سقوط التحالفات ــ فارس الخطاب

سقوط التحالفات ــ فارس الخطاب
لا تهتم وسائل الاعلام الدولية والإقليمية بشؤون العراق واحداثه كما تهتم بشؤون غيره من الدول، فالعراق الذي احتلته الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 وشاركتهم بذلك دول اخرى بنسب قليلة، كان في قلب الاحداث عندما لم يكن هناك من منغصات سياسية في اقطار الوطن العربي تدفع باتجاه التغيير نحو الديمقراطية بحسب مفهومها الامريكي، لذا كان الاعلام المسيس عالميا يدفع باتجاه جعل العراق نموذجا يحتذى به في اسقاط الحكومات العربية وكذلك تعمّد الاعلام بتوجيهات المسيطرين عليه من استخدام صور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الحفرة المزعومة او ابراز صورته وهو يغسل ملابسه في سجن الاحتلال، من اجل اسقاط هيبة الحكام بعيون شعوبهم وهو ما اتى باكله بعد سنوات من الحشد الاعلامي المركزي والممنهج، ومع بدء شرارة ما سمي توهما ب الربيع العربي انقطعت اخبار البلد العربي الذي كان يمثل الثور الابيض في عملية الانقضاض على الامة في المشروع الصهيوني الامبريالي المشترك، ولم يعد في اغلب الاحايين ضمن الاخبار الرئيسة لنشرات الاخبار الا في حالات نادرة وفارضة لنفسها في مجريات الامور والاحداث.
السيد نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، رئيس حزب الدعوة الشيعي، شكلّ عنوانا للكثير من اخبار العراق القليلة رغم كثرت الاحداث والتضحيات على الارض، فهو في حقيقة الامر مثير للجدل في عراق مثير للجدل بشكل اكبر، قاد البلاد دون علم او دراية بشؤون الحكم وادارة الدولة مع فريق من المتربصين باموال العراق ومقدرات بناءه ونموه، فكانت النتيجة ؛ توقف الزمن هناك، لا بل تراجعه الى الوراء بشكل سريع ومريع، فبات البلد الاغنى في العالم، هو الافقر في كل مقاييس الفقر، فلا بناء، ولا خدمات، ولا صحة ولا تعليم، كل الذي حصل عليه شعب العراق خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخه، رئيس للوزراء يتحدث بطريقة لبقة عن خصومه السياسيين بشكل شبه يومي في وسائل الاعلام المحلية مهددا باظهار وكشف الملفات التي تدينهم ان لم يتوقفوا عن التربص به ، ثم مجلس نواب منتخب لغرض رئيسي يتمثل في تعميق المحاصصة الطائفية وابراز التناحر القومي والمذهبي، والاهم التغطية المتبادلة بين كتله ومكوناته على اكبر واقسى عمليات الفساد في العالم.. ، وشعب بدا يعيش على مسميات لم تكن في قاموسه الاجتماعي والسياسي ترمز الى الطائفية البغيضة والتعصب القومي المقيت. الجميع يعلم ان مواقف السيد نوري المالكي المتشددة مصدرها قوتان كبيرتان في المنطقة، وفي العراق تحديدا؛ امريكا وايران، لذلك، ونتيجة احساسه بدعم هاتين الدولتين، فانه لم يكتفي بتجاوز المعارضين التقليديين لسياسته الفاشلة في ادارة الدولة، بل دخل في حروب ضمنية احيانا وشبه علنية احيانا اخرى مع شركائه في التحالف الحاكم التحالف الوطني وبالذات التيار الصدري، الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر، والمجلس الاعلى الاسلامي بزعامة السيد عمار الحكيم، كما شملت مؤخرا وعبر لقاء متلفز في قناة فضائية حكومية عراقية، اقرب معاونيه ومستشاريه، وهما نائبيه حسين الشهرستاني وصالح المطلك. لعل عدم خبرة السيد نوري المالكي بشؤون ادارة الدولة، وعدم وجود مستشارين موثوقين، اضافة الى تعمّد الغاء كل الصيغ الرقابية المالية والادارية ونظم الادارة المنضبطة بالقوانين في وزارات ودوائر الدولة العراقية بما سمح باستشراء الفساد باقصى درجاته وانواعه، ومع تردي الامن واشغال القوات المسلحة العراقية المشكّلة اساسا على قيم مذهبية وطائفية وعرقية، اشغالها بمهام ضد الحراك الشعبي المطالب بتحسن الاداء الوظيفي في العراق لتمارس القتل بدم بارد لابناء شعبهم، كل هذه العناصر جعلت مسالة اعادة العراق الى وضع الدولة الطبيعي مسالة بالغة الصعوبة والتعقيد.
