
شكيب كاظم ..القارئ المثابر والكاتب الحصيف – عـلاء لازم العيـسى
(1)
يرى بعض الباحثين إنّ من حقّ المجتمع الإنساني المدني على النابهين والناجحين من أبنائه ـــ في أيّ جانب من جوانب الحياة ـــ أن يدوّنوا وينشروا تجاربهم الحياتيّة وسيرهم الذاتيّة بكلّ نجاحاتها واخفاقاتها ، وأن يبيّنوا انطباعاتهم الشخصيّة وذكرياتهم عن الأشخاص والأحداث . أو أن يسجّل مآثر هؤلاء النابهين من زاملهم أوجايلهم ، وفاءً لكلّ منهم لما أسدوه من فضل على مجتمعاتهم ، ولكي ينتفع بتجاربهم وانطباعاتهم وانجازاتهم من يجيء بعدهم .
ومن الذّوات المثابرة والمنتجة ، التي يجب التوقّف عندها ، وذكرها والإشادة بعطائها ، هو الأديب والباحث الناقد شكيب كاظم سعّودي الذي ولد في كرخ بغداد في 8 / 5 / 1945 ? وحصل على بكالوريوس آداب اللغة العربيّة سنة 1975 ? ثمّ انجز رسالته للماجستير ولم يناقشها . ابتدأ النشر بجريدة ( المنار ) البغداديّة سنة 1966 ? ثمّ نشر ما يزيد على ألف مقالة ودراسة في مواقع الكترونيّة مختلفة ، وفي الصحف والمجلّات العراقيّة والعربيّة ، وأصدر ثمانية عشر كتابًا .
(2)
انمازت كتابات الأستاذ شكيب كاظم بالموسوعيّة والتوثيق الرائع ، والانصاف في طرحه ومناقشته لما يُطرح ، فلم يدع بابًا من أبواب الأدب والمعرفة والثقافة بصورة عامّة إلّا طرقه ، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على الجدّ والاجتهاد المضن في تتبّعه لكلّ ما تنتجه العقول والأفكار والمطابع ، وعلى تفاعله مع الوسط الثقافي . ففي الوقت الّذي تقرأ له وهو يكتب عن الناقد العراقي اللامع والمتميّز الأستاذ عبدالجبّار عبّاس ، الّذي كان من المؤمّل أن يقدّم المزيد لولا قساوة الحياة ومثبّطاتها ، فيصفه بأنّه من قلّة قليلة ، كانوا ينظرون إلى عمليّة الكتابة بنوع من الطهر والقداسة ، إذا به ينتقل بك ، في مقالة أخرى ، إلى الدكتور طه حسين وأحاديثه النقديّة ليصدمك بسؤال غريب وهو : هل أنّ الدكتور كان يقرأ النصوص التي يكتب عنها أم لا ؟ ، وبعد استشهاده ببعض المؤيّدات يثبت أنّه لا يقرأ كلّ النصوص !!. مقالته ( طه حسين وأحاديثه النقديّة هل كان يقرأ النصوص التي يكتب عنها ؟ القدس العربي 3 / 11 / 2020 ) . وفي مقالة ثالثة ينبري أستاذنا للدفاع عن ألمعيّة (( الجاحظ )) الّذي يمثّل علامة باهرة شاخصة في التراث العربي فيدافع ـــ بالحجّة والدليل ـــ عن ابداعاته وابتكاراته ، نافيًا ادّعاء أحد الباحثين بأنّ الجاحظ أخذ جلّ آرائه في الشعر من كتاب ( فن الشعر ) لأرسطو ، وذلك بواسطة اثباته وبالدليل أيضًا أنّ الكتاب المذكور لم يكن مترجمًا إلى العربيّة في زمن الجاحظ ، بل تُرجم بعده . ينظر مقالته ( هل قرأ الجاحظ فن الشعر لأرسطو ، مدوّنة الناقد شكيب كاظم ، الاثنين 6 / 1 / 2020 ) .
