
أدوارد سعيد و دومنيك إدة
صورة المفكر الناقد في سرد عاشقة – امير دوشي
قراءة الأطروحات الفكرية لإدوارد سعيد ,الهادفة الى الدفع بالنص الى مركز الصراع الثقافي-السياسي, تثير لدى القارئ سؤلا لائب : بالرغم من وجود مقولات فكرية ثرة عند مجموعة من الادباء والكتاب , على هامش الثقافة العربية من القدماء والمعاصرين, لماذا لم يتطور النقد الادبي عند العرب الى نقد فكري يبحث ويستقرأ النص والفرد والمجتمع ؟
قد يعود ذلك الى الفهم والمهمة التي كلف وقام بها الفكر في المجتمع والثقافة العربية , في الامس واليوم, وهي التبرير والتسويغ : التشريع للدولة السلطانية والملك الحاكم, أي التركيز على تقنين وتشريع سلطة الخليفة , مع اهمال , بل انكار, الدور الحيوي للفرد والامة , في عملية تدبير شؤونهما , بما في ذلك حقهما في اختيار من يحكمهما , وحقهما في عزله والثورة عليه ان تطلب الامر. فقد كان دور الفكر هو ايجاد مبررات للدين والسياسة, عبر اعلاء شأن الايمان بالعقائد والافكار, بصياغة البراهين على صوابها, اي القبول بالخطاب الفكري قبل تحليله ونقده, ومن ثم يكون التبرير الديني طريقا للتبرير السياسي وقبول معطيات وطروحات السياسة والخضوع للأمر الواقع. بل ان مفهوم التفكير والعقل , في اللغة العربية يفضي الى مثل هذه النتيجة.
جمع قوائم
“العقل” في اللغة: هو مصدر من عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلاً مَعْقولاً جمعه عُقُولّ، ورجل عاقل هو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلتُ البعيرَ إذا جمَعْتَ قوائمه، والعاقل جمعه عُقلاء. وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتقل لأنه إذا حُبسَ ومُنِع الكلام، ويقال أيضاً العقل: العلم، والدية، والحصن، كما يقال أيضاً العقل القلب. وأصل العقل الإمساك والاستمساك، مثال ذلك: عَقْل البعيرِ بالعِقال وعَقْلِ الدواءِ البَطْنَ وعَقَلَتِ المرأةُ شعرها وعَقَلَ لسانَه كَفَّه .
عملت الثقافة العربية، عبر تاريخها، على إقصاء المُختلف المبدع ، وعلى الحجر عليه بتهمة الزندقة ،وفقا للحديث «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار »? فيشتبك الدنيوي والديني، مع وضع الدين سابقاً على الأدب، في حين أن الأدب سبق الدين في كل الثقافات والحضارات، وهو سابقٌ، كما هي «ملحمة جلجامش » قبل التوراة، و الشِّعر الجاهلي قبل “القرآن”.
كتب الامام الغزالي في مقدمة كتابه( فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية) : “خرجت الاوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية الي في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية, مشتمل على الكشف عن بدعهم وضلالاتهم وفنون مكرهم واحتيالهم ووجه استدراجهم عوام الخلق وجهالهم ,وايضاح عوائلهم في تلبيسهم وخدعهم وانسلالهم عن رقبة الاسلام , وانسلاخهم وانخلاعهم وابراز فضائهم وقبائهم بما يفضي الى هتك استارهم وكشف اغوارهم.”. هنا المفكر يتبع السياسي ويسخر من اجل خدمة السلطة, عبر اضفاء الشرعية على الخلفية العباسي حينها .جاء عنوان الباب التاسع من الكتاب” في اقامة البرهان الفقهي الشرعي على ان الامام الحق في عصرنا هذا هو الامام المستظهر بالله حرس الله ظلاله.”.
الفهم الحديث للفكر والنقد على انه قراءة ومنظور للحقيقة, يسعى الى اثبات نسبية المعرفة وتعدد الروى , عبر تحليل وبناء العناصر المكونة للخطاب ونزع السلطة من تلك العناصر : سلطة التاريخ والمقدس.
هنا ندخل في موضوع علاقة الكاتب بالسلطة .هذه العلاقة قد تكون ظاهرة او مضمرة: انها التشابك والافتراق بين الكاتب مع سلطة الدولة او السلطة الدينية او الرأي العام او سلطة العائلة او سلطة المؤسسة او القيم الشائعة والاعراف السائدة والتقاليد. بل قد تكون السلطة الداخلية التي هي مضمرة لا نشعر بوجودها , لكنها كامنة هنالك في موضع خفي من الروح او الضمير او اللاوعي او الذاكرة. بالنتيجة يحتدم الصراع الصامت او المعلن بين الذاكرة والمخيلة الى صراع بين العقل الجمعي : بين السلطة الخارجية والبنيات الذهنية الممتدة عنها او المتقاطعة معها.
ففي سياق العلاقات الخفية والظاهرة بين تكوين الكاتب وتجليات السلطة يتشكل نسق ذاكرة الكاتب ووعيه .اذ ان ما يميز الكاتب هو الوعي الاجتماعي والدور الذي يلعبه بهذا الوعي: فالمعرفة الثقافية تقود الى معرفة او تشويه وطمس حقائق خطاب الصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي في المجتمع.
عن الانسان العربي الحديث, كتب إدوارد سعيد مقالا طويلا , نشر في كتابه تأملات في المنفى, بعنوان ” النثر والنثر القصصي العربي بعد 1948″. يذهب فيه الى ان الانسان العربي, في السنين التي سبقت نكبة 1948 , قد كان في <الحاضر> , وهو في انسجام مع <الماضي> ويتطلع الى إمكانات<المستقبل>. الحاضر , حينها, كان يعني الاسراع في مسيرة الاستقلال التي ابتدأت في مطلع القرن العشرين, حتى يتم الوصول الى المستقبل, الانعتاق من الاستعمار الاوربي ووحدة البلاد العربية , واستعادة العرب لدورهم الحضاري, بعد قرون من التصحر واليباب الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي تحت نير الحكم العثماني. هذا الحاضر هو الجسر الذي يتم العبور فيه من < الماضي> الى <المستقبل>. ثم حصلت نكبة 1948 فحطمت كل شيء . لم يكن النظام والشعب العربي قادرين على مواجهتها. و ذلك ما افضى الى تمزق العلاقة المتشابكة بين الازمنة الثلاثة في الحياة العربية. فقد تفكك <الماضي>, وتبعثر <الحاضر> وغاب < المستقبل> وانسد الافق على عتمة الخطر والقلق والشك. تحول الحاضر الى مكان غير مستقر لمواجهة القوى التي تريد انهاء المشروع العربي واقتلاع الهوية العربية , وادامة التجزئة والخراب. وبذلك اصبحت المهمة الاولى للمبدع هي وفقا لسعيد” أنتاج فكر ولغة يجسدان أرادة الدفاع عما هو مهدد بالانقراض في الحياة العربية”. كفاح لاستعادة الصلة بين <الماضي> و<الحاضر> و<المستقبل> في الحياة العربية. وبذلك تتحول الكتابة الابداعية الى <عمل تاريخي> اي <عمل مقاوم>.. وتلك هي المهمة التي سعى اليها سعيد بكتاباته : ” تغيير الواقع” بفكر نقدي, يحمل في طياته روح المقاومة , و قادر على ” الغاء المسافات بين اللغة والواقع”!!!.
-الكتاب
الكتاب , موضوع المقال, إدوارد سعيد ” رواية فكره” , بقلم الروائية والكاتبة اللبنانية دومينيك إدة، كتاب عن مفكر ناقد , كان شعاره ” قول الحقيقة الى السلطة”, السلطة بأشكالها المتعددة :السياسية والاجتماعية والفكرية. سياسيا, كان ادوارد سعيد عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني , البرلمان الفلسطيني, لكنه عندما وجد ان السلطة الفلسطينية قد جانبت الصواب في خياراتها السياسية , رفع سلاح النقد , وكتب “إن إصرارنا على الكفاح المسلح قد تحول إلى عبادة للمواقف العسكرية المبتذلة وللبندقية وللشعارات المستعارة من نظريات حرب الشعوب في الجزائر وفيتنام. وهذا التركيز جعلنا نهمل الجوانب السياسية والثقافية المعقدة والأكثر أهمية بالنسبة لنضالنا، ولنعب في مصلحة إسرائيل” وكتب كتاب ” أوسلو 2 سلام بلا أرض”, الذي فضح فيه خضوع منظمة التحرير للولايات المتحدة الامريكية وقبولها بالترتيبات التي تحكم على الفلسطينيين بدوام الاحتلال .فمنعت كتبه في وطنه الام .وفي ذات الوقت , كان يقرا نقديا حركات الاسلام السياسي , يقول :”في رأيي أن افكارهم حول وجود حكومة اسلامية تتسم بعدم النضج البالغ, وهي افكار لا تقنع أحدا يعيش في هذه المنطقة. لا يوجد من يأخذ هذا الجانب من برنامجهم على محمل الجد. عندما تسألهم, كما فعلت أنا في الضفة الغربية وغيرها: ما هي سياساتكم الاقتصادية؟ وماهي تصوراتكم عن محطات توليد الكهرباء والاسكان؟ يأتي جوابهم”: آه لازلنا نفكر في ذلك”. لا يوجد أي برنامج اجتماعي يمكن أن يوسم بأنه “اسلامي”. أني أنظر الى هؤلاء بوصفهم أبناء اللحظة الحاضرة, الذين يمثل الاسلام بالنسبة لهم وسيلة للاحتجاج على حالة الجمود الحالي وعلى عدم كفاءة الحزب الحاكم وافلاسه. لقد تقوضت السلطة الفلسطينية الآن دون ما أمل في اصلاحها , واصبحت فاقدة للمصداقية, مثلها في ذلك مثل بعض الحكومات العربية التي تعمل لصالح الولايات المتحدة.” وفكريا, كان منهج الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو , الاطار الفكري الذي تبناه سعيد في كتابه الاهم ” الاستشراق” ولكن عندما اكتشف سعيد لاحقا ان منهج فوكو يعيق ويحد من سلاح النقد , قال سعيد” فوكو كاتب السلطة”, ورؤية فوكو الشمولية للسلطة تقمع كل أشكال المقاومة ,فكره ومنهجه يقود الى معرفة آليات عمل السلطة لا من يدير تلك الاليات .انتقد فوكو ووجد الترياق من قيود فوكو في طروحات فرانس فانون.
الكتاب, ادوارد سعيد ” رواية فكره” بقلم دومينيك إدة، ب 224 صفحة, صدرت نسخته الفرنسية عام 2017, والإنكليزية مترجمة عام 2019 , سرد حميمي لحياة وفكر إدوارد سعيد. يعرض صورة شخصية وأدبية لواحد من أكثر مفكري القرن العشرين تأثيرًا ، كتبته صديقته المقربة وكاتمة اسراره. تقدم الروائية والكاتبة اللبنانية دومينيك إدة، عرضًا رائعًا وجديدًا لأعماله من أوائل كتاباته عن جوزيف كونراد إلى أشهر نصوصه ، الاستشراق والثقافة والإمبريالية. تنسج إدي روايات عن نشأة ومحتوى عمل سعيد ، وتطوره الفكري ، وتأملاتها الخاصة وذكرياتها الشخصية عن صداقتهما ، والتي بدأت في عام 1978 واستمرت حتى وفاة سعيد في عام 2003.
في هذه الصورة الحميمية والبحثية لفكر سعيد ، تواصل إدة الحفاظ على حوارهما رغم وفاته ، محاولة تحقيق السلام مع فقدان أحد زملائها الذي لا تزال تريد التحدث والاختلاف معه. من خلال الجمع بين التفكير الشخصي والابداع النظري ، والحزن والحداد والنقاش والمجادلة ، كتبت دومينيك إدة شهادة بشغف فكري عظيم.
-الخطيب فنان ساحر
الكتاب بثلاثة وعشرين فصلا, مرقمتا من دون عناوين. في الاول تقدم الكاتبة صورة لسعيد الخطيب الفنان الساحر, القادر على الاستخدام الماهر للسخرية والجاذبية و التناقض بالإضافة الى سعة الاطلاع والتكرار: “كان إدوارد سعيد مؤلفًا وخطيبًا غير عادي في آنٍ واحد ، وقد استمتع بنفس القدر الذي قدمه من تحويل فكره إلى شيء حي على مسرح.. استمتع بالوقوف أمام جمهور مزدحم ، والتحدث بصوت منخفض و سريع ، عيناه دائمًا يقظتان ، أحيانًا مرحة ، أحيانًا جادة – في كثير من الأحيان في آن واحد – النظر من خلال النظارات المستديرة الموضوعة في نهاية أنفه ، بين الحين والآخر يقوم جذعه بحركة سريعة من رقبته أو ذراعيه ، ويداه مصحوبة بعباراته بأصابع طويلة متحركة ، هو القادر على تحويل تحليل اقتباس جاف من أورباخ او أحدث اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين الى لحظة متعة.”. وتذهب الكاتبة الى وجود اكثر من نغمة للصوت في عمل سعيد ” شخص بارع كاتم لغضبه ، وآخر غاضب وعاطفي. وصامت عظيم. يبني هذا الصمت مثل السر بينه وبين نفسه ، بين إدوارد ، الوريث المتمرد للتاريخ الإمبراطوري ، وسعيد ، العربي الفلسطيني المصمم على أن يُسمع.” وفي نصوص سعيد التي غالبا ما تنتهي بعلامة ترقيم متنوعة من تعجب او استفهام او استنكار او نقطة , تعود الكاتبة الى قول ثيدور اندرو, الكاتب التي دائما ما يشير سعيد اليه ” “في كل علامة ترقيم يتم تجنبها بعناية ، الكتابة تشيد بالصوت الذي تكتمه.”.
تنقل الكاتبة قولا لسعيد ورد في كاتبه (البدايات) في تعريف الناقد “هائم ، ذاهب من مكان إلى آخر للحصول على مادته ، ولكن يبقى رجلاً أساسًا بين المنازل’”.
وتعلق بالقول “في هذه الكلمات ، نرى على الفور بذرة الصورة الذاتية ،الحماقة الكارهة للنساء – نقد سعيد هو بالضرورة ذكوري – والاستخدام القابل للنقاش لكلمة “لكن” لأنه من الصعب أن نرى كيف ينقل ما يأتي بعده أدنى تحفظ حول ما حدث من قبل”.
