
البـــكاء .. أشـــتغال في النـــحو حــد العشـــق – باقر محمد جعفر الكرباسي
أسعدني جداً أن تحتفي المكتبة الأدبية المتخصصة في كل سنة وفي شهر رمضان المبارك بعلم من أعلام اللغة والثقافة في العراق، وسُررتُ أيما سرور هذه المرة بالاحتفاء بأستاذنا الدكتور محمد كاظم البكاء (عافاه الله وأطال في عمره)، و أذكر أن إتحاد الأدباء والكتاب في النجف منذ سنوات خلت كان قد احتفى برموز العلم والثقافة والشعر في هذه المدينة، إنه سياق جميل أن تحتفي المؤسسات الثقافية بعلماء النجف والعراق، لأن لهم علينا بقدر ما أعطوه وقدموا هو كثير وثمين، ولنا عليهم أن يتقبلوا عدم مقدرتنا على الإحاطة بعلمهم وتواضعهم، إنه وفاء رائع في زمنٍ قل فيه الوفاء. النجف مدينة تنفتح على الآخر، بمعنى أنها مدينة مدنية بكل معنى الكلمة، عربية اللسان مفتوحة لإستقبال الوافدين إليها، وهي مدينة تتجاور فيها المدارس الدينية والحوزة العلمية مع الفكر المدني الحر، بالرغم من طابعها المحافظ فقد كان الفكر المنفتح يجد طريقا مبكراً إليها وهو ما لفت إليه المرحوم الدكتور السيد مصطفى جمال الدين في كتابة (الديوان). نحتفي اليوم بواحدٍ من أبناء هذه المدينة المعطاء، علامة النحو الدكتور البكاء أستاذاً وأخاً كريماً ومشروعاً فكرياً أصيلاً وقارئاً عميقاً للغة العربية ونحوها بعقلية الباحث عن الحقيقة محاولاً محاولة جادة من خلال تجربته الفنية إنقاذ ما تبقى من النحو الذي أذهب أصحابه به إلى الهاوية.
والجميع يعرف أن اللغة العربية لها القدرة على التكيف وفق متطلبات العصر وذلك لأنها قادرة على استيعاب الكليات والشموليات والعموميات مثلما هي قادرة على استيعاب الجزيئات والخصوصيات والتفصيلات، أنها ليست لغة وحسب بل كون لغوي ففيها ما ليس في غيرها وهي تتسع لما لا يتسع غيرها، ويعمل محبوها على ترسيخ فصاحتها عبر استعمال كل ما هو أصيل من الأساليب والتراكيب ونبذ كل ما هو هجين وشاذ.
اسئلة معرفية
وتأتي قيمة أي مفكر أو باحث في العالم من خلال ما يتركه من أسئلة معرفية وثقافية تحرك المياه الراكدةِ وتفتح الأبواب للباحثين من بعد، هكذا فعل أستاذنا الدكتور البكاء، فقد عشق الكتاب وشغف بالبحث والتأليف وكانت الكتابة ومازالت أسمى ما يسعى إليه وقد جال في ساحات النحو واللغة والمعرفة أكثر من نصف قرن حتى أصبح مرجعاً هاماً لعلم النحو والنص القرآني، بحوثه وكتبه تشهد بطول باعهِ ودقته وعميق صبره في البحث والإستقصاء والإستنتاج، أنه من رعيل شيوخ اللغة العربية الذي تضامنوا وامنوا برسالتهم إيماناً جازماً فكان كل واحدٍ منهم قمة وعلماً وعملاً، رسموا الخطة وأقاموا الصرح ودعموا البناء وساروا في طريقهم في هدوء وحكمة وحزم ودقة ووقفوا جهدهم على خدمة اللغة في متنها وتركيبها و عنوا عناية خاصة بوفائها لمتطلبات العلم والحضارة. يؤمن الدكتور البكاء بأن الإرتقاء باللغة العربية لا يتحقق إلا بإرتقاء الإنسان العربي نفسه، إرتقاء بثقته بذاته وبتراثه، و إرتقاء بذوقه وقوة إرادته فإذا وصل الإنسان العربي ذلك المستوى من الرقي فسيستعمل لغة حية مليئة بالعنفوان قادرة على مواصلة رحلتها في مسارب الحياة مهما تعسرت الظروف وتطورت المعارف الإنسانية، والذي ينظر إلى اللغة العربية بتمعن يجد أنها لغة كاملة تامة بقاموسها ونحوها وصرفها وفقهها ودلالتها وبعلومها البلاغية الثلاثة المعاني والبيان والبديع وببنائها المحكم وبمادتها الغزيرة، و امتلاكها لأكبر معجم لغوي، أنها لغة نامية لا نائمة ومتحركة لا جامدة وحية لا ميتة، يا سيدي إن صوت اللغة العربية الفصحى يستغيث من إهمال وتعمد تغييبها وإبعادها عن أهلها وقطعها من صلة رحمها، صرخة استغاثة وعتب أطلقتها اللغة الفصحى التي باتت شبه مفقودة ومنسية بين الناطقين بها، تصدى لها الدكتور البكاء وصحب لها كرام لإنقاذها، فقد أمضى الدكتور البكاء وقتاً طويلاً مع أجواء النحو واللغة العربية، جرب حظه فيهما فوجدها الأجدى والأقرب إلى نفسه كي يبوح بمكنونات الصدر وعذابات الأيام التي تصب شواظ قسوتها على النفوس المرهفة. المحتفى به الدكتور البكاء أخلاقه أخلاق العلماء في تواضعه وهدوئه ومناقشاته وما تشجيعه لطلبته والباحثين على دراسة النحو بطرقه الصحيحة إلا دليل على حبه وتفانيه لهذا العلم المهم، إن الهيبة والتواضع والجد في أداء عمله ومحاضراته صفات أصيلة ولصيقة فيه، أطال الله تعالى في عمر أستاذنا الدكتور البكاء فهو شجرة كبيرة معطاء ذات جذور عريقة وثمار مضيئة في حقل الإبداع المعرفي المعاصر.