( 3 )
ومن الجاحظ وأرسطو ، ينتقل الأستاذ الكاتب إلى السينما والمسرح ، فيتكلّم ، وبحرفيّة وتقصّي وتتبّع ، عن النصوص الروائيّة الّتي حوّلت إلى أفلام سينمائيّة ، والتغيير المدمّر الّذي قام به هذا السيناريست أو ذاك المخرج لتلك النصوص التي وصلت إلى حدّ التلاعب بالنصّ وتغيير بعض مساراته ، تماشيًا مع رغبة الناس وذوقهم ، وشبّاك التذاكر والمردود المالي ، أو التقرّب من الحاكم والسلطان ، مضيفًا إلى ذلك سببًا مهمًّا في قبول هذا التغيير المدمّر من جمهور المتلقّين ، وهو تراجع هواية القراءة لدى الناس ، واعتمادهم على ثقافة الصورة ووسائل التواصل الّتي تقدّم لهم ثقافة كسلى إن كان فيها ثقافة ، داعيًا إلى احترام حقائق التاريخ لأنّها تتناول أمورًا حسّاسة ، قد تدفع إلى ما لا تحمد عقباه . وقد حفلت مقالته بذكر عدد من الروايات الشهيرة الّتي حُوّلت إلى أفلام سينمائيّة ، مثل : الحرب والسلام لتولستوي ، والبؤساء لفكتور هوغو ، والشيخ والبحر لهمنغواي ؛ وفي السينما العربيّة العديد من روايات نجيب محفوظ ، ويوسف إدريس ، وتوفيق الحكيم ، وغيرهم .( مقالته : الوقائع التاريخيّة في الدراما والسينما غياب الحقيقة الكاملة ، القدس العربي 14 / 7 / 2022 ).
( 4 )
وببراعة شديدة ، كتب لنا الأستاذ شكيب مقالات عن نماذج مختلفة من النخب والمثقّفين في العراق والوطن العربي ومن الأجانب أيضًا ، ولم يكتف بالكتابة التوثيقيّة أو التسجيليّة فقط ، بل غاص في أعماق مؤلّفاتهم ويوميّاتهم ومواقفهم ، محلّلًا ومعلّلًا لينقل للقارئ ـــ وبكلّ حياديّة ـــ صورة واضحة وصادقة عنهم وعن نتاجاتهم . فكتب عن الأديب والمترجم الأستاذ نجيب المانع المثقّف النخبوي وعاشق الموسيقى ، والشحيح في التأليف ، وعن الدكتور محمّد حسين الأعرجي الّذي زادت مؤلّفاته عن السبعين ، فكسبته الكتابة وضيّعته السياسة ، والباحث الناقد جاسم العايف متأسّفًا على توقّفه عن الكتابة عقودًا وعقودًا بسبب العصف السياسي ، والأسف الثاني على الصمت المطبق الممض والمؤلم ، الذي قابلنا به وفاته في 17 نيسان 2019 ? وكتب عن القاص محمّد خضيّر ، وحسب الشيخ جعفر ، ومحمّد علوان جبر وروايته (( لماذا تكرهين ريمارك )) ، والأستاذ حميد المطبعي .
ومن العرب كتب عن الدكتور عبدالرحمن بدوي القامة الثقافيّة العربيّة الشاهقة ، الساخط على مجايليه ومزامليه ، فكان صورة للإنسان غير المؤتلف مع مجتمعه ومع الأشياء . وعن الدكتور محمّد غنيمي هلال رائد الأدب المقارن ، الأديب الكبير والمبدع الّذي ضيّعه الحسد ، وعن لويس عوض ، وتوفيق صايغ ، وغيرهم . ولم يتوقّف عند هذا الحد بل عبر حدود الوطن العربي وكتب عن الصحافي الأمريكي اليساري جون ريد وكتابه المشهور (( عشرة أيّام هزّت العالم )) ، وعن الشاعر الإسباني رافائيل البرتي وكتابه (( الغابة الضائعة )) .