-الصوت
في الفصل الثاني , تصرح الكاتبة, منذ البدء, بان هذا الكتاب ليس كتابا عن علاقتها مع سعيد, التي بدأت عام 1978,لكنها في ذات الوقت لن تستبعد تلك العلاقة, تعود الى ذكرياتهما وحواراتهما بقدر ما تلقي ضوء على حياته وعمله الفكري. تقول ادة ” نحن نهرم عندما نكون صامتين , ونزداد شبابا عندما نتكلم.” ذلك ما دفعها لكتابة الكتاب والكلام. وحين تتأمل موضوع الكلام والصوت تصف كلام و نبرة صوت سعيد “.من الممكن تخيل أعمال باسكال أو كانط بدون أصواتهما ، لكن ليس الامر كذلك مع أصوات نيتشه ولاكان ,ولا صوت إدوارد سعيد, الشفوية مركزية في عمل سعيد. كتاباته تتحدث. علاوة على ذلك ، في عمله ، ترتبط فكرة البداية بفعل الكلام. في كتابه الأول – أطروحته عن كونراد – يحاول صوته أن يجد نفسه ، مختبئًا وراء صوت المؤلفين الذين يستشهد بهم ، لكن يمكننا بالفعل أن نقول أنه سيتم سماعه. في البداية ، له نبرة المعلم الذي ينقل المعرفة خلف الأبواب المغلقة. قرب نهاية الكتاب ، في الفصل الخاص بـ Vico فيكو ، يصبح أكثر سياسية ، وأكثر شخصية. تزداد قوته بشكل كبير مع نشر كتاب الاستشراق ، الذي يبدأ بالرد الذي يوجهه صوت سعيد إلى “الصوت الاستبدادي” للورد بلفور. “السلطة” المرتبطة بـ “المؤلف” هي مفتاح هذا الكتاب وتلك التي تليه. ما هي المعرفة التي “تخول” الهيمنة أو سلطة شعب على الآخر ، رؤية واحدة على أخرى؟ ما هي المعارف الأخرى التي يمكن استخدامها لتفكيك استنتاجات الأول؟ كل عمل سعيد مبني على هذا المنهج المتناوب. إنه حاضر في كل من صوته وفكره. نبرته وحجمها تختلف من موضوع إلى آخر. بناءً على التوزيع المستمر وإعادة التوزيع للنقاط التي ستتم إزالتها أو مراجعتها ، فإن طريقته دائمًا ما تتضمنه كشخص عيني. في كل مرة يناقش فيها رواية ، أو عمل نقد ، أو أوبرا ، أو حدث تاريخي ، يضع سعيد نفسه في المناقشة. استخدامه الساخر والنقدي لكلمة “نحن” و “هم” عندما ينتقد السياسة الإمبريالية – يتبنى عبارة “نحن الأمريكيين” ، والتي تعد بمثابة حجة وفي الواقع ركيزة أساسية لفعاليته الخطابية, و “نحن الفلسطينيين أو العرب” الذي يربط ماضيه بحاضره ويمنحه سلطة فكرية وملجأ عاطفيًا – ينقل تعدد الروابط ووجهات النظر التي تلزم قرائه بتتبع خطواتهم لاتباعه. يتماهى مع مجموعات مختلفة في أوقات مختلفة ، ويؤسس مقاربة بلاغية تجعل ما يقوله ذاتيًا من أجل الوصول إلى مخيلة قرائه وإقناعهم. فلقد كشف عن الخداع والخطر الكامنين في “نحن” المتفوقين فيما يتعلق بـ “هم” العالم الثالث الاقل شأنا. في الوقت الذي يسيطر فيه ترامب على الولايات المتحدة ، يكشف الإدراك المتأخر عن الأهمية الاستثنائية لكلماته”.
-الصورة
في نهاية الفصل الثاني, تحاول الكاتبة قراءة صورة سعيد, التي غالبا ما تظهره : “غامضا ، شريرا الى حد ما ، في مكان ما بين نجم سينمائي ومفكر مأساوي. ومع ذلك ، كان لديه أيضًا شيئا من الطفل المؤذي إلى ما لا نهاية ,فضولي ، ومستعد للضحك والخداع ، مما جعله يفوق ما كان عليه ، إن لم يكن أكثر ، من المفكر الذي يتمتع بنظرة ثاقبة التي نراها دائمًا.”. تذهب الكاتبة الى ان ذلك يعود ” جزئياً الى قيامه بالتظاهر وتجميد صورته وإفراغها من العفوية. لماذا ؟ ما هو مصدر هذا المنع الذي كان مضللاً أيضًا؟ هل كانت طريقة للدفاع عن نفسه ضد العيون المجهولة من خلال عدم إظهار أي شيء من خط الصدع الداخلي الذي أوقعت به عن التوازن؟ على عكس المظاهر , لم يكن سعيد يحمل نفسه غرورا عاليا. كان الوعي بقوة جاذبيته مهددًا باستمرار من قبل الشعور المعارض لكونه شاذا، وليس كونه جيدًا بما فيه الكفاية. تجلا الامران معًا في وجهه في تناوب مفاجئ من الفرح والاكتئاب جعله فريدًا. كتب كامو في كتاب السقطة أن كلمة “’سحر” هي طريقة للحصول على الإجابة بنعم دون طرح سؤال واضح”. يكمن سحر إدوارد في شيء آخر أيضًا – الطريقة التي كان يعزف بها فكره مثل آلة موسيقية. في رأسه كان يعزف على البيانو. صوته ، مزاجه ، يديه – في بعض الأحيان مسترخية ، وأحيانًا بسرعة البرق – التغييرات المفاجئة في انتظامه ، في الواقع حضوره المادي بالكامل ، مارس قوة سحرية في تهدئة الشك أو العداء . حتى عندما يكون مستلقيًا ، كان لا يزال يقظًا ومسيطرًا. تستمر ابتسامته لفترة أطول لأنها كانت مكبوتة وبالكاد مرئية ، وتدوم على وجهه مثل نغمة موسيقية مطولة. كانت تتلاعب حول شفتيه أو ربما حول أسنانه ، والذي كان يضغط عليها بشكل واضح ، مترددًا بين الانتهاء والتكرار. عندما امتدّت ابتسامته وانتشرت ، بدت أقل على فمه منها في عينيه. كانت توترا كنوع من الاتفاق السري بين الفكر والحق في الحب .”
– فوغا fuga والاستعارة والكتابة
في الفصل الثالث تصف الكاتبة مشروع سعيد الفكري “يجري كل مشروع سعيد الفكري ذهابا وايابا انطلاقًا من مستقبل يتم تجميعه تحت أنظار الماضي الذي هو أيضًا في حالة حركة – التقاط عقدة الخيط السابقة في التالية ، في توافق موسيقي – فوغا موسيقى ، حيث يتم تحويل السوابق بشكل أو بآخر عند إعادة إنتاجها. مشروطًا بإدراك العودة الذي يحدث من خلال التذكر المستمر لأفكار البداية ، فإن كتابة سعيد مبنية على شكل فوغا . مع الفواصل التوافقية الناتجة عن إدخال البعد السياسي للحاضر في النتيجة البازغة. والنتيجة هي أسلوب كثيف ومشدود ومتكلف في بعض الأحيان يطور أوجه التشابه داخل نسق رصين ومُحكم نسبيًا ، ومن سماته الغياب”
فوغا : فوغا (باللاتينية: fuga = هروب) هو صنف من التآليف الموسيقية الغربية. يعطي الانطباع للمستمع بمشهد هروب ومطاردة عن طريق الدخول المتتالي والمتعاقب للأصوات وتكرار نفس المقطع، ويضم هذا الأخير ثلاثة أجزاء هي: العرض، التطوير، و«ستريتي».
وتشير الكاتبة الى ان كتابات سعيد ” مثل الفوغا , خالية من الاستعارة او يوجد القليل منها.”. وتقرا الامر على النحو التالي ” سعيد لا يلجأ إلى البدائل في عرض قضيته. المقارنة هي موضوعه ، وليس جانبًا من جوانب التعبير أو التلاعب الذكي بالألفاظ. والنتيجة هي أن كتابته بدون استعارات هي في حد ذاتها استعارة للفكر الذي يتم تحديده على ألا يتباطأ أو يشتت انتباهه أو يمتصه ، وألا يكون محبوسًا في نظام ، ولا يتنازل عن صوته إلى صوت الأقوى. ومن النادر ألا تلمح كلماته إلى تهديد سواء أكان داخليًا أم خارجيًا. إن لحظة هروبه محدودة ، على عكس لحظة بروست ، على سبيل المثال ، المعلم المثالي للهوس والدعوة المتزامنة لأزمنة مختلفة ، والذي تتردد في كتاباته سلسلة من الاستطرادات والاستعارات بعضها البعض. في كتابات سعيد ، تتم مقارنة الأفكار بالأفكار ، حيث تتم مقارنة المؤلفين بالمؤلفين في الوضع الخطابي. يجد أنه من الأسهل الوصول إلى الأعمال الداخلية للمشاكل أكثر من الحيوات ، فإن تمثيله للآخر ينطوي على مواقف بدلاً من المشاعر. يجب أن نلاحظ ، بشكل عابر ، أن عمل سعيد مكتوب بالكامل باليد. إنه ينتمي إلى القرن العشرين، من فرويد إلى أويرباخ وسارتر وأدورنو وفوكو أفكارهم مكتوبة بالحبر على الورق. بمعنى آخر ، إنه ينتمي إلى زمن ظل مرتبطًا بفضاء مادي أثناء كتابة الكلمات. هذه الحقيقة ، مع الآخرين ، تضع سعيد في الحداثة بدلاً من ما يعرف باسم ما بعد الحداثة “.
– جوزيف كونراد
في الفصل الرابع تقرا الكاتبة علاقة سعيد بجوزيف كونراد . تقول “” أود أن أقول إن فكر سعيد , مثل كونراد, متجذر في السؤال: التحقيق في موضوع حدث بالفعل بداخله دون علمه. في حالة سعيد ، هذا “الشيء” فكري ، يتعلق بالحياة التي يتم التفاوض عليها من خلال الفكر. يعرض الموضوع بشكل مختلف: “البداية كزهد بدائي لها المثابرة المهووسة في العقل ، والذي يبدو في كثير من الأحيان منخرطًا في فحص بأثر رجعي لنفسه”. بحيث يصبح العقل بالنسبة لسعيد مكان نقل رواية لا كتابتها وتفسير الرواية التي كتبها شخص آخر ، الامر الذي يمتصه بالمعنى الكامل للكلمة ، ويتحدث إليه ويجعله يتصرف ، من خلال مخاطبة نفسه بشكل مباشر. بالطبع ، يمكن أن يكون هذا النداء إيجابيًا وسلبيًا في آنٍ واحد. يصف بسهولة هذا اللقاء الذي حرك فكره بأنه “نقطة سحرية تربط النقاد والعمل المنتقد”. إن القول بأن كلمة “سحري” كانت غير شائعة في كتاباته سيكون بخسًا. إذن ، ما هي النقطة السحرية التي ربطت سعيد بكونراد؟ كتب سعيد عن “تحقيق شراكة حميمة بين الناقد والكاتب ، يكون فيها كل منهما جزء من الآخر”.
تعتقد الكاتبة ان أعمال سعيد بأكملها هي بناء الأنا المنضبطة والحازمة والاستبدادية التي يطاردها الخوف من الفشل. وتذهب “الى إن -النقطة السحرية- في لقائه مع كونراد تتعلق جزئيًا بإحساسهم المشترك بالخزي والذنب ، ورغبتهما في التفاوض على مخرج قائم على الصرامة الأخلاقية . كونراد كرجل يمكن أن يعتمد في وقت واحد على حياته في البحر وحياته ككاتب ، واقع وخيال ، فكر وعمل. عند تطبيقها على إدوارد ، يمكن رؤية الازدواجية نفسها على كل المستويات تقريبًا: الأدب وعالم الأفكار والموسيقى والسياسة ، ومسيرته الأكاديمية وتمرده الشخصي. واختياره أن يكون مؤولا وليس مؤلفًا أو ملحنًا مرتبط باختياره لتجاوز النقد بحد ذاته ، للسماح للتفكير الإبداعي بالظهور وان يحمل اسم الاستشراق ، مثل الرواية.”
-اليساري
في الفصل الخامس , تنظر الكاتبة في موقف سعيد الطبقي وتقول”
كان سعيد يساريًا بمعنى أنه انتقد معطيات التفاوتات الاجتماعية والعرقية والطبقية. وبمعنى أنه أكد على قوة الإرادة لمكافحة الظلم والمصير ، وايجاد فرص ووسائل متكافئة للجميع وتحقيق إدارة غير رأسمالية للثروة. ومع ذلك ، تظل كتاباته غامضة فيما يتعلق بالاستجابات الملموسة والترتيبات التي يتعين وضعها. على عكس صديقه تشومسكي ، خصص سعيد مساحة ضئيلة للأفكار الاجتماعية والاقتصادية وللحرب ضد الليبرالية. عندما يذكر سعيد الصراع الطبقي ، فهو في التقليد الفكري لكاتب مثل غرامشي ولوكاش وليس علاقته بالواقع نفسه. من الواضح أن معركته تتركز على الهيمنة على عالم وثقافة أخرى ، بدلاً من الهيمنة على الطبقة. في الواقع ، كان مهتمًا بمكافحة الهيمنة العنصرية أكثر من اهتمامه بالقضايا الاجتماعية. تعكس الأولى بشكل أفضل القصة التي كان عليه أن يرويها “.
– ضعف التفكير النقدي
في الفصل السادس تسال الكاتبة :لماذا تخلف العرب؟ وتتأمل الامر على النحو التالي:” التاريخ العربي الذي كتبه العرب بطيء جدا في التطور النقدي .ويساهم التفكير وعناصر الرقابة الذاتية وسير القديسين أيضًا في التشويه المقلق للغاية لوجهة نظر الشرق إلى الشرق. ونظرة الشرق للغرب. لا ينبغي أن تجعلنا النظرة المشوهة للعالم العربي الإسلامي التي قدمتها العديد من المؤسسات والمصادر الإعلامية الغربية ننسى أن نقل المعرفة من قبل المدارس والإعلام والمؤسسات في الدول العربية كارثي ، لا سيما فيما يتعلق بتاريخ العنصرية بين العرب. العنصرية هي كلمة ضعيفة للغاية لوصف ثلاثة عشر قرنا من العبودية وتجارة الرقيق التي أذلت واخصت وقتلت سبعة عشر مليون شخصا افريقيا. كم جامعة ، وكم عدد البرامج التلفزيونية التي تخبر الجمهور بأي شيء عن هذا العمل البغيض؟…على عكس اليابان والهند ، وما وراء العواقب الواضحة للاستعمار والإمبريالية ، لماذا أصبح جهاز المناعة في هذه الثقافات ، ثقافة البلدان العربية ، ضعيفًا لدرجة أنه يكاد يختفي؟ الغرب يتحمل بالتأكيد جزء كبير من اللوم ، لكن كما نقول بالعربية ، ” اليد الواحدة لا تصفق “.طالما أن العرب لم ينظروا إلى أنفسهم ويفحصوا مشكلتهم الخاصة مع الآخر ، طالما أن مفهومهم للماضي ما قبل الاستعمار يقتصر على الأيام الخوالي في الأندلس ، فسوف ينقطعون عن مستقبلهم. نبهنا سعيد باستمرار إلى ضعف التفكير النقدي في الشرق الأوسط العربي ، وانعدام المواقف المعارضة – باستثناء واضح لكل من خالف التيار ودفع ثمنه أحيانًا بسنوات سجن. ومع ذلك ، يبدو أن معظمهم يتبنون وجهة النظر القائلة بأن الاستعمار والإمبريالية قد برأتهم من جرائمهم السابقة.”.
-الذات والخيار النظري
في الفصل السابع تستقصي الكاتبة العلاقة الشائكة بين الذات والخيار النظري :
” لا أستطيع أن أعتبر أصولنا “الشرقية” مشروطة بخياراتنا السياسية. هذا لا ينتقص من الاتساق الداخلي لتلك الاختيارات ، وبشكل حاسم ، لا يغير صلابة عمل سعيد. بصرف النظر عن العوامل المحددة للعائلة ، فإن عمله يندرج إلى حد كبير في تقليد النهضة أو النهضة العربية. ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر ، كانت هذه حركة تتجاوز الدين ، وقد تأثرت بشدة بالمدخلات الفكرية للعرب المسيحيين مثل فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرانسيس مرّاش وجرجي زيدان وآخرين كثيرين. باستخدام كلمة النهضة ، أدرك أنها تثير أسئلة لم يتم حلها. هل كانت بداية جديدة أم عودة للمصدر؟ هذا لا يزال موضع نقاش. أود أن أضيف أن الانشقاق في الشرق الأوسط – تأكيد على الاختلاف بين المجتمع الأصلي للفرد ومواقفه السياسية المعلنة – كان عمومًا أكثر انتشارًا في الأوساط العربية المسيحية منه بين المسلمين ، ولا سيما في القرن العشرين.
