الناجي والمُخلصْ ما بعد الفايروس – نعيم عبد مهلهل

الناجي والمُخلصْ ما بعد الفايروس – نعيم عبد مهلهل

من أمريكا أثار الصديق العزيز محمد عبد الصاحب فكرة ( الرجل المنتظر والمخلص ) عند الزرادشتين . وعلى ضوء فكرته تولد لدي الآتي:

لااعرف كم من الروايات التي كُتبت وهي تتحدث عن ظل شخص يمتلك القدرات المكتسبة من الاله الواحد او الآلهة المتعددة.

هو موجود في كل الديانات حتى الزرادشتية تعتمد على فكرته .

أتمنى ان نبحث عن تلك الروايات ونحصيها ونستخلص منها ثمرة التفكير بهذا الخارق الذي سيعيد للأرض توازنها .بعد ان بدأت الكورونا تهز هذا التوازن ونحن الآن في موجتها الثانية ، وفي الثالثة ربما سنتعايش مع وضع حياتي جديد ننسى فيه النمط الحياتي الذي كنا نعيشه قبل الموجة الأولى من هذا الفايروس.

أظن ان الروايات التي ستكتب ستبحث عن هذا المخلص في نصفها والنصف الآخر يكون تاريخيا عن أزمنة وذكريات ما قبل الكورونا.

زوار الإمامين

من قراءاتي سأعصر ذاكرتي خواطر قراءات ومشاهد متعددة تبدأ من طفولتي عندما صحبت أبي مع حملة لزوار الإمامين العسكرين في مدينة سامراء ، وكان هناك نفق يسمونه سرداب الغيبة ومنه دخل الأمام المهدي ع ،وغاب عن الانتظار ، وقال لنا رجل دين : دخل الأمام ع من هنا وسيخرج من هنا .

رد احدهم همسا بيننا : وليخلصنا من حكومة عبد السلام.

حين رجعنا الى الناصرية سمعنا ان طائرة الرئيس عبد السلام محمد عارف الهليكوبتر قد سقطت في عاصفة ترابية في منطقة الدير أثناء إقلاعها من البصرة.

وفي الثانوية قرأت رواية صينية تتحدث عن كهنة بوذيين يعانون من قمع الإمبراطور الصيني ومنعه لممارسة طقوسهم لانه كونفشيوسي الهوى ، فكانت رؤاهم ان بوذا سوف يبعث لهم من جهة الهند مخلصا برداء برتقالي وفي احدى يديه كرة شمس وفي الثانية سلة ورد . واشر الهم كبيرهم تلك الجهة وقال لهم احتدكم ليذهب جهة سور الصين وينتظره : لعام ظل الكاهن ينتظر وليس في متاعه سوى ورق الشاي يمضغه كي لا ينام في انتظار المخلص. وأخيرا كان المخلص هو جيش جنكيزخان وأول ما فعله الإمبراطور المغولي هو انه امر بذبح هذا الكائن الذي كان ينتظر فوق سور الصين العظيم.

القراءة الثالثة كانت قصيدة كافافيس في انتظار البرابرة التي تتحدث عن الملل والرتابة التي أصابت الإنسان الروماني من حالتين هما الترف والحروب ، فكان الهاجس الجديد الذين املته عليهم ضعف الدولة الرومانية بسبب طغيان قياصرتها انهم ينتظرون البرابرة ليخلصوهم .لكنهم لم يجيئوا ، وكانوا بعضا من الحل:

لأن الليل قد أقبل ولم يأت البرابرة

ووصل بعض جنود الحدود وقالوا:

انه ما عاد للبرابرة من وجود.

والآن؟ وبدون البرابرة، ما الذي سيحدث لنا؟

هؤلاء البرابرة كانوا حلا من الحلول.

وهذه قصة قصيرة كتبها الروائي الكولومبي الشهير غابريل كارسيا ماركيز بعنوان (الموت في سامراء ) وترجمها الى العربية محمد بو زيدان ونشرت في موقع القصة العربية بتاريخ 15 سبتمبر 2011. والترجمة الكاملة للنص تقول :

(( عاد الخادم إلى بيت سيده خائفا مذعـورا:

ــ سيدي لقد رأيت الموت يتجول في السوق ورمقني بنظرة مخيفة.

أعطى له سيده فرسا و مالا و قال له: عليك بالفرار إلى مدينة سامراء.

لم يتأخر الخادم في ذلك .

و في ذلك المساء التقى السيد بالموت في السوق و قال له : لقد التقيتَ خادمي هذا الصباح.

هاجس القصة

نظرتَ اليه بتهديد ووعيد..؟

لم تكن نظرة تهديد – أجاب الموت – بل هي نظرة استغراب لأنه لا زال هنا بعيدا عن سامراء و في هذه الليلة يجب أن أقبض روحه هناك.))

أنتهى ( النص ) وعلينا فهم مشفرة وجود (سامراء ــ العراقية ) داخل النص بل هي المحور القصدي في هاجس القصة وفكرتها التي قد تبدو أطروحتها فلسفية في القراءة الأولى ولكنك في القراءة الاخرى عليك أن تضع التأويل والقصد لماذا اختار الكاتب سامراء وهو الكولومبي الذي لم يزر العراق يوما ما ولم يقترب في هاجسه الى بيئة بلاد بابل في اي من مقابلاته ورواياته وقصصه وربما كان له بعض الشخصيات الشرقية في رواياته واغلبها ( شامية ) بسبب وجود جالية سورية كبيرة في بلدان أمريكا اللاتينية ومزارع القهوة في كولمبيا يمتلكها الكثير من أبناء العوائل العربية واغلب أصولها من سوريا ولبنان.

لكن القصيدة في شيء من قصديتها وحسيتها أعادتني وقتها الى زيارتي الأولى الى سامراء وتسمرت مندهشا أمام شروحات رجل الدين وهو يدعونا الى تأمل ما في سرداب الغيبة من فراغ سحيق سيخرج منه الإمام ذات يوم ، وجهه ممتلأ بنور اقوى الشموس..