(5)
وعند انتقال الأستاذ الكاتب إلى ساحة اللغة والنحو ، فهو فارسها وابن بجدتها ، كما يقال ، إذ ترى قلمه يتنقّل برشاقة وسيولة بين عناوين الكتب وآراء الكتّاب . ففي مسألة تيسير نحو اللغة العربيّة ، التي تثار ويكثر الجدل فيها بين آونة وأخرى ، يبتدأ ببحث المسألة من أصلها في أخطر وأهمّ محاولة لإصلاح النحو ، وهي دعوة القاضي ابن مضاء أحمد بن عبدالرحمن اللخمي القرطبي للتيسير في كتابه الرائد في هذا الباب ( الردّ على النحاة ) ، الّذي طبّق مبادئ مذهبه الظاهري في ثورته ضد نحاة المشرق ومناهجهم في درس النحو ، فهاجم نظريّة العامل وما تفرّع عنها ودعا إلى الغاء الأقيسة والعلل والتمارين غير العمليّة . ثمّ عرّج على محاولات أساتذة النحو في تيسير النحو في العصر الحديث ، والّذي تصدّى لها عالم النحو المصري إبراهيم مصطفى ، والدكاترة مهدي المخزومي ، وأحمد عبدالستار الجواري من العراق ، وإبراهيم أنيس المصري ، وقد عقّب بعد ذكر الأخير إبراهيم أنيس بقوله : (( وإن كنتُ أقف حيال كتاباته موقف الحذر المستوفز ، لما تحمله من آراء هي أقرب إلى الدّسّ على العربيّة وتشويه صورتها )) ، وأرجو من الأستاذ شوكت كاظم أن يفرد لهذه الآراء مقالة خاصّة مستقبلًا . وفي النهاية خلص أستاذنا إلى ضرورة التيسير والتغيير في دراسة النحو ، بسبب كثرة الاختلافات ، وظهور المدارس النحويّة في البصرة والكوفة والموصل ومصر والأندلس ، الّتي أتعبت عقول الدارسين ، لكنه اشترط عدم الغلو والاعتساف . ودعا إلى تأكيد مباحث النحو الّتي تستعمل في حياة الناس الاعتياديّة ، والّتي تسمّى بـ ( النحو الوظيفي ) ، الّتي إن استوعبها الطالب يصبح بمكنته أن يقرأ قراءة صحيحة ، ويكتب كذلك ، ولا أدري بالضبط ماذا أراد الأستاذ شكيب بـ ( النحو الوظيفي ) ؟ هل هي النظريّة التي ولدت في جامعة أمستردام ، ونقلها الدكتور أحمد المتوكّل في السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي إلى المغرب ، ثمّ انتقلت إلى أكثر من دولة عربيّة ، أم غيرها ؟.
(6)
ومن محاسن الكتابة عند أستاذنا الفاضل ، تلك الاستطرادات والمقارنات الرائعة والمفيدة الّتي زيّن بها مقالاته . فعند كتابته عن خدمات المترجم الأستاذ كاظم سعد الدين التي اسداها للثقافة والمثقّفين ، اختصر ، ومن خلال ثمانية أسطر فقط ، تاريخ الترجمة في العراق منذ مجيء الملك فيصل الأوّل وتأسيس الدولة العراقيّة سنة 1921 إلى أيامنا ، مع ذكر أسماء أفذاذ المترجمين . ( كاظم سعد الدين جهود ماكثة في أذهان الدارسين ، القدس العربي 22 / 3 / 2022).
أخيرًا وليس آخرًا ، فإنّ هذه المقالة قليل من كثير ممّا يجب أن يكتب عن الأستاذ الكاتب والأديب والأرشيفي النبيل شكيب كاظم ، متّعه الله بطول العمر ، وزاده تألّقًا).