الأب – الأب البيولوجي أو الشخصية الأبوية البديلة – هو المكان الذي نبدأ فيه جميعًا مفاوضاتنا الواعية إلى حد ما مع فكرة السلطة… سواء فيما يتعلق بالسياسة (إسرائيل وفلسطين ، الشرق والغرب) ، التاريخ (الشمال والجنوب) ، الفلسفة (الحوار بين فوكو وفوكو في علم آثار المعرفة) ، الأدب (كونراد وقرينه) أو الموسيقى (Così fan tutte in التي ، من خلال زوجين من العشاق ، تظهر الهوية البشرية على أنها قابلة للتغيير وغير مستقرة وغير متمايزة مثل أي شيء”) ?كان إدوارد يتفاوض دائمًا حول العلاقات المتناقضة المتضاربة إلى حد ما بين طرفين متعايشين ومتناقضين – بين زوجين لا يمكن حلهما ولا مفر منه ، بلا مخرج سوى الحركة التي تنقل المعنى من طرف إلى آخر.
مع الأخذ في الاعتبار أن كتابه “البدايات” هو عنوانه فرعي “القصد والمنهج” ، قد نقول إن “قصد” إدوارد حدده بقوة شخصية والده ، يتخذ شكل تحدي المعرفة والقوة العمودية – الإمبريالية – وأن “منهجه” تأثر بشكل أكبر بوالدته ، في عودة مستمرة للأصول التي يجب إعادة اكتشافها دائمًا. أكثر من والده وديع ، كانت والدته هيلدا هي التي سيطرت على عواطفه ، حيث تمدحه ثم تؤنبه ، وتصدر إذنًا يليه تحريم ، وتحبه ثم تعرضه للخطر ، دون أن يعرف حقًا المعايير التي يجب أن ينسب إليها أيًا من هذه التغييرات المفاجأة.”.
الماضي
الفصل الثامن تقرا فيه الكاتبة علاقة سعيد بالماضي:
“-نُشرت أطروحة سعيد عن كونراد لأول مرة في عام 1966. الطبعة الجديدة التي نُشرت في عام 2008 قدمتها ككتاب “يحدد فيه إدوارد سعيد مكان خوف جوزيف كونراد من التفكك الشخصي في روايته المستمرة للماضي”. يمكن قول الشيء نفسه عن سعيد. انتقائيته ، وثقافته المزدوجة ، وغرابة أطواره ، وقبل كل شيء خوفه من نهايته ،فهي تهدد عمله باستمرار بالانهيار ،التي يحاربها من خلال التلخيص الدائم ، عبر ضخ الماضي بأفكاره وكما تركت ذلك الماضي خلفها. ليس من قبيل المصادفة أن القرن الثامن عشر ، الذي يجسده سويفت وفيكو وروسو ، لم يكن بعيدًا أبدًا عندما انضم سعيد إلى مؤلفين من عصره مثل فوكو وديليوز وجاك دريدا ، على طريق التفكيك نحو مستقبل يصعب رؤيته. كتب سعيد في كتاب البدايات عن رواية كونراد (نوسترومو):
يبدو أن كل فرد في الرواية تقريبًا قلق للغاية بشأن امرين معا الاحتفاظ وترك “سجل” شخصي لأفكاره وأفعاله. يبدو أن هذا القلق قائم على انشغال غير عادي مع الماضي، كما لو كان الماضي، متروكًا لنفسه ،من خلال الاهتمام العادي فقط وعدم وجود تسجيل رسمي ،كانت بطريقة ما لا يمكن تصوره وبدون سلطة كافية.
هذا القلق يخص سعيد. ما هو “الماضي الذي ترك لنفسه” إن لم يكن أرضا جامحة ، غابة وليس حديقة ، طبيعية اكثر مما هي إنسان؟ وما هي هذه الغابة التي جذبت كونراد وسعيد وأخافتهما إن لم تكن قلب الظلام؟ سر الأصول. وأيضًا ذلك الجزء من الذات الخارج عن السيطرة – اللاوعي. دون أن ننسى أن سعيد الأب على وجه التحديد ترك “الماضي للماضي لنفسه”. أحدهما من خلال الخيال ، والآخر من خلال المقالات ، قام هذان المؤلفان المنفيان ، واللذان لغتهما الأم ليست الإنجليزية ، ببناء حاجز ضد الفراغ في شكل ماض مزروع ومدجّن. ماض لم تمسه يد الإنسان من قبل ؛ماضٍ خرج من النسيان ، حدد وحلل وفهم. هذا بلا شك أحد الأسباب العديدة التي دفعت كونراد إلى كره دوستويفسكي, واتخذ سعيد أسلوبًا حذرًا ومتقشفا أتجاه مؤلف كتاب المسوسون ، الذي نمت له البساتين والغابات والأصول والبدايات معًا داخل شخص واحد. عن دستويفسكي كتب سعيد “تتمثل تقنية دوستويفسكي في إنشاء نص ووقت متسلسل وفهم, الترتيب البيولوجي لعلم الأنساب البشري ، في روايته ، عناصر متقطعة تمامًا. أعادتنا خفة اليد التي استخدمها دوستويفسكي إلى السؤال الذي يطارد كل أعمال سعيد: متى يمكن تحديد مكان البداية والنهاية والتكرار في الوقت المناسب؟ من الواضح أن سعيد أكثر راحة مع النهج الفكري للانقطاع والتفكيك في أسلوب فوكو ودريدا ، أكثر من كونه مهددًا بتطبيقه العاطفي والنفسي. ، سعيد مهدد من عالم دوستويفسكي أكثر مما هو مهدد من عالم كونراد. يزعزع دوستويفسكي استقراره وينزع سلاحه ،بينما يزوده كونراد بموقت وسياق يوفق فيهما بين القلق والأخلاق ، وهما شاغلاه. يمتص القلق الشعور بالذنب ، وتعرضه الأخلاق بعيدًا ، وهو أمر ، على الرغم من عدم كفايته ، له ميزة كبيرة تتمثل في تهدئة القلق من خلال تقديم أخلاق قائمة على الإرادة والشخصية والعمل- أخلاق “فعل ما عليك القيام به” بمعنى توجيه الباخرة إلى الميناء ضد كل الإغراءات الشيطانية ولا سيما المال والنساء. لا يوجد شيء من هذا في دوستويفسكي ، الذي عنده العواصف الداخلية والخارجية متشابكة ، الإرادة لديها القليل من القوة ضد الغريزة ، والعقل يتسلل إليه الجنون وظل الله في كل مكان ، بما في ذلك داخل الشخصيات غير المؤمنة. هنا تكمن الهوة بين عوالم هذين الروائيين. يطارد الله والجنون عالم دوستويفسكي ولكنهما غائبان عن عالم كونراد الذي ، على الرغم من وجوده أيضًا في جو من العذاب والأعصاب والذنب ، يخترع شكلاً من النظام قائمًا على الأخلاق ، بينما يتبع دوستويفسكي الفوضى في كل ثنية وتجاعيد الروح. إن شخصية الشبيه أو القرين ، المركزية بالنسبة إلى دوستويفسكي مثل كونراد وسعيد ، هي المكان الذي يتضح فيه الاختلاف بين طريقتهما في رؤية البشر. بالنسبة لكونراد وسعيد ، فإن الشبيه أو القرين هو رفيق مهدد ولكنه مألوف يتبنى حدود الوعي بنفس الطريقة التي يتبع بها الظل حدود الجسد. بالنسبة إلى دوستويفسكي ، فإن الشبيه أو القرين ليست محاورًا بل في الآخر ، حيث أن تشابهه لديه القدرة على تفكيك كل التوازن. في رواية الشبيه أو القرين ، يصور دوستويفسكي شقيقًا منافسًا الذي يطلق العنان للحرب والجنون داخل الإنسان ويؤججها. إنه ليس صديقًا مقربًا ، ولا حتى نفسًا أخرى ، ولكنه عدو مميت ، إنه خطر مطلق ، التهديد بفقدان المرء لعقله. كان ذلك في أوائل الثمانينيات. كنت أنا وإدوارد نسير بين أنقاض المنتدى في روما. بعد فترة ، بدأ يشعر بالمرض. في البداية ، اعتقدت أنه كان متعبًا فقط واقترحت عليه الجلوس. تردد ، مشى إلى الأمام ، ثم تخبط على قاعدة عمود . قال لي وبدى شخص اخر ، ورأسه في يديه ، إنه يمر بأزمة رهيبة. لم يستطع الكلام ، كان شاحبًا جدًا ، وكان بحاجة إلى أن يكون بمفرده. مشيت بعيدا, قليلا خارج مجال رؤيته وانتظر. أصبحت قلقة أكثر فأكثر. كم من الوقت استمر هذا المشهد؟ أنا لا أتذكر. ما أتذكره هو أنه وصفه لاحقًا بأنه “انهيار كامل”. قال لي إنه كان أسوأ كابوس ، “الشعور بأنني لم أعد أنتمي لنفسي ، وأنني لم أعد أتواصل ، وأنني انهار و أتفكك “. ربما في ذلك اليوم وقع فجأة ضحية إدراك خوفه ، والذي كان أيضًا الخوف الذي رآه في كونراد. الخوف من الانهيار الذي تعامل معه كلاهما بالتحول إلى الماضي. الماضي على المقياس البشري في القرون الأخيرة وليس مقياس العصور القديمة الساحقة. ربما تزعزع التمييز بين الأصول والبدايات ، الذي عزز توازنه ، عندما وجد نفسه محاطًا بالأسرار ، فريسة لـ “الماضي الذي تركه للماضي نفسه”. في النهاية ، كان الأمر كما لو أن الوقت الذي عاش فيه وفكر وأحب وكتب قد أفسح المجال أمام الضغط من وقت سابق غير قابل للترويض ، تمامًا كما ستنهار الأرضية تحت ثقلها. لقد ارتبط إحساسه بـ “انفتاح الأرض تحت قدميه” كان مرتبطًا بالتأكيد بانقلاب الوقت الحاضر من قبل البعيد اللامتناهي ، ومع ذلك الوقت الحاضر بشكل ملموس من العصور القديمة الرومانية. ما هو مؤكد ، من الرواية التي قدمها في اليوم التالي ، هو أنه في ذلك الزمان والمكان وقع فريسة لنفس أخرى لم تتمنى له الخير. هذا هو الآخر الذي يجلبه كونراد آمنًا وسليمًا إلى الشاطئ في رواية المساهم السري , بينما في رواية الشبيه أو القرين ,يتركه دوستويفسكي يدمر كل شيء.”
-المختلف
الفصل التاسع تقرا فيه الكاتبة الاختلاف و الرفض والانفصال.:-
“في كتاب “خارج المكان” كتب سعيد، “في سن الخامسة أو السادسة … أشير إلى نفسي بانتظام ليس” أنا “بل” أنت “. كانت تقول: “ماما لا تحبك ، أيها الفتى المشاغب” ، وسأرد ، بترديد نصف حزين ، وتأكيد نصف متحدي ، “ماما لا تحبك ، لكن العمة ميليا تحبك”. “أنت بدل أنا”. سواء كنا في المنفى أم لا ، لا تزال التقاليد تتمتع بقوة في ثقافاتنا. بالنسبة لإدوارد ، فإن التمرد والتجاوز فيما يتعلق بالأب ، والذي كان واضحًا في علاقته بالسلطة ، لم يتجاوز أبدًا حدودًا معينة على المستوى الشخصي. اتخذ معركته ضد السلطة والشخصية الأبوية شكل تعبير جذري عن الخلاف ، بدلاً من الرفض والانفصال المتعمدين. ولأسباب وجيهة: فيما يتعلق بوالده ، لم يتوقف أبدًا عن الشعور بمزيج لا يمكن تحديده من الخوف والامتنان وعدم الارتياح والاستياء وخيبة الأمل والإعجاب.
في علاقة إدوارد بالأب ، يظهر الله بشكل أو بآخر سالما. لا حيا ولا ميتا. أعلن إدوارد أنه غائب ، كما أعلنه كونراد ، في حين أعلن سارتر أنه غير موجود. ربما كان إدوارد ملحدًا ، وربما لا ، فقد أعفى نفسه من الحاجة إلى الخوض في الغموض ، وحصر نفسه في فكرة العلمانية ، التي تعود في كتاباته كثيرًا مثل الإلحاد في عمل سارتر. لم يتصور سعيد ولا كونراد أي مساعدة من الله. كتب أندريه غرين, بطل كونراد, : “ليست الصلاة هي التي ستنقذ السفينة ، بل العقل الهادئ والوضوح والمهارة والتضامن بين الرجال ، وكلها مجرد صفات إنسانية.”.
وجد إدوارد من خلال اتفاقه وخلافه مع كونراد قرينه, وجد سعيد ، وفي سعيد وجد القوة للتناقض مع إدوارد. تبلورت حريته ، وفي الصفحة الأخيرة من سيرته الذاتية ، أكدت نفسها بعبارات أثبتت أنها مشابهة جدًا لمصطلحات كونراد:
“أختبر نفسي أحيانًا كمجموعة من التيارات المتدفقة. أنا أفضل هذا على فكرة الذات الصلبة ، الهوية التي يعلق عليها الكثيرون أهمية كبيرة. هذه التيارات ، مثل موضوعات الانزلاق الفردي ، تتدفق خلال ساعات اليقظة ، وفي أفضل حالاتها ، لا تتطلب أي مصالحة ولا تنسيق. إنها “متوقفة” وقد تكون في غير مكانها ، ولكنها على الأقل تتحرك دائمًا ، في الوقت المناسب ، في مكانها ، في شكل جميع أنواع التوليفات الغريبة التي تتحرك حولها, ليس بالضرورة إلى الأمام ، وأحيانًا ضد بعضها البعض ، طباق ولكن بدون موضوع مركزي واحد .شكل من أشكال الحرية ، أود أن أفكر فيه حتى لو كنت بعيدًا عن الاقتناع التام بأنه كذلك.”.
في أطروحته عن كونراد ، توقع الأفكار التي طورها لاحقًا في كتاب البدايات والتي ظلت مركزية في جميع أعماله: “يمكن باثر رجعي فهم العديد من أعمال كونراد القصيرة على أنها محاولة لتفسير ما جرى ، وفي وقت حدوثه لن يسمح بالتفكير فيه .” وهذا مقتربي للكتابة عن سعيد.”.
