تلاحم المشهد الرومانسي الكلاسيكي في رواية أوراق خريفية

تلاحم المشهد الرومانسي الكلاسيكي في رواية أوراق خريفية

محمود خيون

وصف عدد من النقاد والكتاب والباحثين والمختصين بشؤون القصة والرواية بأن( الروايات الرومانسية القديمة تتسم بصفات كثيرة جدا خاصة وأنها قد ارتبطت في أذهان كل قراءها، فعلى الرغم من وجود الروايات الرومانسية الجديدة التي تحمل أبطال جدد وصراعات جديدة إلا أن الروايات الرومانسية الكلاسيكية أخذت حظا وفيرا جدا من النجاح والتميز حول العالم كله، خاصة مع ترجمتها إلى عدة لغات و تجسيدها كأفلام سينمائية، حتى أن كتاب الروايات الرومانسية الكلاسيكية قد لمعوا مع نجاح رواياتهم ووصولها إلى العالمية ومنها على سبيل المثال رواية( انا كادنينا) لتولستوي والتي اعتبرت من الروايات الخالدة وهي تتحدث عن الحرب والسلام وعلى الرغم من ذلك إلا أنها رواية غاية في الرومانسية واعتبرت من أهم روايات الأدب الرومانسي كذلك رواية( نادية) للكاتب المصري الكبير يوسف السباعي الذي له رصيد كبير من الأعمال الأدبية التي اتسمت بالرقة والشاعرية كذلك رواية( ذهب مع الريح )  للكاتبة مارجريت ميشيل ،وعلى كونها الرواية الوحيدة من رصيدها إلا أنها حفرت مكانا ضمن الروايات الكلاسيكية الرومانسية العالمية…كذلك رواية( لا تطفئ الشمس ) للكاتب إحسان عبد القدوس واعتبرت من أهم الروايات الرومانسية في الأدب العربي )…

اسوق ذلك وأنا اكمل قراءاتي لرواية( أوراق خريفية ) للكاتب نهاد عبد جودة وهي تتحدث بأسلوب مبسط وسلس وواضح وبرومانسية عالية عن علاقات إجتماعية تتحول فيما بعد إلى علاقات رومانسية يتخللها خيال يمتد لمسافات كبيرة بين تحقيق الأمنية والرغبة في الغور بأعماق الحدث حتى تحتدم المشاعر لتولد أحاسيس جياشه وشعور عارم بالعشق الذي تخلده الرغبات المحمومة لامتلاك أجمل ما فيه وهو التحام روحين بجسد واحد…فابطال رواية( اوراق خريفية ) هم من العشاق الذين غدرت بهم الحياة وتقاذفتهم كأوراق خريفية تبعثرها الرياح يمينا وشمالا وتنام على أرصفة عتيقة في شوارع شبه مهجورة من مدن الضياع والتيه والتشرد والغربة..( أستاذ فريد ) وسناء وغيرهم هم من جعل منهم الكاتب نهاد عبد جودة المادة الرئيسية لفصول روايته…(يراوده حدس خجول ربما شاهد هذا الوجه الجميل من قبل، استنجد بذاكرة مرهقة دون فائدة، بعد رحلة البحث والتقصي عاد خائبا، اكتفى بالصمت والمراقبة قالت: كيف الحال أستاذ فريد…بعد أن نطقت اسمه فجاة قدحت ذاكرته، قال اعتقد أنني التقيت بك في مصايف الشمال قبل أكثر من عام ونصف اليس كذلك؟ انت سناء حسبما اعتقد. ).

عودة مفاجئة

ولم تكن بالمصادفة أن يعثر فريد على سناء فهي ظلت تشاغل ذاكرته منذ أن التقيا في مصايف الشمال.. وهو الذي عاد بعد اختفاءها وعودتها المفاجئة إلى بغداد مكسور الخاطر والمشاعر…عاد يبحث من جديد عن العزلة، يمارس طقوس هذه العزلة بحداد ايدي يشغل نفسه في الكتابة عسى أن يجد له متنفسا ، تمر به الساعات طويلة يقضيها في المقاهي وكأنه يخاصم الحياة، وهو يجد نفسه مسكونا بالذكريات المؤلمة خيال سوسن بدأ يرى فيه خيال سناء مع الفرق بين وجود كل منهن…الأولى كانت حبيبة والثانية انسانة بائسة ومريضة … هكذا إذن يشعرنا الكاتب نهاد عبد جودة بحالة التمرد والنفور مما يحيط بهم من واقع مؤلم وخبيث في كل افرازاته التي سابت منهم ابسط حقوقهم في العيش الكريم والأمن الذي يطمحون أن يكون هو مفتاح الفرج لحياة أفضل تخلو من أشباح الخوف والموت التي تراودهم في اليقظة…ولم يقف الأمر عند ذلك بل تعداه إلى أن بطل( روايته ) ظل يعتقد بأنه في خصام مع العالم بما فيه…ولم يعد عنده غير صديق واحد يثق به وهو ” كمال “،صديق الطفولة ورفيق دراسته في كل مراحلها وكانت النهاية أن التحقا في الجيش كمتطوعين عاشوا حلوها ومرها، مرت بهما اتعس الظروف أثناء الحرب، حرب شرسة سحقت مئات الأرواح البريئة..

لقد حاول الكاتب نهاد عبد جودة في روايته( أوراق خريفية ) وبأسلوبه السردي الواضح والمباشر والكلاسيكي ان يجسد لنا في كل فصل من فصول الرواية عن مواجع أبطاله واحاسيسهم وشعورهم بحالة الاضطهاد والتشرد والضياع في هذا البلد العجيب الأطوار والمفاهيم.   ..فهو يتحدث بكل صراحة عن مواجع الوطن التي نسمعها ونشاهدها في كل يوم مشاهد حقيقية على التلفاز وعلى الطرقات وفي الأزقة( أجساد مضرجة بوحشية الإرهاب، آفة سوداء مدت عنقها بوجهها القبيح ،عقول تتحكم بها الغباوة، ولولا تدخل العقلاء لاحترق الوطن بترابه وناسه بعد أن ماتت الفرحة في قلوب الناس، اكتوى فريد بهذه الأحزان، أصبحت أحزانه مضاعفة ).

ورغم كل ذلك فالكاتب نهاد عبد جودة لم يترك أبواب الأمل مغلقة في طريق طموحات ابطال روايته بل أنار لهم الدرب من جديد، واستطاع أن يجعل من الرواية وأحداثها ملحمة 9تأريخية تجسدت فصولها بصور البؤس والشقاء والعذاب والألم وهو يمتزج مع إرادة الناس في تجاوز المحن في وطن مازال يدور في دوامة مفرغة.