الشاعر المغربي محسن أخريف يتحدث لـ الزمان عن العيش بدون وعود بإنجازات شعرية خارقة
أفكر كل يوم في قصائد لم أقرأها
حاوره عبدالحق بن رحمون
أكد الشاعر المغربي محسن أخريف أن كل قصيدة بالنسبة له تشكل وردة في حديقة؛ يسعى لتشييدها، حتى تتكاثر أزهارها، وقال هناك القصائد اللُّمَعُ التي تخطر على البال جاهزة، كأنها أنزلت من عَلٍ؛ تولد جاهزة مكتملة، ومكتفية بذاتها، لا تحتاج إلى تشذيب، تولد مشحونة بالشعرية. كما اعترف لـ الزمان أنه شاعر مقلٌّ جدا، يكتب في المتوسط خمس قصائد في العام، وأضاف صاحب الأحلام الجامحة والترانيم أنه بقدر ما ينصت لذاته ينصت لتجارب شعراء آخرين، ويكتب مستنيرا بحدسه الشعري، ووفق قناعاته حول القصيدة الجيدة. وتجدر الإشارة أن الشاعر محسن أخريف واحد من الأسماء الشعرية المغربية التي فرضت اسمها بكتاباتها الشعرية المتميزة. ثم كذلك بإصرار هذا الشاعر ورهانه ليكون له صوته الخاص والمتفرد، يميزه عن مجاييله من شعراء جيل التسعينيات، وبذلك نجد له لغة مرهفة وصادقة ومطروزة، تخرج من القلب والروح، وتقول بلاغتها وصوتها المتدفق، كأنها دودة قز تنسج رداء من حرير. ولننصت جميعا للشاعر محسن في هذا الحوار، وهو يتحدث لنا عن حكايته مع القصيدة. وفيما يلي إليكم الحوار التالي
ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها ؟
لكل قصيدة حكايتها، وحكاياتي مع القصائد الأولى التي كتبتها قبل أكثر من عقد من الزمن ليست هي نفسها حكايات قصائدي الآن. و هكذا أقول باطمئنان أني ذو أمزجة مختلفة في كتابة القصيدة. لكن إن شئتُ استكناه الأمزجة الغالبة عندي في كتابة القصيدة؛ أجد مزاجين، وهما مرتبطان بشكل القصيدة أساسا، فهناك القصائد اللُّمَعُ التي تخطر على البال جاهزة كأنها أنزلت من عَلٍ؛ تولد جاهزة مكتملة ومكتفية بذاتها لا تحتاج إلى تشذيب، تولد مشحونة بالشعرية؛ وهناك قصائد تركب على جناح النثر الخفيض، لا تكتمل إلا بعد إضافة مقاطع أو أسطر شعرية أخرى إليها؛ وهي قصائد تحتاج إلى اشتغال عميق طويل زمنيا، حتى تصل إلى شبه اكتمال؛ لا وجود لقصائد مكتملة بالنسبة لي إذ أن أغلب قصائدي حين أعيد قراءتها بعد مدة، أقول في نفسي كان من الأفضل أن أكثف هذه العبارة أو تلك.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
لا بد من الاعتراف أولا أن أساس الشعر وجوهره هو الخيال؛ فهذا الأخير هو الذي يشكلِّه ويهبه الشعرية، عن طريق الصور.. لكن عمل الخيال لا ينجح إلا إذا كانت الانطلاقة من تجربة ذاتية للشاعر، حرّكت وجدانه في لحظة من اللحظات، وأشعلت حواسه الشعرية؛ ومن هنا فمعظم قصائد مجموعاتي الشعرية الثلاث ترانيم للرحيل 2001 ـ حصانان خاسران 2009 ـ ترويض الأحلام الجامحة 2012 استندت على تجارب ذاتية، ولعب الخيال دورا أساسا في تشكيلها من الناحية الشعرية. وشيء آخر أود أن أضيفه هو أنني أؤمن بمسألة الاشتغال على القصيدة وإعادة كتابتها مرات ومرات حتى يحصل لي الاقتناع بها، وهذا قد يجعل بعض النصوص تبتعد قليلا من الصدق الواقعي لتقترب أكثر من الصدق الفني.
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
ليس باستطاعتي أن أكتب حتى قصيدة واحدة في الشهر؛ هذا طبعا إن تحدثنا بشكل رياضي، أي بحساب معدل القصائد في السنة مثلا… بهذا المعنى فأنا شاعر مقلٌّ جدا، إذ أكتب في المتوسط خمس قصائد في العام. أعتقد أن هذا الأمر مرتبط عندي بالمزاج أكثر ما هو مرتبط بالقدرة؛ فراهنا، أنا لا أتربص بالقصيدة ولا أمسك القلم أو أفتح وُورد إلا بعد أن يكون ما سأكتبه قد تشكل جزء منه على الأقل في الفكر؛ لكن هل سيتغير هذا مع شعوري بالتقدم في السن وبإدراكي انصرام سنوات العمر؛ لست أدري؟
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
الندم إحساس يرافق الشاعر دائما.. لكن ندمي ليس على القصائد التي كتبتها أو لم أكتبها، وإنما هو ندم على العوالم الأدبية والثقافية والفكرية التي لم أتعرف عليها؛ على كتب لم أقرأها وعلى تجارب شعرية تنتمي إلى ثقافات أخرى لم يسعفني الوقت بعد للاطلاع عليها والتعمق فيها.. أفكر كل يوم في القصائد العميقة والجميلة التي كتبتْ في كل ثقافات العالم ولم أقرأها، وأشعر بالندم.