فوكو
في الفصل العاشر تناقش الكاتبة علاقة سعيد بفوكو :
“كتاب العالم والنص والناقد هو كتاب سعيد الأكثر إيجازًا والأفضل كتابًة و الأكثر كثافة . يتضمن بشكل خاص فصلاً عن فوكو ودريدا يلقي بعض الضوء المفيد على عمل كل منهما ، وعلى عمل سعيد. وهنا مرة أخرى ، يتمركز سعيد من خلال وضع الآخر. مرة أخرى ، فإن الطريقة الفرنسية – يمكننا القول التصور الفرنسي – تحتل مكانة مركزية. يعزز استخدام المقارنة طاقته النقدية ويمكنه من تحديد الفروق الدقيقة والاختلافات. من خلال التدريب والطبيعة ، كان قريبًا جدًا من فوكو ، الذي شق الطريق بتحديه للقاعدة الراسخة. سلطة المعرفة والاعراف. حفز دريدا سعيد وأهاجه. فقد لبى حاجته للثقافة الرفيعة واحبط حاجته للواقع. في حين أن سعيد قد أستحضر فوكو مؤقتًا على قدم المساواة. استعار سعيد من “مجموعة أدوات” فوكو من المفاهيم لكتابة الاستشراق والثقافة والإمبريالية وهز أسس المعرفة الإمبريالية بما يتجاوز البنيوية. إن مسألة علم الأنساب برمتها ، وشوائبها وطبيعتها المتباينة التي لا يمكن فهمها ، غذت تفكير إدوارد بشأن عدم الاستمرارية ، والتي بدأت مع كتاب البدايات . في ذلك الكتاب ، يصف كتاب (الجنون والحضارة) بأنه عمل “بارع”. هذه ليست مجاملة محايدة ، نادرًا ما كان سعيد غير مشروط. بالإضافة إلى الإعجاب ، فإنه يشير إلى مرجعية من شأنها أن تكون حاسمة على مدى العقدين المقبلين ، على الرغم من أن سعيد كان ينأى بنفسه إلى حد ما عن فوكو. في الواقع ، لقد فعل ذلك حتى في نهاية كتاب البدايات ، فيما يتعلق بـ رؤية فوكو للإنسان – دعنا نقول البشر . في عمل فوكو يتم تجريد الانسان ككائن وموضوع تماما . في عمل فوكو ، يتم تجريد البشر من القدرة على المقاومة الواعية لتدفق الخطابات المتناقضة والتقريبية التي يمكنهم استخدامها للتحدث عن أنفسهم. هم في خطر دائم من الانحلال. فهم بطبيعتهم غير مؤهلين ، واستقلاليتهم محدودة باستقلالية المعرفة. باختصار ، إنهم يحملون فشلهم بداخلهم .قال فوكو:
ما أردت أن أفعله – وربما كان ذلك هو ما أثار احتجاجا – كان لإظهار أن نفس الظاهرة يمكن رؤيتها في تاريخ المعرفة البشرية: تاريخ المعرفة البشرية لم يعد في ايدي البشر. ليس الإنسان نفسه هو الذي خلق بوعي تاريخ معرفته ، لكن تاريخ المعرفة الإنسانية والعلم نفسه يطيع الظروف المحددة التي تتجاوزنا. بهذا المعنى ، لم يبق للإنسان أي شيء – لا اللغة ولا الوعي ولا حتى معرفته.
وصف سعيد هذه الرؤية لاحقًا بأنها “نسق قائم على الرواقية وليس نسقا يؤدي إلى الرفض والمقاومة”. يبدو لي أن سعيد كان أكثر استعدادًا لقبول ، بل وحتى تأييد ، مثل هذا الاعتراف بالعجز في الرواية ، مما هو عليه في الفكر النقدي. في الواقع ، هناك صلة قرابة قوية من التشاؤم تربط روية فوكو وكونراد عن الإنسان. لاحظ سعيد نفسه هذه القرابة في مقتطف من نهاية قلب الظلام.
تكشف القراءة الدقيقة لمقاله سعيد عن فوكو ودريدا كيف ،من خلال نقاشهم ، تفاوض سعيد عن علاقته بالزمن والوجود والجنون. بعد وصف نهج دريدا – مهمة خطيرة أن نقولها على الأقل – يعود إدوارد إلى المعايير التي يقوم عليها تفكيره السياسي. وهذه المعايير تتطلب بلا شك طريقة فوكو الانتقائية بدلاً من رمال دريدا المتحركة. “إذا كان كل شيء في النص مفتوحًا دائمًا بشكل متساوٍ للشك والتأكيد ، فإن الاختلافات بين مصلحة طبقية وأخرى ، بين الظالم والمظلوم ، وخطاب واحد و آخر ، أيديولوجية وأخرى ، افتراضية – ولكنها ليست حاسمة اطلاقا في أتخاذ القرارات.’ رفض سعيد معنى التكافؤ الذي وجده في دريدا. كان بحاجة إلى دعم السلطة لتحديد ما كان يقوله. وجده في فوكو ، وفقده في دريدا. في التحليل النهائي ، يترك الرجلين في شجارهما ، وبعد أن أخذ نزاعهما المشترك مع الثقافة المهيمنة ، يعود إلى مساره الخاص في النقطة التي يخرج فيها الأدب من فوضى العزلة ويعيد الانضمام إلى سياقه السياسي والتاريخي. ما أنا متأكدة منه إلى حد ما ، أخيرًا ، هو أن إدوارد أبقى الجنون بشكل منهجي بعيدًا ، وللمفارقة ، ساعده فوكو في حماية نفسه. أعطى فوكو سعيد إطارًا يمكن من خلاله فهم المجنون ، ليس كثيرًا من وجهة نظره الخاصة ، ولكن من خلال الخوف والجهل والغباء لأولئك الذين لم يكونوا مجانين. كلا الكاتبين هاجم السجانين – سجّاني المجانين في حالة فوكو ، سجّاني المستعمَرين والمضطهدين في سعيد. على الرغم من الاختلاف – بشكل مختلف تمامًا – ومهما قالوا أو فعلوا ، فإن فوكو وديليوز ودريدا وسعيد مربكين امام الجنون وبسبب وجيه. بحكم التعريف ، للجنون القدرة على إخراج كل العقل عن مساره. من الناحية العملية ، كان سعيد الأقل إغراءًا بالموضوع. لم يكن الجنون مجهولًا له فحسب ، بل تجنبه. في هذا الصدد ، أظهر فرانسس فانون جرأة وحكمة غير عادية. بما أن وضوحه فيما يتعلق بالضيق النفسي لم يتعارض مع قوته القتالية ، استمر في احتلال مكانة خالية من المشاكل في عمل سعيد. وفقا لسونيا دايان هيرزبين “فانون قادر في الحال على تشخيص طبيعة الاضطهاد والعمل على وسائل إنهائه, مسار فوكو اتبع مسارًا متعارضًا تمامًا مع مسار فانون.”. على الرغم من مراكز اهتمام فوكو المبكرة كانت (المصحات والسجون) ، سرعان ما أصبح فوكو مقتنعًا بأن المقاومة مستحيلة إلى حد كبير. يظهر نوع من السكون في أماكن مختلفة في مسيرة فوكو: الشعور بأن كل شيء محدد. ترافق هذا السكون مع ما رآه سعيد على انه تظاهر عندما التقى به لأول مرة عام 1978. تظاهر ؟ لا اعرف. صحيح أن إدوارد “انزعج” من الغرور الذي واجهه من قبل عدد من المثقفين الفرنسيين. منزعجًا وخائب الامل ، لأن الثقافة الفرنسية كانت جزءًا رئيسيًا من ثقافته. ومع ذلك ، كان فوكو مهمًا جدًا في تشكيل بنية فكر سعيد .رغم كل الأشياء التي تم أخذها في الاعتبار ، لم يستطع رفض هذا التأثير أو تلخيصه في بضع كلمات. قبل وفاته بفترة وجيزة ، كان لا يزال يرصد أن فوكو “كان فيلسوفًا عظيمًا من النوع الذي لم يعد موجودًا”.
عند سعيد, لم تكن سلطة فوكو بالكامل من سلطة الأب ولا سلطة الأخ. كان نوعًا من الرفيق غير السري ، ورائدا وقرينا لامعًا , كان سعيد لا يزال يستشهد به في أعماله الأخيرة ، ولكن بشكل غير مباشر..
” وفي حال الإشارة إلى هذه المصادر – التنديد والكلام – أن تكون جزءًا من النضال ، ليس لأنهم كانوا من قبل مجهولين . بل بسبب الحديث عن هذا الموضوع ، لإجبار الشبكات المومأسسة للمعلومات للاستماع ولا نتاج الأسماء ، لتوجيه أصابع الاتهام ، للعثور على الأهداف ، هي الخطوة الأولى في تغير اتجاه السلطة … إن خطاب النضال لا يتعارض مع اللاوعي ، بل يتعارض مع الخطاب السري”
هذه كلمات فوكو التي استشهد بها سعيد ، هي تلخيص مثالي لتأثير الأول على مشروع الثاني . على وجه الخصوص ، منذ أن كان سعيد يستكشف مجال الإمبريالية والاستعمار ، والذي تركه فوكو إلى حد ما دون مساس. كانت الطريقة مفيدة وكانت التضاريس مفتوحة.”.
المقدس
الفصل الحادي عشر , تقرا فيه الكاتبة علاقة سعيد بالنص المقدس والزمن والارهاب:
سواء كان الدفاع عن فلسطين أو الكتابة عن الرواية الغربية أو العربية ، أو فلسفات فوكو ، وفيكو ، وأدورنو ، وأورباخ ، والصيغ المختلفة للاستشراق والإمبريالية ، أو هيمنة ثقافة على أخرى ، لقد كان سعيد دائمًا يتعامل بلا كلل مع العلاقة بالزمن أو بنقطة البداية ، سواء أكانت صلبة أم هشة ، والتي يمكن للحاضر استخدامها للتفاوض على بقائه وخلق مستقبل في نفس الوقت. كيف دمج ديكنز وستندال وتولستوي الماضي في رواياتهم؟ من أين حصلوا عليه؟ من أي المؤلفين أو الأخاديد التي حرثها الآخرون قبلهم؟ يمكن فهم كل أعمال إدوارد سعيد بهذه المصطلحات ؛ هذا هو الجانب الذي يضمن ، ضمن حركته المبتكرة والمتكررة في نفس الوقت ، أتساقه واستمراريته غير الخطية.
لذلك ،كتاب سعيد (البدايات) يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين النوع الغربي من الرواية والظهور المتأخر للرواية في اللغة العربية ، والتي هي “شبه كاملة في هذا القرن العشرين” كيف نفهم هذا التأخر الزمني ، والذي يظهر أيضًا في السيرة الذاتية – وهو نوع نادر جدًا في التقليد الأدبي العربي؟ إلى ماذا يمكن أن يعزى ذلك؟ في الفصل الثالث في (البدايات) ، يقدم سعيد نظرية تم تجاهلها إلى حد كبير في تحليلات كتاباته ، والتي وضعها هو نفسه جانبًا لاحقًا ، دون طرحها رسميًا وقد غدت موضع شك. يقول سعيد :
“من المهم أن الرغبة في خلق عالم بديل ، لتعديل أو زيادة العالم الحقيقي من خلال فعل الكتابة (هي أحد الدوافع الكامنة وراء التقليد الروائي في الغرب) ذاك يخالف النظرة الإسلامية إلى العالم. فالنبي هو الذي أتم النظرة إلى العالم. وبالتالي فإن كلمة هرطقة في اللغة العربية مرادفة لفعل “يبدع” أو “يبدأ”. ينظر الإسلام إلى العالم على أنه مكتمل ، غير قادر على التناقص أو التوسيع. وبالتالي قصص مثل تلك الموجودة في “ألف ليلة وليلة” تزيينيه ، اختلافات في العالم ، وليست تكملة له.”.
أخذ مثالا على واحدة من روايات السير الذاتية القليلة في أوائل القرن العشرين – للكاتب المصري طه حسين ، الذي كان على دراية بكل من الثقافة العربية والغربية, يسلط سعيد الضوء على العلاقة بين القرآن والخيال ، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر ، ملاحظًا أن أسلوب طه حسين في السرد يظهر “عدم وجود شبه للقرآن باللغة العربية.”.
“تقريبا كل حدث في طفولة رواه طه حسين بطريقة ما مرتبطة بالقرآن – ليس كهيكل عقيدة ، ولكن كوجود أو حقيقة في الحياة اليومية … كان انطباع المرء أن القرآن يتوسط الحياة ، مستنيرًا به ؛بمعنى آخر ، لا يمكن لأي عمل أن يبتعد عن القرآن ؛بل كل فعل يؤكد الوجود الكامل للقرآن وبالتالي الوجود البشري.”.
الكلمة العربية للهرطقة ، والتي يشير إليها سعيد في بداية الفصل ، بدعة ، ويعني في الأصل التجديد أو الاختراع ،والتي عند اقترانها بالدين – بدعة دنية أو بدعة مخالفة لقول الله – يكون لها معنى بدعة أو انحراف أو الهجوم المضلل. هنا ، يفتح سعيد مناقشة رائعة ، مع تداعيات لا نهاية لها ، حول التفسير وعدم الاستقرار والتغير في المعاني في اللغة العربية والرمال الدلالية المتحركة التي بنيت عليها ودمرت رؤى الإسلام. وبهذه الطريقة وجد نفسه يتعامل في مرحلة مبكرة مع مسألة منهجية تتعلق بالإسلام. أنتجت الفكرة التي قدمها في كتابه “ البدايات ” ? فيما يتعلق بتأثير القرآن على الرواية ، شعر بصعوبة أنه بلا شك غير قادر على متابعتها: أذ اربكته عواقب اكتشافه ، الأمر الذي كان سيتطلب منه إجراء دراسة مفصلة للقرآن. كان هذا سيأخذه بعيدًا عن أسلوبه المعتاد في العمل والكفاح ، في عمق المجال الديني ، الذي لم يراه إلا من بعيد ، من منظور اجتماعي وسياسي وثقافي. كان سيتطلب منه أيضًا التنازل عن الكثير من الأرض للدين ، مما يعني – كما يميل العديد من المعلقين حاليًا إلى فعل ذلك – أن المفاهيم في الفن الإسلامي والفكر الإسلامي تجد في القرآن اطارها المرجعي. في نهاية المطاف ، السؤال الكبير الذي أثارته فرضيته – والذي هو أكثر صلة اليوم من أي وقت مضى – هو كيف يمكن التعامل مع الدين والثقافة الإسلامية من وجهة نظر ليست هجومية ولا دفاعية. كيف نتعامل مع النص القرآني ومصير ملياري إنسان يسمون مسلمين دون تقسيمهم أو اعتبارهم جميعًا متشابهين؟ دون إغفال النقاط الأساسية التي. “ديانة عمرها ألف عام تخترع أو تعيد اختراع نفسها في كل فترة. يعيد المؤمنون عن غير قصد بناء وإعادة تشكيل ما هو خيالي و المشهد العقائدي حسب ما هم عليه.”. كيف يمكن لطريقة تمثيل العالم الذي تم وضعها في القرنين السابع والثامن والتاسع ، في ضوء التفسيرات المتغيرة وفي سياق قبلي عميق ، ونسخه المتعددة كما تم تعديلها بواسطة التاريخ والاقتصاد والمجتمع والجغرافيا ، يتم دمجها في تركيب – غير متجانس ومتناقض بالضرورة -؟ من المؤكد أن هناك قيمًا مهيمنة ودائمة تستند إلى نظام تمثيل معين تدعمه النصوص والنقل والدين والممارسة. وهذا ينطبق على الديانات والأديان السماوية الثلاثة بشكل عام. ومع ذلك ، لا تزال هناك فجوة لا يمكن سدها أبدًا ، بين رؤية الله والعالم المكتوب “مرة واحدة وإلى الأبد” ، وتطورها على مدى قرون والذي – سلبًا و / أو إيجابا – يحافظ على أو يقوض ذلك مرة واحدة وإلى الأبد. “. هذه العملية قابلة للمقارنة مع تلك التي يوضحها لنا بروست ، مع الفجوة التي لا يمكن ملؤها بين الماضي كما كان وتصويره بأثر رجعي بواسطة الذاكرة. في كل مرة نحاول أن نوقف الزمن ، ونضعه في حجر ، فإنه يتجه بعيدًا في اتجاه آخر. الكلمات لا حول لها ولا قوة. فارغة بشكل خطير. إذا كانت مليئة بالحياة في البحث عن الزمن المفقود ، فذلك لأنها تتحرك بالطريقة التي يحرك بها الضوء ظلاله بمرور الوقت. إن الإسلام المحبوس على ما هو عليه اليوم داخل أحرفه الخمسة, المنفصل عن زمانه ,كلمة تم خنقها. أولئك الذين يسعون إليها ، هنا وهناك ، لمهاجمتها أو الدفاع عنها ، يبدو أنهم يمنعونها من العيش. بتعبير أدق ، من التنفس ، مع كل ما تثيره كلمة “تنفس” الهواء النقي والتلوث. والتقريب. ناهيك عن الشيء الأكثر أهمية – الاستحالة ، ولكن الحاسمة ، تحديد وتمييز تلك العناصر التي تتعلق مباشرة بالدين من تلك التي ، من نقطة البداية الدينية ، هي مظاهر للتحولات العرفية ، أو العواقب ، أو المستويات المعلنة إلى حد ما من الإيمان أو الكفر – بعبارة أخرى ، الثقافة بالمعنى الواسع.
