أوراق طواها النسيان – حسام خوام آل يحيى

أوراق طواها النسيان – حسام خوام آل يحيى

في زقاق ضيق من أزقة محلة الصباغية القديمة في قضاء بلدروز ثمة دكان صغير يملكه عجوز ضرير يدعى رشيد بخاتي.

وقبل أن أبين لكم إن ذلك الدكان بلا أسم معلق على يافطة تعلو واجهته الوضيعة، كما هو حال بقية دكاكين الزقاق والمحلة، لابد أن أعرفكم بالرجل العجوز صاحب الدكان. والحقيقة إنني كابدت الأمرين في هذا المضمار؛ إذ إن حياة هذا العجوز الضرير غامضة أشد الغموض، وحين تتبعت تاريخه في المحلة والزقاق لم أعثر له على تاريخ محدد رغم إنه يعد من أقدم سكان المحلة وأكبرهم سناً. فهو رجل أعزب يعيش وحيداً منعزلاً عن الجميع في شقه صغيرة يملكها تعلو دكانه، وبحسب ما يشاع إنه لم يتزوج لكونه كان قد أحب فتاة في شبابه ولم يقبل أهلها تزويجها إياه لكونه ضرير البصر. وإشاعات أخرى تحوم حول رشيد بخاتي لكنها تبقى مجرد إشاعات غير مؤكدة بغياب الشهود وتكتم العجوز الشديد ورفضه الخوض في ماضيه مع الأخرين بشكل قاطع. فلا أحد من أهل المحلة يجرؤ على سؤاله عن حياته الشخصية ولو على سبيل الدعابة والمزاح، لذا فقد اكتنف الغموض حياته بشكل تام لدرجة إنه لا يعرف له أصلٌ ولا فصل، كما إنه لا أقارب له يعودونه ويسألون عنه ولا أصدقاء مقربون ولا معارف، وشهود وصوله للمحلة منذ خمسينيات القرن الماضي وسكنه في تلك الشقة الصغيرة مات معظمهم منذ زمنٍ طويل، ولم يتبقى منهم على قيد الحياة سوى نفر قليل من المسنين الذي لم يعد بأمكانهم تذكر أسمائهم أصلاً…

يتبع…