المالكي خلال لقاءه التلفزيوني قال ان اقرب معاونيه يقدمون له معلومات مضللة وضرب مثلا بمسالة الكهرباء وقال بانهم يقولون ان تجهيز المحافظات الوسطى والجنوبية من الكهرباء يتعدى 20 ساعة بينما لا تتعدى ساعات التجهيز الحقيقية ما بين 6 و8 ساعات.. وهاجم ايضا المليشيات الشيعية، ووصفهم بانهم يرتكبون الموبقات ، وان، واثق البطاط، زعيم حزب الله العراقي وقائد ما يسمى جيش المختار بانه مخبول ، وفي معرض حديثه عن ممارسات للتيار الصدري في بغداد وبعض المحافظات قال المالكي مخاطبا ضمنا مقتدى الصدر من تكون لتصبح بديلا عن الحكومة والشرع والوطن؟ ، والمهم في كل حديثه المطول اعتباره ان المحاصصة الطائفية تسببت بانتشار الفوضى في كل مؤسسات الدولة وان حكومته المقبلة في حال فوزه بالانتخابات ستكون حكومة اغلبية سياسية . الشيعة السياسية في العراق تمر بمرحلة حرجة رغم الضابط الايراني لايقاع تحركها، فالمالكي، بحسب عدنان السراج القيادي في ائتلاف دولة القانون ، يرى ان كلا من السيدين عمار الحكيم ومقتدى الصدر قد نحرا التحالف الوطني . وان المالكي ينطلق الآن من مسالة اساسية؛ اما معالجة الخلل في التحالف الوطني اذا اريد له الاستمرار، وان الكرة الآن في ملعب الصدريين والمجلس الاعلى، فاذا لم يتداركوا الامر، فان التحالف الوطني لا وجود له، فهذه التحالفات اصبحت عدائية، وهو ما يتطلب اعادة صياغة جذرية لنمط التحالفات المقبل . من جهتهم يرى كل من المجلس الاسلامي الاعلى ، بزعامة عمار الحكيم، و التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، ان اتهامات المالكي لهما والقاء مسؤولية الفشل على الشركاء تهدد وحدة التحالف الوطني الشيعي معتبرين اسباب فشل الحكومة التي يراسها المالكي يكمن في اسلوب ادارة الدولة وفي هيكلية العملية السياسية والتوافقات التي ادت الى تشكيل الحكومة وما تبعتها من خلافات وان الفساد المستشري في مفاصل الدولة والاداء غير الجيد لمؤسساتها هو نتاج هذه الحالة التي ستؤدي الى الفشل . والمهم في المناكفات السياسية والاعلامية بين اركان التحالف الوطني ما ذهب اليه القيادي في المجلس الاسلامي الاعلى، علي شبّر، من ان اثارة مثل هذه المناكفات من شانه فرط عقد التحالف ، وان من بين ما سيخسره التحالف رئاسة الوزراء التي لا يمكن ان يحصل عليها المالكي ولا غيره من التحالف في حال استمرار هذه الخلافات ، فيما ابدى رئيس التحالف الوطني ابراهيم الجعفري اسفه لما صدر عن رئيس الوزراء من تصريحات ضد التيارالصدري والمجلس الاعلى.. ان عقد التحالف الوطني الطائفي النزعة والموسوم بالشيعي يشهد حالة الموت السريري في ظل ظروف بالغة الصعوبة يمر بها العراق بصيغته الرسمية والسياسية والشعبية، وليس ادل من حالة هذا التحالف المتردية قول رئيسه ابراهيم الجعفري لقد قدمنا طلبا لعقد اجتماع للتحالف، فمنذ اكثر من شهرين لم نجتمع، فيما تواجه الدولة تحديات يجب ان يكون لنا موقف منها .. ، وقد يكون من المناسب جدا ان يكون للعراقيين الموقف الفصل في كل مايجري لهم ولبلادهم منذ اكثر من عشر سنوات عجاف ملئت دما وفسادا وقهرا وتخلفا، كما يجب على كل القوى المحبة للسلام والاستقرار في المنطقة والعالم ان تعيد النظر في شان هذا البلد بقدر ما ساهموا بتدميره واحتلاله وايصاله الى هذه الصورة القاتمة والمؤلمة، نعم قد يكون انفراط عقد هذه التحالفات وسقوطها ايذانا بعودة العراق الواحد المتسامح مع نفسه ومع شعبه ومع جيرانه والعالم اجمع، العراق الجامع لكل قوميات وأديان ومذاهب المنطقة بحب وسلام.
AZP07