… أدى التحريم الديني إلى قمع واسع للفكر ، وبالتالي أخر الاعتراف بالخطر المحتمل ، في حالة الانهيار العربي ، من عودة الإسلام بعنفوان كقوة سياسية. الانهيار ، كما نعلم ، لم يكن بطيئًا في الظهور. عندما ناقشنا أنا وإدوارد هذا الموضوع ، كنا متفقين تمامًا على الضرورة المطلقة للفصل بين السلطات ، وكان ينتقد بشدة تخلف الوهابية. لكني كنت أكثر تشاؤما بشأن قدرة الإسلام على غزو الساحة السياسية. عندما انهار برجا التجارة في مانهاتن في 11 ايلول 2001 ? كتب سعيد مقالًا رائعًا بعنوان “صدام الجهل”. في النسخة الأولى التي أرسلها لي بالفاكس ، أشار إلى الإرهابيين الإسلاميين على أنهم “حفنة” ، أجبته “كيف تعرف أن هناك حفنة منهم فقط؟” كان المدافعون عن القضية الفلسطينية ورثة القومية العربية بطيئين في قياس مخاطر الإسلاموية. في باريس في أواخر التسعينيات ، في لقاءات أسبوعية مع أصدقاء فرنسيين وعرب حول القضية الفلسطينية ، أتذكر أنني لقيت شعورا بعدم الارتياح على إصراري على خطر الإسلاموية. على الحاجة إلى دمجه في مقدمات كفاحنا الفكري. الرد – في جوهره – كان ، هذا ليس الوقت المناسب ، ليس هذا هو الموضوع. في نفس الوقت تقريبًا ، نشر سعيد إصدارًا جديدًا من الغلاف الورقي من كتابه(تغطية الاسلام)، مع مقدمة تحدث فيها عن التغييرات التي حدثت منذ الطبعة الأولى لعام 1981. في هذا النص الاستعادي ، الذي كتب بعد ستة عشر عامًا من النشر الأولي ، يحارب إدوارد على جبهتين. يحافظ عن حق على فحوى كتابه ، وهو نقد قائم على الأدلة لتشويه وسائل الإعلام لصورة العالم الإسلامي. كما أنه يعدل هدفه ليأخذ في الاعتبار تعقيد الموقف. لا سيما من خلال رسم صورة سلبية للغاية عن الدول العربية ، بما في ذلك “دول إسلامية بشكل أساسي مثل المملكة العربية السعودية ومصر والعراق والسودان والجزائر”. إنه يدين بشدة الديكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية واستخدام التعذيب. ومع ذلك ، يركز الكتاب في المقام الأول على الأحداث الجارية في أمريكا ، وتجنب أو التقليل من الموقف فيما يتعلق بالمؤسسات الإسلامية ، والجفاف التدريجي للمخيال في البلاد العربية ، والحاجة الملحة للنقاش حول العلاقة بين الجوانب الزمنية والروحية في القرآن. وغني عن القول أن يقظة إدوارد في إدانة العنصرية ضد المسلمين سارت جنبًا إلى جنب مع اشمئزازه من ظلامية السلطات العربية . في وقت الفتوى ضد سلمان رشدي في عام 1989 ? قدم دعمه الكامل لمؤلف “ آيات شيطانية ” ? تمامًا كما كان يتجنب بشكل منهجي التعامل مع أعضاء الأنظمة القائمة والحكام وأمراء الحرب والممثلين الرسميين للسلطات التي طعن فيها. مكّنه هذا الاختيار من كتابة محاضراته في ريث 10 (صورة المثقف)حول الشروط اللازمة لمصداقية المثقف ، بدءًا بالبعد عن السلطة ، وكان مثل هذا الموقف غير شائع في الأوساط الفكرية العربية ، حيث كانت ولا تزال الاتصالات بين المثقفين والحكام السياسيين واسعة الانتشار إلى حد الانصهار. أين سيقف الآن؟ كيف يمكن أن ينظم له الحجج وتحديد أولوياته ، عندما دفع بشار الأسد و داعش بالشر إلى أقصى الحدود ، والناخبون الأمريكيون أوصلوا دونالد ترامب إلى السلطة؟ سأمتنع عن الرد في غيابه.”.
-الاستشراق
الفصل الثاني عشر , تقرا فيه الكاتبة كتاب الاستشراق:
“بشكل عام ، وجد إدوارد صعوبة في التعامل مع النقد. خاصة إذا جاء من عقول تشبه صرامته. لذلك ، عندما أبدى الفيلسوف الماركسي السوري صادق العظم ، الذي أشاد إدوارد بعمله ، تحفظات عديدة على كتابه ، مباشرة بعد نشر كتاب الاستشراق ، أصيب بطعنة. كان الأمر نفسه صحيحًا عندما أشاد ماكسيم رودنسون ، الذي عومل بشكل جيد في الاستشراق – أعجب إدوارد بعمله كثيرًا – أشاد بمشروع سعيد ، لكنه أشار إلى نقاط الخلاف المهمة. من حيث الجوهر ، وفقًا لرودنسون ، كانت الميزة الكبرى لسعيد هي زعزعة الرضا الذاتي للعديد من المستشرقين ، وجعلهم يتساءلون عن المصادر والأفكار التي قد تخفي الحقائق ، بدلاً من افتراض أنها استنتاجات طبيعية خالية من التحيز. لكن ، لاحظ رودنسون :
” إن موقفه المتشدد يدفعه مرارًا إلى تأكيدات مفرطة. تتفاقم هذه المشكلة لأنه بصفته متخصصًا في الأدب الإنجليزي والأدب المقارن ، فهو على دراية غير كافية بالعمل العملي للمستشرقين. من السهل جدًا أن يختار ، كما يفعل ، المستشرقون الإنجليز والفرنسيون فقط كهدف.”.
إن نقد رودنسون مفهوم ، لكن بشان عدم نظر سعيد إلى المستشرقين من البلدان غير الإمبريالية ، كان بالتأكيد يطالب بالكثير. لا يمكن أن يكون سعيد في كل مكان مرة واحدة. ذهب إلى قلب السلطة ، وعرض المعرفة الثقافية الاستثنائية ، واجترح الروابط والصلات التي كانت بمثابة أمثلة ، دون الادعاء بأنها شاملة. كما أنه بلا شك كان سيقدر قليلاً تعليقات سمير قصير حول الاستشراق ، في مؤتمر عُقد في بيروت عام 2003 (بعد أسابيع قليلة من وفاة سعيد) بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لنشره. (بعد ذلك بعامين ، توفي سمير بشكل مأساوي عن عمر يناهز الخامسة والأربعين ، في هجوم بسيارة مفخخة). قال بشكل خاص ، “من ناحيتي ، أفضل أن أتذكره كإنساني ، بدلاً من سجنه في عمل واحد. لا يعني ذلك أنه يجب تجاهل الاستشراق أو رفضه بعد خمسة وعشرين عامًا ، ولكن لأن الكتاب ، في نهاية المطاف ، ربما يطرح أسئلة أكثر مما أجاب.”. كان قصير محقًا في تأكيده على نزعة سعيد الإنسانية على حساب التشدد المفرط بعض الأحيان. لقد كان مخطئًا ، لاحقًا في حديثه ، في ربط نقد سعيد لرينان بموافقته الواضحة على رودنسون ، وكان مخطئًا أيضًا في التقليل من شأن شجاعة الاستشراق ونطاقه ، والذي عند نشره في أواخر السبعينيات ، مكن الجيل التالي – قصير – من التقدم ، أفضل بكثير من عدة سعيد النقدية ، لمواجهة اللغة والحروب المدمرة التي شنها غرب معين ضد شرق معين. كمنظمة لإطلاق الترجمة الفرنسية للاستشراق ، التي نشرتها Le Seuil في عام 1980 ? يمكنني أن أشهد على الصعوبة الهائلة التي واجهتها في إثارة اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية. كانت المقاومة واضحة في كل مكان ، والمساعدة في حدها الأدنى. لقد رفع المثقفون “المدينون” لإسرائيل حاجزًا صامتًا غير مرئي ضد الكتاب – وحكموا أنه غير مقبول . وقد أدى ذلك إلى إعفائهم من الحاجة إلى مناقشة كان من الممكن أن تدفعهم فيها بلاغة إدوارد – كان يتحدث الفرنسية بشكل ممتاز – إلى الزاوية. واجهت نفس الصعوبة خلال العشرين سنة التالية. كنت سأنتقل من ناشر إلى آخر ، مع كتب إدوارد تحت ابطي ، في محاولة لإقناع أحدهم بنشر مؤلف يمكن قراءة عمله في ذلك الوقت بأكثر من ثلاثين لغة .دون جدوى. ولم يدرك هؤلاء الناشرون أهمية ترجمته إلا بعد أن أوشك سعيد على الموت. دليل أم صدفة؟ بحلول الوقت الذي نُشرت فيه الترجمات ، لم يعد سعيد هناك لتقديم حججه. ربما طرح هذا الكتاب أسئلة أكثر مما أجاب: في نظري هذه الكلمات الناقدة بشكل مفرط هي أفضل تقريظ يمكن طرحه لكتاب مثل الاستشراق. إذا طُلب من المفكر تقديم إجابات أكثر من الأسئلة ، فسيتعين علينا رسم خط تحت كل شيء – أو تقريبًا كل شيء – ذي أهمية في تاريخ الفكر.”.
-البير كامو
في الفصل الثالث عشر , تقرا الكاتبة علاقة سعيد بالكاتبين البير بكامو و جورج أورويل :.
“لماذا لم يجتذب كامو وأورويل انتقادات من سعيد حتى المرحلة الثانية من عمله؟ لم يرد ذكر كامو أبدًا في الاستشراق وأورويل ورد مرة واحدة فقط ، في اشارة إيجابية. بعد خمسة عشر عامًا فقط ، تعرض كلاهما لنيران النقد المتواصلة في كتاب الثقافة والإمبريالية. كتب سعيد:
” مثل أورويل ، أصبح كامو كاتبًا معروفًا حول القضايا التي تم تسليط الضوء عليها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين: الفاشية ، الحرب الأهلية الإسبانية ، مقاومة الهجمة الفاشية ، معالجة قضايا الفقر والظلم الاجتماعي من خطاب الاشتراكية ، والعلاقة بين الكتاب والسياسة ، ودور المثقف. اشتهر كلاهما بالأسلوب الواضح الجلي.”
إن ارتباط أورويل وكامو في ذهن سعيد ليس من قبيل الصدفة. كان كلا الرجلين يسعده ويغضبه ، لأسباب متشابهة جدًا: لقد كانا أنيقين ، خارج أي مؤسسة ، مدركين للظلم الاجتماعي ومتقدمين على معاصريهم الاشتراكيين في خيبة أملهم. لقد كانا أصيلين ، وبصواب أو خطأ ، فقد تمتعا بسمعة توافقية عند كل من اليمين واليسار باعتبارهما إنسانيين فوق الخصومة . نظرًا لتاريخ حياتها ، كان على كليهما تبني مواقف فيما يتعلق بالاستعمار والإمبريالية. من وجهة نظر سعيد ، فإن قتالهم على هذه الجبهة ينتهي بشكل أو بآخر حيث يبدأ القلق والاحراج عندهما. في كتاب “خارج المكان” ، لا يشكك في قيمة كتاباتهم ، لكنه يرى أن اختياراتهم تعكس مجموعة من الترتيبات الملائمة التي يرفضها هو ، الراديكالي ، بأي ثمن. إنه ، دون أن يقول ذلك صراحة ، يقوم بإجراء مقارنة. إن معرفته وخبرته بعوالم الشرق والغرب ، جنبًا إلى جنب مع تصميمه على الدفاع عن المظلومين ، تطلبت منه باستمرار أبداء الخلاف أو النقد علانية. في حججه السياسية ، اختار جانبًا من جوانب نفسه على الآخر. وبعبارة أخرى ، فقد تجاهل والدته. في علاقته بوالدته, قال كامو علانية : “في هذه اللحظة يلقي الناس القنابل في ترام الجزائر. يمكن أن تكون والدتي في أحد تلك الترامات . إذا كان هذا هو العدل ، فأنا أفضل أمي.”. لم أكن لأدرج هذه الكلمات ، التي غالبًا ما يتم الاستشهاد بها بشكل مسيء ومشوه ، لو لم أقرأ كلمات أورويل التي استشهد بها سيمون ليز:” إذا ألقى شخص ما قنبلة على والدتك ، اذهب وألقِ قنبلتين على والدته.”. يخبرنا هذان الاقتباسان كثيرًا عن القرابة بين أورويل وكامو اللذين ، على عكس سعيد وسارتر ، كان لهما شعور قوي جدًا بالطبيعة – النباتات والحيوانات بالنسبة لأورويل ، ومنزلة الضياء الرفيعة لكامو. من بين الثلاثة ، كان إدوارد بلا شك هو الأكثر ارتباطًا بوالدته ، التي كان يكتب لها يوميًا – أو تقريبًا (استخدم ورق الكربون واحتفظ بنسخة). لا شك يعتقد سعيد أنه لم يخطر بباله أن يستخدم والدته كمرجع في حجة حول الخيارات السياسية. نعلم ، من خلال صورتها في سيرته الذاتية ، أن تجاهل هذه الشخصية الحاضرة في كل مكان لصالح الفكر السياسي المتماسك لم يكن شأنًا صغيرًا. بالنسبة لسعيد ، كان كل من كامو وأورويل شخصية أخوية وليست شخصية أبوية ، فالمقاطع التي يكتبها عنهما ، معًا ومنفصلة ، متفاوتة للغاية في الأسلوب . التحليل الذي يقدمه في كتاب الثقافة والإمبريالية صلب وواسع ومدعوم بالاقتباسات.”.
عن كامو تقول الكاتبة :
معه ,قضية رواية الفكر ، العلاقة بين التجربة والأفكار. الخيال والمقالات. التأسّل (الارتداد) والتمرد. والعنصر الحتمي لسوء النية (الطوية )الذي نحمله جميعًا بداخلنا بدرجات مختلفة ، والذي يسمح لنا بالهروب ، بين الحين والآخر ، من الحقيقة التي تهدد أسس كل من ذكرياتنا وتوازننا. سوء النية بالمعنى الذي ناقشه سارتر (فيما يتعلق بالنادل الذي يلعب دور النادل) ، الأمر الذي جعلنا نلعب دورًا حتى إيماءة دقيقة ، على حساب الحرية. ولكن أيضًا ، سوء النية كستار أو آلية دفاع. كحماية من العواصف الداخلية. تأتي هذه العواصف في أوقات مختلفة وبأشكال مختلفة ، حسب الفترة ، المؤلف والعمل. هي في أقصى حالاتها التهديد في زمن الحرب. يمكنهم إضعاف أو تقوية الكلمات ، ولكن ليس الأرقام. بدون سوء نية لن يكون هناك بلا شك شعر ولا فكرة. نحن نعيش في فترة تاريخية تكون فيها الأرقام أقوى بكثير من الكلمات. قد تسأل ، ما علاقة هذا بكامو ، ما علاقة هذا بسعيد؟ قبل أن أجيب ، أود أن أقول شيئًا أكثر. أود أن أضيف أن حاجتنا إلى سوء النية تكاد تكون حيوية لنرجسيتنا مثلما الحاجة إلى الله أمر حيوي للبشرية , كما يثبت التاريخ. قد يكون هناك سوء نية أكثر من اللازم أو قليل جدًا في هذه الكتابة ، ولمعالجة النقص أو الزائد ، فأنا أعتمد على “الوعي الهادئ بأنني ربما أكون مخطئة”.