هل فعلا كل قصيدة كتبتها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
كل قصيدة بالنسبة لي ـ بصرف النظر عن رضاي التام عنها أم لا ـ تشكل وردة في حديقة أسعى لتشييدها، وأعمل على أن تتكاثر أزهارها، وأن لا تجتاحها الأعشاب الضارة المتوحشة ـ أقصد النصوص القبيحة ـ؛ وهو عمل أشعر فيه بالمتعة أكثر من شعوري بالتعب؛ الأعمال التي نحبها لا تشعرنا بالتعب.
دائما أنت تخاف من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدو مثل تلميذ مواظب على الحضور، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعرك وإصابتك بالصلع؟
صحيح ما قلته؛ يظهر أني مواظب على الحضور، إذ أني لم أعش انقطاعات في الكتابة ولا في النشر، ولمصادفات متعددة استطعت أن أُخرج إلى عالم النشر ما كتبته… ليس لدي خوف من خذلان الكتابة، لسبب بسيط جدا هو أن وعيي بماهيتي وطبيعتي كشاعر ليس عميقا، أي أنني لست متعصبا لامتلاك هذا التوصيف، وهذا يُشعرني بالراحة والتحرر؛ أعيش بدون مسؤوليات وبدون وعود بإنجازات شعرية خارقة.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
الطريق إلى الشعر الصافي يحتاج إلى تفرد في التجربة الروحية والحياتية؛ وإلى غوص في الذات لا يستكين إلى ما هو جاهز، ولا يهادن امتناع العبارة عن الاستواء لا أتحدث هنا حصرا عن القصيدة الصوفية ؛ ومن هنا فقليلة هي القصائد التي يمكن إدراجها ضمن هذا التوصيف. صحيح أن كل الشعراء معنيون بالوصول إلى هذه الغاية ويتمنون إدراكها؛ لكن ما كل ما يتمناه الشعراء يدركونه.. هي طريق طويلة لا بدّ لها من تسلح الشاعر بما أسلفت ذكره.
هل أنت مقتنع تماما بوجود ضرورة أن يمارس عليك أحد ما وصاية على ما تكتبه، ويحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟
لا أحب الوصاية في الكتابة ولا أحبذها في شأن آخر.. ولن ألقي بالا إلى من سيحاول أن يمارسها لا أذكر أن أحدا حاول فرضها علي . أنصت لذاتي بقدر ما أنصت لتجارب شعراء آخرين، وأكتب مستنيرا بحدسي الشعري، ووفق قناعاتي حول القصيدة الجيدة.
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظر مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والابداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
في اعتقادي أن الثورات في الثقافة والإبداع حدثت مرارا وتكرارا، فهنالك عديد من الكتب والإبداعات المرجعية التي خلخلت الكثير من الأفكار والمسلمات وأنماط تناول العديد من الأمور؛ لكن الإشكال المطروح دائما في العالم العربي هو أن سلطة الثقافة على الشارع وعلى المجتمع ضعيفة، وبالتالي يبقى محيط تأثير هذه الثورات ضيقا ومحصورا ضمن فئة ضئيلة.
هل من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء…. هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك من يرى أن الشاعر قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
في ظل الوضعية التي يعيشها الأديب في المغرب، أعتقد أن من مسؤوليات كل الأدباء ليس فقط الانتماء إلى مؤسسة ثقافية، وإنما العمل ـ من داخلها وخارجها ـ من أجل حصد مزيد من المكاسب العادلة، القليلة على أية حال. والانتماء إلى المؤسسة الثقافية ليس سبة بقدر ما هو مصدر فخر؛ شريطة ترفُّع الكاتب عن الأطماع الصغيرة والكبيرة، وشريطة عدم سقوطه في شللية مقيتة تنتصر للنديم والقريب العائلي والحزبي دون وجه حق. لست طوبويا حتى أطلب المستحيل؛ فلكل عمل جمعوي مزالقه ومثبطاته، أخياره وأشراره، العناصر المساعدة على العمل والعناصر المعيقة له.وهذا يؤكد أن الأجواء داخل المؤسسة الثقافية لن تكون صافية تماما دائما؛ لكن كم من الأدباء عملوا من داخل المؤسسة الثقافية وساهموا في بنائها وطنيا ومحليا، وبقوا أنقياء؟ إنهم كثر في اعتقادي، وهذا داعٍ للانتماء والعمل الجماعي.
غير أن أخطر مرض ـ في نظري ـ على العمل المؤسسي الجماعي هو أن يظن أي منتسب إليه أنه سيحقق مصلحة ذاتية صرفة بمعزل عن المصلحة الجماعية التي تشمل الكل.
أما بالنسبة للاعتراف فلم يكن في يوم من الأيام مشكلة بالنسبة لي؛ دعني أقول أن المصادفات شاءت أن أنال الاعتراف منذ كتابتي للقصائد الأولى، حيث نشرت في صفحات الأدباء الشباب في أشهر جريدتين مغربيتين في ذلك الوقت. ويكفيني اعترافا أن مجموعتي الأولى ترانيم للرحيل التي نشرتها وعمري 21 سنة، كانت بتقديم شاعر كبير هو عبد الكريم الطبال.
/4/2012 Issue 4167 – Date 7 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4167 التاريخ 7»4»2012
AZP09
























