أسلاف ، حتى إننا نلاحظ أجيالاً تولد بذكاء محدود ، رغم عظم ذكاء أسلافهم ، والعكس ، واقع لا محال. تجاوز محاور الخطيئة العنصرية لدى نيتشه جعلت من محبيه ، كفيلسوف قومي، يلون باللائمة على فهم ادولف هتلر الذي طور نظرية صراع الافذاذ العرقية العنصرية ، الى حقيقة عسكرية أودت بحياة اليهود مع آخرين من قوميات أخرى ، ممن حسب هتلر ، أن بقائهم واختلاطهم مع العنصر الجرماني الفذ ، الجميل الملامح والذكي ، والضخم الجثة والمهيمن حوارياً وفلسفياً على البيئة العظمى في أوروبا، هو نوع من الخطر الوراثي، في أن يتماهى الفرد الألماني النقي الدم ،مع دماء آخرين وصفهم بكلمات لا تليق بآدميتهم.

زرادشت الفارسي المفترى عليه ، لم يكن إلا مفكراً كلاسيكياً بارعاً ، حوّل أفكاره الى كتاب نبي يعشق العزلة والتنظير. وكان من الشاهدين على عصر يعج بالسحر والشعوذة ومرافقة الجبال في بلاد فارس ، حتى دخول الاسكندر المقدوني الى بلاد زرادشت ، وإطلاقها لمصطلح الميغوس والتي ترجمت فيما بعد الى مجوس ، وكان تعني الساحر أو الناشط في مجال السحر والتسخير ، باللغة اليونانية القديمة. 100 عام وكتاب هكذا تحدث زرادشت هو الأهم في تقديم رؤية فلسفة محدثة الصفات ، ونقل، أن الجنود الالمان حملوه في الحرب العالمية الثانية ، بديلاً للأنجيل، للتأكيد على مبدأ التفوق الانساني  الذي ضمنه كتاب نيتشه.

فهل كان نيتشه مخادعاً لشعبه ، ولاعباً ماكراً على أوتار العصبية القبلية والتثوير القومي، مع أن جذور نيتشه كقارئ جيد للإنجيل ، وحاضر بشغف في كاتدرائيات ألمانيا في صباه ، وقراءته لأناشيد التقديس ، توحي بعكس ذلك، إلا أنه المثال الأخطر في تاريخ اخلاقيات الفلسفات الإنسانية في ضرورة حضور الضميرالإنساني في بينات التدوين، والتذكر أن زرادشت الأول ، أو النسخة المنقولة ، نبياً كان أم متصوفاً، فأنه كان يقدم اهورا مزدا، إله النورالهرمزي والذي اطلقت، شركة مازدا اليابانية على سياراتها ، كمدعاة r تاريخية لانتصار النور ، وكان تضميناً صوفياً من قبل زرادشت ، الذي وجد منحوتات الأساطير تدل على جدلية حتمية في احتدام الصراع بين قوى الخير وقوى الشر بزعامة اهرمان. حقق كتاب نيتشه شهرة عالمية ، ويعتبر من أهم كتب الفلسفة في التاريخ الإنساني ، وإن انطلى على لغة غريبة ، لم تعهدها كتب المتقدمين من المتفلسفين، من قبل حتى ظهور الجيل المتأخرالمنافي، كابن سينا والفارابي والراوندي وابن رشد.