ما يُظهره سعيد لنا في كامو هو علاقته بالاستعمار الفرنسي ، وإنكاره – أو بالأحرى موقع التفوق الذي يرى منه ، أي لا يرى ، العرب. يقول في “يوميات الجزائر” ، “صدقني عندما أخبرك أن الجزائر هي المكان الذي أتألم فيه في هذه اللحظة ، حيث يشعر الآخرون بألم في رئتهم”. لقد فهم سعيد ذلك. ما عارضه هو محو التاريخ من حجج كامو – 1830 ? أو غزو فرنسا العسكري لأرض لا تنتمي إليها. بعبارة فجة ، سرقة بلد. مرة أخرى ، إنها قضية “البداية”. لمن تنتمي هذه الدولة؟ هذه مناقشة أجراها سعيد أكثر من مرة مع صديقه الموسيقار دانييل بارنبويم ، الذي يرجع بداية ارتكاب إسرائيل لخطأها احتلال عام 1967 ? في حين أنه بالنسبة لسعيد ، يعود تاريخه بالضرورة إلى تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948.
يقول كامو:” بالنسبة للجزائر ، الاستقلال الوطني معادلة ,هي صيغة يحركها لا شيء سوى العاطفة. لم تكن هناك قط أمة جزائرية. سيكون لليهود والأتراك واليونانيين والإيطاليين والأمازيغ الحق في المطالبة بقيادة هذه الأمة المحتملة. في الواقع ، العرب وحدهم لا يشكلون الجزائر بأكملها ، فحجم الاستيطان الفرنسي ومدته ، على وجه الخصوص ، كافيان لخلق مشكلة لا يمكن مقارنتها بأي شيء آخر في التاريخ. الفرنسيون الجزائريون هم أيضًا مواطنون بالمعنى القوي للكلمة. علاوة على ذلك ، فإن الجزائر العربية البحتة لا تستطيع أن تحقق الاستقلال الاقتصادي الذي بدونه لن يكون الاستقلال السياسي سوى وهم. على الرغم من أن الجهود الفرنسية كانت غير كافية ، إلا أنها ذات أبعاد بحيث لا يوافق أي بلد آخر اليوم على تولي المسؤولية.”.
عواطف كامو لن تسمح له بقبول منطق التاريخ – شرعية استقلال الجزائر. وبذلك حرمه من أي نوع من التفاهم أو العلاقة الحميمة فيما يتعلق بالجزائريين المستعمرين. لا يقتصر نقد سعيد على رؤية كامو الاستعمارية فحسب ، ولكن أيضًا التناقض بين دعوته إلى الجزائر للجميع ، من جهة ، ورؤيته الفرنسية للبلد من جهة أخرى. وكما يقول سعيد ، انعكست هذه الرؤية في رواياته بغياب لافت للعرب. العرب غير موجودين ، أو عندما يكونون موجودون ، يظهرون فقط في شكل ضباب لأشخاص سمر البشرة ، يحومون حول شعبه.
ما هو (اللاوعي الاستعماري.)؟ الذي يتحدث عنه سعيد. دعونا نلقي نظرة على رواية الغريب. يستخدم كلمة “عربي” ، مفردا أو جمعا ، في المجموع 24 مرة. لم تكن الكلمة مصحوبة بخاصية تميز عربيًا عن الآخر. هنا ، جنبًا إلى جنب ، هي اللحظات التي بينما يكون للعرب فعل, ليس لديهم وجه : “بالقرب من التابوت كانت هناك ممرضة عربية ترتدي ثوبًا أبيضا” – “أتينا على عربينا” – “كان العرب يتحركون ببطء ، لم يكونوا قريبين منا كثيرًا” “تراجع العرب عنا واختبأوا وراء الصخرة” – “همساتهم المكتومة ، التي ترتفع من الأسفل ، خلقت نوعًا من الموسيقى الخلفية الهادئة” – “استمرت همهمة العرب تحتنا” – أخرج العربي سكينه ورفعها نحوي في الشمس ‘. يستحضر تعاقب الصور جمال حركة الحيوانات ، حركة الثعابين. في رواية الطاعون ، التي نُشرت في الأصل عام 1947 ? عندما أصبح خطر الصراع المفتوح بين المستعمرين والمستعمرين أكثر وضوحًا ، ظهر العرب ثلاث مرات. . خفضت إلى لا شيء تقريبا ، هم أقل تهديدًا ويتم تجاهلهم بشكل كامل أكثر مما كانت عليه في رواية الغريب. ومع ذلك ، في الكتاب ، فإن الطاعون الذي يغلب المدينة كان سيصيب العرب وكذلك الأوروبيين. ببساطة من قراءة هذه الرواية ، من يتخيل لثانية أن أربعين في المائة من سكان المدينة البالغ عددهم 300 ألف نسمة من العرب؟.”.
في نهاية الفصل تخلص الكاتبة الى القول: يمنحنا موقف إدوارد ، الذي أشاركه بالكامل من الناحية السياسية ، الكثير لنفكر فيه الآن. أريد أن أتحدث عن الصراع الداخلي بين الخوف والعقل ، والذي مع صعود الإسلاموية ، يقدم للناس خيارات خاطئة. مع الإغراء – الذي يشعر به كامو أيضًا – رؤية المسلمين على أنهم جمهور خطر مهدد. هذه رؤية تتقبل أخطر الأساليب ، وتشوش الأفراد بآيات من القرآن ، وتتبنى خصوصيات الأصولية التي تستنكرها من خلال الخلط بين الإنسان والجمهور ، القرن السابع مع القرن الحادي والعشرين. وهناك إغراء آخر ، أعمى أيضًا ، يقود بعض المقاتلين ضد الإمبريالية لطرد أولئك الذين يخيفهم الإسلام. الإغراء الفكري الشديد لاختيار الذكاء على الفهم ، لتجاهل الخوف باسم الفكرة – أو باسم المثالية ، والتي تأتي إلى نفس الشيء إلى حد ما. أن ننسى ، كما قال فانون ، أن العقل المضطهد(مفعول به) يحتوي على بذرة مضطهد(فاعل) مستقبلي.”.
-الجزيرة
في الفصل الرابع عشر , تقرا الباحثة التضليل الاعلامي , الدور الذي لعبته قناة الجزيرة في تبضيع الاسلام الساسي .:-
“في صراع سعيد بكل قوته ضد الخوف والازدراء الذي يعبر عنه العنصريون الغربيون للعرب والمسلمين ، قللت رؤيته من الخطر المتمثل في انتقام الدين. كانت الضربات تمطر من جميع الجهات. أتذكر أنني كنت معه ذات يوم في نيويورك ، في استوديو تلفزيوني لمحطة الجزيرة القطرية. كان يجري مقابلة ، كنت أشاهدها على الشاشة في الغرفة المجاورة. بدأ كل شيء بشكل طبيعي ، عندما رأيت فجأة الفخ الذي نصبه الصحفي: من خلال إثارة انتقاد سعيد للسلطة الفلسطينية ، جعل سعيد يقول شيئًا لم يقله ، وهو يلف كلمات سعيد لإعطاء نوع من شيك على بياض للإسلاميين . بالصدفة ، كان البرنامج من جزأين. قلت له “إنهم يستغلونك”. ‘كن حذرا. إنهم عديمي الضمير. تم تصحيح التوازن في الجزء الثاني من المقابلة ، ودخلنا نقاشًا مطولًا بعد ذلك حول الاحتياطات الواجب اتخاذها مع وسائل الإعلام. تم تصور عمل إدوارد سعيد في وقت كان الصراع بين أنماط التمثيل المختلفة لا يزال ينطوي على تفوق “الغرب” على “الشرق العربي” المعلن. انتهى في وقت اتخذ فيه رد فعل الشرق منحى خاطئا. ممزقا بين الديكتاتوريات الداخلية والإملاءات الخارجية ، كان الدافع من أجل التحرير في صوت من نوع جديد ، بين الإسلاموية من جهة والعسكرة من جهة أخرى.”
ثم تمضي الباحثة لتسأل: كيف كان سعيد سيصوغ نقده اليوم ويمضي ويقسمه؟ من أي منظور؟ يبدو من المرجح أنه كان سيعزز نقده للإسلاموية. وربما كان سيساعد في إنشاء الكلمة التي تفتقر إليها اللغة الإنجليزية لتمييز الإسلام عن الإسلام السياسي. تشير أعماله بأكملها إلى أنه لم يكن ليتخلى عن صراعه ضد نفاق الرضا الذاتي للغرب وخبرائه ، الذين يسعون بنشاط للتغطية على فداحة كذبتهم من خلال فحص التفاصيل الدقيقة ، وأنه كان سيبرز العلاقة التي لا تنفصم. بين الإمبريالية والوحش الجهادي الذي انجبته. هل كان سيعطي مساحة أكبر لفحص عناصر النص القرآني التي تتطلب إصلاحًا عاجلاً وتفسيرًا صارمًا؟ هل كان سيوافق على أنه في أوائل القرن الحادي والعشرين ، أصيبت أجزاء من جسد العالم الإسلامي بمرض خطير وجهاز المناعة فيه قاصر؟.”.
-الهولوكوست
في الفصل الخامس عشر تقرا الكاتبة معتقدات الفرد وتحولات المحبة والكراهية:
“عندما ترتبط معتقداتنا بإدراكنا لبقائنا ، فإن علاقتنا بالذات والآخر تتعرض للخطر. قد تكون معتقداتنا صحيحة أو خاطئة ؛ هذه ليست القضية – أو على الأقل ليست تلك التي أستكشفها الآن. ما أعنيه هو أنه عندما نساوي التفكير المنطقي بأن نكون على صواب ، فإننا نجازف بعزل أنفسنا. لقد وصلت هذه العزلة إلى أبعاد مأساوية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد أوقف التاريخ. والفكر. لقد حكم على كلا الجانبين بالركود والعودة إلى الصفر بلا نهاية – وهو عكس التكرار الموسيقي الإبداعي. إن القدرة على تحويل العدو إلى صديق له نبرة صوت أو ابتسامة أو نظرة ، أمر يتخلى عنه العالم الفكري بشكل خطير. هذا الفشل يهمني بشكل خاص ، وبعد أن جربته ، فأنا في وضع جيد لوصفه. فرض عليّ التاريخ اكتشاف الحياة في المخيمات الفلسطينية في لبنان وأنا في السابعة عشرة من العمر, ?بينما إسرائيل ، مدججة بالسلاح عسكريًا وسياسيًا ، ازدرت أي فكرة عن القانون مع الإفلات من العقاب ، وفرضت تفوقها الفعلي علينا على كل المستويات. لم أغير آرائي السياسية على الإطلاق. السياسة الاسرائيلية اليوم هي مثال الكذب والغطرسة. يدفعني الى الغثيان رؤية التساهل الذي تتمتع به في الغرب ، حيث تتجلى معاداة السامية بأكبر قدر من القسوة ، مما أدى إلى فظائع النازية. لم أتغير ، لكنني منحت نفسي الإذن بالتوقف عن الكراهية وتفكيك صورتي المدمجة للعدو ولجعل الحوار ممكنًا. ادوارد فعل ايضا. وفتح هذا “الإذن” اتجاهات جديدة غير عادية. ما هي أهم خطوة يجب اتخاذها للتوفيق بين الذكريات المستندة إلى مصادر مختلفة والتي غالبًا ما تكون متناقضة؟ اختر المشاركة بدلاً من الإقناع – حتى تترك الاتساق وراءك ، إذا كان يمكن أن تساعد “المسافة” في الرؤية.
سألت “ماذا تقرأ؟” بعد عشرين عامًا على طباعة كتاب الاستشراق، كان إدوارد منشغلاً بالكتابة وظهره إليّ . أخبرته ، ثم اندفعت في إحدى نوبات شغفي الغاضبة: “نحن يائسون! حان الوقت أن تسمع الأصوات في العالم العربي تعترف برعب الإبادة الجماعية ضد اليهود. حان الوقت لإنهاء التساهل الذي يظهره العديد من المثقفين للنافين لفكرة الابادة. وإلا ، ما هي مصداقيتنا عندما نهاجم سياسات إسرائيل؟ في اليوم التالي ، في مدينة كوتنبيرك ، قامت آلة فاكس بإظهار الصفحات التي أرسلها إدوارد للطباعة إلى مساعدته زينب استرابادي في كولومبيا. قال: “هنا ، هذا لك”. كانت المقالة الشهيرة التي تقول بشكل ملحوظ:
” إن فكرة أن الهولوكوست كانت مجرد تلفيق صهيوني يتم تداولها بطريقة غير مقبولة. لماذا نتوقع من العالم كله أن يدرك معاناتنا إذا لم نكن قادرين على التعرف على معاناة الآخرين ، حتى لو كانوا هم من يضطهدونا ؟ لماذا ، عندما نظهر أنفسنا غير قادرين على التعامل مع الحقائق التي تزعج الرؤية التبسيطية للمثقفين أصحاب التفكير الصحيح الذين يرفضون رؤية الرابط الموجود بين الهولوكوست وإسرائيل؟ أن نقول إننا يجب ألا نعترف بواقع الهولوكوست بأي حال من الأحوال يعني أننا نقبل فكرة أن الهولوكوست تبرئ الصهيونية من الخطأ الذي ارتكب بحق الفلسطينيين. على العكس من ذلك ، فإن الاعتراف بتاريخ الهولوكوست وجنون الإبادة الجماعية ضد الشعب اليهودي يجعلنا موثوقين عند الحديث عن تاريخنا. يسمح لنا بمطالبة الإسرائيليين واليهود برؤية الصلة بين المحرقة والظلم الصهيوني المفروض على الفلسطينيين. إن مواكبة روجيه غارودي وأصدقائه النافين باسم حرية التعبير هو خدعة غبية لن تؤدي إلا إلى تشويه سمعتنا في أعين العالم. دليل على سوء قراءة جوهرية للتاريخ ، وعلامة على عدم الكفاءة وعدم القدرة على خوض معركة جديرة بالاهتمام.”.
-المعلم
في الفصل السادس عشر , تقرا دور سعيد:
“غالبًا ما كان إدوارد ينجذب إلى المؤلفين والأصدقاء الذين لديهم آراء تختلف عن آرائه ، حتى إلى درجة كونها متناقضة. لم يقتصر الأمر على أن إعجابه لا يتضمن بالضرورة الاتفاق مع آرائهم ، بل وجد التناقض بين الإعجاب والخلاف أمرًا مثيرًا. كان كونراد بلا شك المثال الأبرز في الأدب ، لكن كان هناك العديد من الأمثلة الأخرى ، بما في ذلك كيبلينج وأوستن وفيكتور هوغو. لكي نكون دقيقين ، يجب أن نضيف أن العدو الميت كان من المرجح أن يلقى إعجابه. فرد قد عاش. ما هو المثقف في نهاية المطاف؟ من المستحيل قول ذلك في بضع كلمات ، فكر المثقف يشمل عنصر الإرادة. المثقفون يريدون فهم العالم وترجمة أفكارهم إلى نوع من القتال. قام إدوارد ، الإنساني المقاتل ، بتغذية رغبتي في المشاركة ، والتي تعود إلى طفولتي. لقد أعطى الصرامة والشكل للطاقة التي نجت من غرائزي الانتحارية.”.
-الحب
في الفصل السابع عشر وتتحدث الكاتبة عن قصيدة كتبتها في حب سعيد:
كونراد ، بروست ، سويفت ، فيكو ، دوستويفسكي ، فوكو ، كامو ، فانون ، أورويل ، سيوران ، فاليري … المسار الذي يسلكه هذا الكتاب يشبه المشي في حديقتنا. حدائق المدينة. كان إدوارد حريصًا بشكل معتدل على الطبيعة. كان يحب أن يراها من خلال نافذة السيارة ، وكان يحب التوقف ليوم أو يومين في البلد ، لكن لا يعيش هناك. كان يحب البحر. سارت علاقته بالمنفى وعلاقته بالثقافة جنبًا إلى جنب. واحد دون الآخر لم يكن خيارًا. كان سعيدًا في الأماكن التي حملت بصمة عقول البشر وأيديهم. لم يكن يحب الأعلام أو الملكية أو القومية. كان يحب الأشياء التي تغير وتطور وتؤكد على والتفرد والهجنة. كان يحب المكتبات وقاعات الحفلات الموسيقية. كتبت له قصيدة – “الحدائق كانت بيوتنا – وجدت للتو مسودة في دفتر ملاحظات ، بتاريخ تشرين الثاني / كانون الأول 2000. في ذلك الوقت ، كنت أعيش في نيويورك ، في شقة مفروشة حيث كنت أنتظر حتى يحظى بلحظة فراغ ، أثناء العمل على كتاب المحادثات الخاص بي مع كرين. من بين فيض العبارات “الشعرية البغيضة” تلك ، التي لا أنكرها: “لقد أعطيتني باخ وسويفت وكونراد ، بكلمات دقيقة ونقية لدرجة أن رأسي أصيب بالذعر من الضبابية التي ولدت بها ، واحتفظت بالخيط. فقط بثمن خسارة صامتة.”. كنت قد كتبت في الأصل ، “خسارة مؤلمة” ، ثم شطبتها. “لا يهم كم قلت لك أن تنظر! عيناك تحدقان في الخريف مع تسامح كلب جامد الشعور مع طائر “.لقد أحببت ابتسامتك ، خالية من المعرفة ، وجدت وجهك بحنان مندهش … لقد أعطتني الجنون السعيد لاستعارة حياتك ، بالطريقة التي كنت ، كطفلة ، أود القيام بالإيماءات المزعجة للكبار … لقد أعطيتني لحظات من الإيمان ، ورأسي على كتفك ، يرتجف وأنت تمشي ، كنت أمسك بالله وعيني مغمضتين ، مثل ضوء الشمس … لقد فعلنا أصعب شيء ، لقد أحببنا بعضنا البعض. “وفي الصفحة الأخيرة من دفتر الملاحظات ، كلمات غريبة أفهم نصفها فقط:” الجزء المنخفض في أفكاري يذهب لمقابلة رجل يحمل ماضي بين ذراعيه.”.
الحظر
في الفصل الثامن عشر تتحدث الكاتبة عن الغاء مؤتمر كان من المزمع اقامته في بيروت, من قبل ناكري الهولوكست , .
تقول الكاتبة, عندما علمت بخبر المؤتمر :
“كتبت البيان القصير التالي ليوقعه مثقفون عرب معارضون لهذا الحدث: “نحن المثقفون العرب مرعوبون من هذا المشروع المعادي للسامية. نلفت انتباه الجمهور اللبناني والعربي إلى هذا التجمع وندعو السلطات اللبنانية إلى منع إقامة هذا الحدث غير المقبول في بيروت “. وقد تم جمع أربعة عشر توقيعًا في وقت قياسي ، بما في ذلك توقيعات أدونيس ومحمود درويش وإدوارد سعيد. في ذلك الوقت ، انهارت علاقتنا. لذلك طلبت من صديقي إريك حزان أن يتصل بإدوارد ويطلب منه التوقيع. قال على الفور: “نعم بالطبع.” كان هذا النص وأسماء الموقعين على رأس الأخبار في صحيفة لوموند بتاريخ 16 مارس 2001. مع التفاصيل التالية: “بمبادرة من منظمتين نازيتين جديدتين ، الحقيقة والعدالة في سويسرا والمعهد الأمريكي للمراجعة التاريخية ، من المقرر عقد مؤتمر “التحريفية والصهيونية” في الفترة ما بين 31 آذار و 3 نيسان في بيروت. جاك شيراك ، الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت ، اتصل بصديقه رفيق الحريري ، رئيس الوزراء اللبناني. لا أعرف كيف سارت المناقشات. ما أعرفه هو أنه تم حظر المؤتمر. وبعد أيام قليلة ، صُدمت ، ذهلت ، عندما علمت أن إدوارد قد غير رأيه وصرح علنًا أنه لا يوافق على الدعوة إلى الحظر. من حيث الجوهر ، قدم سببًا له ، “لقد كنت دائمًا ضد الحظر. كان الإدانة كافية”. أجرت الجزيرة مقابلة مع امرأة قدمتني كمتلاعبة ، وكانت الرسالة أن دومينيك إيدة قد أجبرت إدوارد سعيد على التوقيع . أثناء مشاهدة المشهد على التلفزيون ، اتصلت دينا حيدر ، التي كانت صديقة لكلينا ، بإدوارد على الفور في نيويورك ، وطلبت منه دحض هذه الافتراء والالتزام بمبادئه والتراجع عن أقواله علنًا. لم يأت منه شيء. قبل وفاته بفترة وجيزة ، قال إدوارد عبر الهاتف ، “سامحني د.” لقد تضررت علاقتنا بسبب هذا ، لكنها لم تنته بعد. احببته. نحن نحب بعضنا. لقد أحببنا بعضنا البعض أقل قليلاً من ذي قبل ، لكن حبنا كان بنفس القوة.”.
-نوسترومو
في الفصل التاسع عشر تقدم الباحثة قراءة في رواية كونراد (نوسترومو).
تبدا بالقول: الاستعداد للموت لا طائل من ورائه. كما تنأى بنفسك. جاء خبر وفاته عبر الهاتف. عدم القدرة على أن تكون مع من تحبه في أيامه الأخيرة هو محنة تفتقر تمامًا للإنسانية. كانت محنة لم يتخيل إدوارد أنني سأعانيها. قال لصديقنا المقرب من سريره في المستشفى ، قبل أيام قليلة من وفاته: “أخبرها أنني سأراها مرة أخرى”.
ثم تمضي في تقديم ملخص لرواية نوسترومو(العنوان الكامل نوسترومو، حكاية من الساحل), الرواية التي كتب عنها سعيد خمسة وثلاثون صفحة نقدية مهمة في كتابه البدايات, ونادرا ما اشار اليها في رسالته عن كونراد. موضوع الرواية هو موضوع كونراد المتكرر: فساد المُثُل بالمال. هنا مضاعف تسعة درجات . الرواية بأكثر من خمسمائة صفحة.
تدور أحداث نوسترومو في الريف الجنوبي الأمريكي من كوستاغوانا، وتحديدًا في المقاطعة الغربية من البلاد ومدينتها الساحلية ذات الميناء، سولاكو. تشبه كوستاغوانا كولومبيا بجغرافيتها، على الرغم من كونها أمة خيالية. تمتلك كوستاغوانا تاريخًا طويلًا من الاستبداد والثورة والحرب، لكنها شهدت فترة من الاستقرار مؤخرًا في عهد الدكتاتور ريبيرا.
تشارلز غولد هو مواطن من كوستاغوانا من أصل إنجليزي يمتلك امتيازًا مهمًا في مجال استخراج الفضة بالقرب من ميناء سولاكو الرئيسي. سئم تشارلز من عدم الاستقرار السياسي في كوستاغوانا وما رافقه من فساد، واستخدم ثروته لدعم حكومة ريبيرا التي اعتقد أنها ستحقق استقرار البلاد في نهاية الأمر، بعد سنوات من سوء حكم الدكتاتوريين وطغيانهم الذين عملوا لأجل مصالحهم فقط. عوضًا عن ذلك، تسبب منجم غولد للفضة بالمزيد من الثورات وظهور أمراء الحرب الذين نصبوا أنفسهم، ما أدى إلى غرق كوستاغوانا في الفوضى. أقدمت قوات الجنرال الثوري مونتيرو على غزو سولاكو بعد ضمان العاصمة الداخلية. يأمر غولد، الذي لم يرد للفضة التي يمتلكها أن تفسد أعداءه، نوسترومو، وهو «كاباتاز دي كارغادوريس» (رئيس عمال الميناء) الموثوق في سولاكو، بنقلها إلى الخارج حتى يتمكن من بيعها في الأسواق الدولية.
نوسترومو هو مغترب إيطالي وصل إلى منصبه من خلال شجاعته ومآثره الجريئة. («نوسترومو» هي الكلمة الإيطالية لـ«ملّاح» أو «زميل المقصورة»? ولكن يمكن اعتبار الاسم تحريفًا للعبارة الإيطالية «نوسترو أومو» التي تعني رجلنا). الاسم الحقيقي لنوسترومو هو جيوفاني باتيستا فيدانزا، وتعني فيدانزا «الثقة» باللغة الإيطالية القديمة.
يُعتبر نوسترومو شخصية قيادية في سولاكو يحترمها الأثرياء الأوروبيون، ويبدو أنه لا يمتلك حدودًا في ما يتعلق بقدراته على تولي السلطة بين السكان المحليين. على الرغم من ذلك، لم يعترف نوسترومو أبدًا بأنه جزء من مجتمع الطبقة العليا، بل نظر إليه الأغنياء باعتباره أداة مفيدة لهم. يعتقد تشارلز غولد وأرباب العمل أن نوسترومو شخص عفيف، ولهذا السبب عُهد له بنقل الفضة من سولاكو لحمايتها من الثوار. يرافق نوسترومو الشاب الصحفي مارتن ديكود في رحلته لتهريب الفضة من سولاكو، بيد أن المركب الذي سيحمل الفضة يتعرض للضرب في المياه قبالة سولاكو من قبل ناقلة تحمل القوات الثورية الغازية بقيادة الكولونيل سوتيلو. يتمكن نوسترومو وديكود من حماية الفضة من خلال وضع المركب على الشاطئ في غريت إيزابيل. يبقى ديكود مع الفضة في جزيرة غريت إيزابيل المهجورة في الخليج الواسع قبالة سولاكو، في حين يغادر نوسترومو المركب ويسبح عائدًا إلى الشاطئ دون أن يُمسَك به. تستمر قوة نوسترومو وشهرته بالنمو في سولاكو بينما يقطع الجبال ليحشد الجيش الذي ينقذ زعماء سولاكو من الثوار الذين بدأوا تأسيس ولاية سولاكو المستقلة. في أثناء ذلك، تُرك ديكود وحده في الجزيرة المهجورة حيث يفقد عقله، فيأخذ زورق النجاة الصغير إلى البحر ويطلق النار على نفسه، بعد استخدامه بعض السبائك الفضية محاولًا زيادة وزنه حتى تغرق جثته في البحر.
لم تجلب مآثر نوسترومو خلال الثورة الشهرة التي كان يأمل بها، وشعر أنه مُستغَل ومغمور، إلى جانب شعوره بأنه قد خاطر بحياته من أجل لا شيء. غمره الاستياء الذي أدى إلى فساده وتدميره في النهاية لأنه أبقى المصير الحقيقي للفضة أمرًا سريًا بعد اعتقاد الجميع أنها فُقدت في البحر. وجد نفسه يصبح عبدًا للفضة ولهذا السر، حتى بدأ يستعيدها ببطء سبيكة تلو الأخرى عن طريق الرحلات الليلية إلى غريت إيزابيل. شكل مصير ديكود لغزًا بالنسبة لنوسترومو زاد من جنونه، بالإضافة إلى لغز سبائك الفضة المفقودة. في نهاية الأمر، بُنيت منارة في غريت إيزابيل، ما هدد قدرة نوسترومو على استعادة الكنز سرًا. تمكن نوسترومو الذي لطالما تمتع بالدهاء من إقامة علاقة وثيقة مع الأرمل جورجيو فيولا الذي عُين حارسًا للمنارة. وقع نوسترومو في حب ابنة جورجيو الصغرى، إلا أنه ارتبط بابنته الكبرى ليندا. أطلق جورجيو العجوز النار على نوسترومو عن طريق الخطأ في إحدى الليالي في أثناء محاولته استرداد المزيد من الفضة.
تطرح الكاتبة سؤال: لماذا لم يرى سعيد بشكل أوضح ، أو يؤكد على الأقل ، نقد كونراد الذي لا يرحم للرأسمالية؟ وتجيب: “ومع ذلك ، فإن رؤية كونراد النقدية الجذرية دائمًا للمال والرأسمالية مدهشة تمامًا مثل قبوله للإمبريالية دون أوهام. صحيح أن رؤيته الشرسة والسابقة لانتصار المال لا تتحول أبدًا إلى أي نوع من التشدد. كونراد ليس مع العالم الذي يصفه ولا ضده ، فهو ببساطة يراقبه. وإلى الحد الذي لا يؤمن فيه بالمعارك الجماعية – في نظره ، كلهم ملزمون بالتدهور تحت تأثير الجشع البشري والقسوة – فهو يظل ضمن هامش المراقبة الضيق الصارم. هذا خيار قرر سعيد عدم اتخاذه. اختار استخدام إرادته في خدمة العمل الجماعي. يكاد يكون من المؤكد أنه لم يقل سوى القليل عن رؤية كونراد للرأسمالية ، التي كانت مهتمة بالطبيعة البشرية ، بدلاً من الاشتراكية ومناهضة الماركسية للرأسمالية ، لأنها فعلت نزع سلاحه أكثر من استمرار نضاله. لا يمكن تصدير العناصر الروائية الواضحة نفسيا بالجملة إلى عالم الأفكار.
تنقل الكاتبة عن سعيد, حول الرواية , من كتاب البدايات: ” أن نسيج الحياة يتم تصنيعه بواسطة عملية شيطانية يكون هدفها ومنطقها مناهضين للإنسان بعمق”.
الحلم المشترك
في الفصل العشرون , تتحدث الكاتبة عن حلمهما المشترك:
“بدأت الفترة الأولى من علاقتنا عندما صدرت الترجمة الفرنسية للاستشراق لأول مرة في فرنسا ، والثانية مع نشر الثقافة والإمبريالية في عام 1993. هذا وقتًا كانت فيه رغبته في العيش والإبداع والحب في أوجها ، على الرغم من سرطان الدم الذي جعله يكرر أنه “رجل يحتضر” ، وكأنه يستعيد عافيته بشكل أفضل. الآن فقط ، من خلال إعادة قراءة هذين الكتابين ، أرى العلاقة بيننا ومعهما. عاد إدوارد إليّ ، حيث عاد إلى أول هذين الكتابين في كتابة الثاني. كان التكرار أو العودة إلى موضوع في حركة جديدة سمة مدهشة في حياته وعمله. على المستويين العاطفي والفكري ، كانت مغادرته دوما – كره سعيد الرحيل – مصحوبة غريزيًا بوعد بالبدء من جديد. لعبنا في بعض الأحيان نسخة معدلة من النتائج. يكتب أحدنا سؤالاً ، ويطوي الورقة ، والآخر يكتب ردًا دون معرفة السؤال. منذ وقت ليس ببعيد وجدت منديل ورقي كنت قد كتبت عليه ،”ما هو الحب؟” فأجاب ، “الأفضل هو العودة والتلخيص” (يوفر التلخيص عودة مزدوجة لكل من مفتاح منشط والموضوع الأساسي. إن الجمع بين هذين العاملين هو الذي يحدد التلخيص باعتباره القسم الختامي لشكل السوناتا..)
ما العالم الذي كنا نحلم به ، إدوارد وأنا؟ لا أستطيع أن أقول بالضبط. أعتقد أننا ، بعيدًا عن علاقتنا ، لم نخلط أبدًا بين الحلم والواقع. كانت معاركنا ضد الظلم والهيمنة والاستعمار والرأسمالية الجامحة متجذرة في تمثيل العالم الذي أظهر بوضوح أكبر بكثير ما لا نريده ، مما أظهرناه. كنا متمردين برجوازيين ، معارضين للنظام القائم ، وليس ثوريين. الطهارة أرعبتنا. بشكل عام ، لا أعتقد أن المعايير الإنسانية تنقسم على أسس سياسية بحتة.
إن الشعور بالمفارقة الذي كان مهمًا للغاية بالنسبة لي وإدوارد يضعنا بشكل غريزي في حذرنا من النهايات السعيدة التي أعيد بناؤها في دماغ خلف أبواب مغلقة ، لقد فضل وصف نفسه بأنه مشارك وليس مناضل. لكوني أكثر فوضوية وهامشية ، وأقل صلابة وتوازنًا منه ، فضلت ، في ذلك الوقت كما هو الحال الآن ، تجنب التعريفات. الحروب والمجازر المتكررة في بلادنا – فلسطين ولبنان – ثم العراق ، مع نتائجها المروعة ، شكلت عالمًا مروّعًا بُنيت فيه مقاوماتنا و / أو استنفدت – عالم في قلبه أوجدنا مساحة للحب والجمال. حيث أصبحت مواجهة العدو أسهل ، بدءاً بإسرائيل ، دون تردد ، دون التنازل الذي يخون الأساسي ، ودون الانزلاق إلى الكراهية. رفض سعيد جميع التسويات السياسية والإعلامية التي قامت عليها الاتفاقات المبرمة بين الأقوياء على حساب الشعب الفلسطيني ، كان الموقف الذي يمثله سعيد نموذجيًا. تاريخي. كنت فخورًة لكوني قريبًا جدًا منه خلال هذا الوقت ، عندما كان يجسد مثل هذه الصرامة والشجاعة والعزلة.
-سياسة التجريد
في الفصل الحادي والعشرين , تقرأ الكاتبة في كاتب سعيد, سياسة التجريد, الذي صدر عام 1994:
“لقد جلبت السنوات الخمس والعشرون التي انقضت على نشر هذا الكتاب سلسلة من الهزائم والكوارث في المنطقة ، حتى نفدت الكلمات والانفاس لدى أبناء جيلي لفرز وتمييز خسارة أو مذبحة عن الأخرى. العمل السياسي لسعيد تاريخي من حيث الفكر والأحداث التي يسجلها: إنها أرشفة للأجيال القادمة لتلك النقطة في التاريخ عندما شرعت الإسلاموية ، رغم أنها لم تنتصر بعد ، في العمل بشكل خطير ، لا سيما من خلال حماس ، وكانت السلطات الإسرائيلية تدعمها ، لزيادة إضعاف السلطة الفلسطينية ، بينما تدمر بشكل أعمى ومنهجي الظروف المعيشية للفلسطينيين. يكتب سعيد في هذا الكتاب:
“السؤال الذي يجب طرحه هو إلى متى يمكن استخدام تاريخ معاداة السامية والمحرقة على وجه الخصوص كسياج لإعفاء إسرائيل من الحجج والعقوبات ضدها بسبب سلوكها تجاه الفلسطينيين ، الحجج والعقوبات التي استخدمت ضد الحكومات القمعية الأخرى ، مثل حكومة جنوب إفريقيا. إلى متى سننكر أن صرخات أهل غزة .. مرتبطة مباشرة بسياسات الحكومة الإسرائيلية وليس بصرخات ضحايا النازية؟”.
في 12 حزيران 1992 عاد سعيد للمرة الأولى منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره إلى وطنه مع زوجته مريم وطفليهما وديع ونجلاء. يكتب: “لقد أصبحت فلسطيني دولة يهودية ، بلغ عدد الفلسطينيين الذين بقوا فيها الآن 850 ألفًا ، ثمانية عشر ونصف بالمائة من السكان الذين يغلب عليهم اليهود. كانت الضفة الغربية وقطاع غزة أراضٍ محتلة ، عسكريًا تحت سيطرة الجنود الإسرائيليين والمستوطنين والمسؤولين الاستعماريين. يعيش هناك حوالي مليوني فلسطيني.”. عندما قاده أحد الأصدقاء إلى منزل طفولته في الطالبية ، استغرق الأمر ما يقرب من ساعتين للعثور عليه. في مفارقة كبيرة ، عندما وصلوا إليه ، تم تحويل المنزل إلى “سفارة مسيحية دولية”.
يقول سعيد” سيطر علي الغضب والحزن ، لذلك عندما خرجت امرأة أمريكية من المنزل وهي تحمل مجموعة من الغسيل وسألت عما إذا كان بإمكانها المساعدة ، كان كل ما يمكنني تفويته هو ، “لا شكرًا” الغريزية.”.
-للغة لموسيقى
في الفصل الثاني والعشرين , تقرا الكاتبة علاقة سعيد ودانييل بارنبويم :
“كتب آرثر شنيتزلر “الرجل الذي لا يفاجأ ليس لديه ما يعطيه”. يسمح كل من إدوارد سعيد ودانييل بارنبويم بأن يفاجأ كل منهما الآخر. من اللحظة الأولى ، في لندن ، تموز 1993 ? إلى آخر عشر سنوات بعد ذلك. وصف سعيد اجتماعهما بأنه حدث مذهل. “انتقل بعض الاعتراف الفوري والعميق بقوة من شخص إلى آخر ، كما حدث لحسن الحظ ولكن نادرًا ما يحدث في الحياة.”. عبقرية بارنبويم الموسيقية ، الوضوح العقلي الشديد ، التعاطف والاستجابة ، على الرغم من جولته المحمومة من الحفلات الموسيقية ، دفعت إدوارد لكتابة ، “هذه الصداقة غيرت حياتي.” تعود كلمة “الحياة” في هاتين الجملتين كما كانت في كل مرة تحدث فيها إدوارد عن بارنبويم. بما أن الحياة والحركة متحدتان تقريبًا ، يمكننا قياس ما جلبته هذه العلاقة على المستويات العاطفية والموسيقية والسياسية والفكرية. بالإضافة إلى صلاتهما الواضحة ، شارك الرجلان في رؤية “العدو” التي لم تكن خائفة ولا مختزلة. بالنسبة لكليهما ، لم يكن لدى “العدو” صورة واحدة ، ومجموعة من الميزات والشكل. كان هذا الاتفاق العفوي هو الذي مكنهم من اتخاذ خطوة كبيرة حملتهم إلى ما وراء ما يعرفونه ، ليُظهر لهم ما لا يمكنهم رؤيته ، أو يمكنهم رؤيته جزئيًا فقط. دون المساومة على معتقداتهم. لكن جعلها أكثر قابلية للاختراق ، وأقل احتمالية لأن تصبح ثابتة في اليقين الحصري. بعد التحرر من التنافس ، خلقت صداقتهما بينهما شيئًا كان يُنكر عادةً – الطريق الذي يقود من الذكاء إلى الفضول حول الآخر ، إلى الاعتراف. دون خوف من الخلاف وبدون توقف الحركة. أحد الأسباب التي جعلت المسار سريعًا وواضحًا هو أنه ،قبل أن يحاولوا فهم بعضهم البعض ، استمعوا. لقد استمتعوا بهذه العملية بشكل حاسم. التقيا على أرضية مشتركة تم إحيائها من خلال الطاقة التي وظفتها لجعلها موجودة واستمرارها. كما في الموسيقى. قال بارنبويم لـ “سعيد” في محادثة تم تسجيلها في فايمار في عام 1999 “الموسيقى لا تتعلق بالوجود بل بالصيرورة”. من الواضح أن بارنبويم وسعيد كانا على نفس الموجة منذ البداية. لم يقولا دائمًا نفس الأشياء ، لكنهما يتحدثان نفس اللغة. لغة تريد أن يدين المعنى بوجودها لما قبلها وبعدها ، مثل النوتة الموسيقية. في أساليب حججهم ، كانت هناك منطقة يتشاركونها بالكامل – وعي بالمؤقت والمفارقة الذي فتح الطريق أمام الفكاهة والمرونة وهو أكثر الهوامش خصوبة للمناورة ، تأجيل الصراع. لقد أرادا نفس الشيء: المساواة. أدرك بارنبويم منذ البداية أن عدم تناسق علاقات القوة بين إسرائيل وفلسطين ذلك كاد ما أجبره على الاعتراف بأن هناك أكثر من خطوة يجب اتخاذها ، على المستوى السياسي ، لإنجاح اللقاء. اتخذ تلك الخطوات. واعترف بوحشية السلطات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين ، وسلسلة الظلم والإذلال التي تمارسها. في مقابلة أجريت بعد وقت قصير من وفاة سعيد ، قال بارنبويم ، “الحكومات الإسرائيلية تضطهد أقلية ، في تجاهل للتاريخ الكامل لليهودية وجميع أخلاقيات اليهودية ، نحن الذين كنا أقلية لألفي عام نضطهد الآن شعبا آخر ، أقلية أخرى “..
الخطاب الاخير
الفصل الاخير الثالث والعشرين تناجي الكاتبة سعيد الغائب :
كتبت لي في عام 1983: “سرنا في الموسيقى” ، لحظة النغمة الأخيرة ، لحظة إعادة الموسيقى إلى الصمت ، ليست طبيعية .يعبر عنها بارنبويم<الموسيقار > جيدًا عندما يميز بين موت صوت طبيعي – نهاية صوت المطر أو الرياح – ونهاية الصوت الموسيقي. هذا الأخير يحمل فيزيائيا من قبل الموسيقي ,يحمله ويستريح ، مثل الجسد . في الكتابة إليك اليوم ، أسترجع الجهد الجسدي للانفصال ، والعودة إلى الصمت. بشكل مصطنع ، ببطء ، تعيدك كلماتي إلى غياب الصوت. نعم ، كان سرنا في الموسيقى. والموسيقى مرتبطة بالصلاة. بمعنى أنه ليس عليك أن تؤمن بالله لكي تصلي. بل أقول إن اجمل الادعية يستغني عن الله. إنه ببساطة لا يطلب النقس لتقليل أهمية النفس. هذا ما أفعله في تركك في نهاية هذه الصفحة. أنا أختزل ذاتينا ، أنت وأنا ، ذاتينا الذي عملت العجائب. أقول وداعا للمثل الأعلى. بدلاً من ذلك ، أنظر إلى شجرة فاكهة في برعم يثير اهتمامي بشكل خاص لأنني أستطيع أن أتخيل فروعها سوداء اللون في الشتاء في غضون بضعة أشهر. عارية. وأعتقد ببساطة أنه طالما أن المعنى يتحرك ، فلا يجب أن نوقفه.”.
—
هوامش:
أ- دومنيك إده, ولدت في بيروت عام 1953 ,روائية وكاتبة ومدرّسة وناقدة أدبية ومترجمة ومحررة. حيث نشرت مقالاتها السياسية في لوموند ولو نوفيل أوبسرفاتور. وهي تعيش حالياً في تركيا ولبنان. صدر لها رواية بعنوان (طائرة ورقية) ,عام 2003. رواية غنية ومتعددة الطبقات ، مع عناصر من كل من المذكرات والخيال ،تبدأ احداث الرواية في الستينيات وتنتهي في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ، سردًا لعلاقة عاطفية ومأساوية في نهاية المطاف بين مالي وفريد والانحدار المتزامن للمجتمع المصري اللبناني. مع عرض لمصائر ، ضحايا الأعراف الاجتماعية والانقسامات الدينية والكليشيهات الثقافية.
الاختلافات بين الشرق والغرب موضوعة أساسية للتوتر في الرواية وتشترك في المسؤولية عن مأزق لا مفر منه بين العشاق. هذه الرواية المكتوبة بأصوات عديدة تعكس الحياة المجزأة لأولئك المحاصرين في جنون الحرب – تدعو إلى التساؤل عن طريقة كاملة للعيش والتفكير .تشير الكاتبة الى ان ادوارد سعيد قد قراءة مخطوطة الرواية قبل رحليه, والمح الى الشبه بين مالي وفريدا ,وسعيد ودومنيك..
وفي عام 2007 , صدر لها كتاب بعنوان ( جريمة جان جينيه)
الكتاب سردًا شخصيًا قويًا لتأثير كاتب على آخر وواحد من أكثر الاستكشافات اختراقًا لمنجز جان جنيه الابداعي. التقت دومينيك إيدة بالروائي والكاتب المسرحي جان جينيه في السبعينيات. وهي لم تنساه قط. كتبت: “لقد منحني حضوره إحساسًا بنار جليدية. مثل كلماته ، كانت إيماءاته كاملة ومحسوبة ودقيقة. . . . حركات جينيه تحاكي حركة الزمن ، تتراكم بدلاً من المرور “.هذا الكتاب هو وصف إيدة لذلك الاجتماع وتموجاته خلال سنوات مشاركتها في حياة جينيه وعملها. تقدم تحليلاً دقيقًا لعمل جينيه وتطرح موضوعات غير مدروسة إلى حد كبير ، مثل غياب الأب ، والتي تصبح مجازًا لهجوم جينيه الدائم على القانون.
صدرت لها رواية “كمال جنّ” عام 2012 , عن دار نشر “ألبان ميشال” الفرنسية. قصة عائلة سورية، تصوّر فيها دومينيك إدّة ببصيرة نافذة عالما على وشك السقوط، عالم السلطة والفساد والترهيب . وتوقّعت إدة في روايتها انهيارا وشيكا للنظام السوري قبل اندلاع الثورة السورية.
ب – الكتاب موضوع المقال, صدر الكتاب بالغة الفرنسية عام 2017 ثم ترجم الى اللغة الانكليزية عام 2019
? First published as Edward Said: Le roman de sa pensée.
? Dominique Eddé© Editions La Fabrique 2017
? His thought as a novel. Edward Said. Dominique Eddé
? Translation © Trista Selous and Ros Schwartz 2019
ج – الكتاب بنسخة الانكليزية 224 صفحة , ثلاثة وعشرون فصلا . الفصول مرقمة بدون عناوين.
د – في العام القادم يكون قد مر عشرون عام على وفاة ادوارد سعيد. صدرت الكثير من الكتب التي تؤرخ وتبحث في فكر وحياة سعيد. كان اخراها هو كتاب
باللغة الانكليزية زعزعة العام: ادوارد سعيد والنظرية السياسية. للكاتبة جين مورفيلد. نيسان 2022.
? ..Unsettling the World Edward Said and Political Theory
? By: JEANNE MOREFIELD
ه – كتاب باللغة الانكليزية (أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد) للمؤلف تيموثي برينان عام 2020 .صدرت النسخة العربية عن سلسلة المعرفة الكويتية , شهر آذار 2022, رقم العدد: 492 ,بعنوان (أماكن الفكر: سيرة حياة ثقافية لإدوارد سعيد) ترجمة د. محمد عصفور. يعد هذا الكاتب اهم واوفى كتاب يوثق سيرة سعيد الفكرية والشخصية. Places of Mind. A life of Edward Said. By Timothy Brennan.2022























