

مظفر النواب
شاعر العشق والضِّياء والأغاني – غزاي درع الطائي
ودَّع العراق والعالم العربي والعالم بقلوب مفجوعة وعيون دامعة، شاعرنا الكبير مظفر النواب ظهيرة يوم العشرين من هذا الشهر، بعد (88) عاما من العمر الذي امتد ما بين العراق والمنافي، وما بين الشعر الشعبي والشعر الفصيح.
ومظفر النواب، هذا الذي (جعلته الدمعات كمنديل العرس طريا، لا يجرح أحدا)، والذي يرى أن (امرأَته حينَ يسْكَرُ كلُّ النِّساءِ)، و(أَنه مَلِكُ التِّرحالِ على قَدَمَيه) وأن (تاجَ التّيجانِ على رأْسه حبَّةُ قمحٍ)، يُحزنه أن بلادنا (كصناديق الشاي مهرَّبة)، وأن وطننا (سيبقى ناقلة للنفط مدهَّنة بسَقام الأحزان وأعلامِ الدول الكبرى)، وأننا (نموت مذلَّة)، وكيف يكون كل ذلك، إنه لأمر يثير الإستغراب حقا، وهو مرفوض بشكل قاطع ولا يمكن أن يرضى به غيور:
فإنّا لَقومٌ كعبَةٌ كـــلُّ أرضِنا
نعانِقُ مِنْها للسَّماءِ مَعانِيــا
من قصيدته الطريق إلى الجنوب
ولقد حمل مظفر النواب عصا الترحال وسافر، سافر شرقا وغربا، وشَمالا وجنوبا، فرأى ما رأى من دولٍ وعواصمَ ومدنٍ كثيرة: دمشق، بيروت، القاهرة، طرابلس، الجزائر، الخرطوم، ظفار (سلطنة عُمان)، أرتيريا، إيران، فيتنام، اليونان، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، أميركا، فنزويلا، البرازيل، تشيلي، وغيرها، وفي كل تلك الدول والعواصم والمدن، كان مظفر النواب يُقيم أمسيات شعرية يتزاحم فيها الناس لسماع أشعاره التي يُلقيها بطريقته الأخّاذة على وقع الموسيقى المُصاحبة، والتي وصلت إليهم قبل وصوله، وانتشرت بينهم كانتشار رائحة القِدّاح في شهر نيسان، عبر الأشرطة الصوتية التي تناقلتها الأكف كفا بعد كف حتى عبرت الأنهار والبحار والمحيطات ووصلت إلى أماكن شتى في أرجاء المعمورة.
سلام على مظفر النواب، سلام عليه وعلى شعره، سلام على أحلامه وآماله، سلام على النخيل الذي يشمخ في قصائده، سلام على الرافدين الخالدين اللذين يجريان مع جريان أوزانه وقوافيه، سلام على الريل وحمد والقهوة والهيل والرازقي وليل البنفسج، سلام على الليل، سلام على رائحة العراق التي يحملها في شعره الأصيل، سلام على روح مظفر النواب العربية :
((يا حاملَ مشكاةِ الغيظِ بظُلمةِ عينَيْكَ
ترنَّمْ مِنْ لغةِ القرآنِ
فروحي عربيَّةْ))
سلام على مظفر النواب الذي وصفه الشعراء والأدباء والكتاب والصحفيين بأوصاف لامعة، وهذا سيل من هذه الأوصاف: فتى العراق، المنجم العجيب، بحّار البحّرين، شاعر التَّجديد والتَّمرُّد والإبداع، زقّورة العراق، الرَّمز السِّرّيّ للشجن العراقيِّ والثَّورة العراقيَّة، الفارس الجريح، شاعر الحرِّيَّة، النَّورس الحالم، شاعر التَّحريض والثَّورة، السّاكب ملحه على جراحنا، شاعر القصيدتين، شاعرُ الحنين والتمرد والبهجة، ربابة الحزن وصناجة الثورة، الشاعر الصاخب، قصيدة الأهوار الخالدة، الشاعر والثائر في آن، محيي الموؤودات الشعبية، شاعر الرفض والشتيمة السياسية، جيفارا الشعر العربي، تموز الشعر الشعبي، والنهر الأمين لمجراه.
أمّا مظفر النواب نفسه، فيقول عن نفسه وشعره، فـــي قصيدته (من الدفتر السري الخصوصي لإمام المغنين):
((ولستُ أخافُ العواقبَ فيما أقولُ
فإنَّ الشَّهادةَ من أجلِ قولٍ جريءٍ ومعتقدٍ
قبَّةٌ وضريحْ
إذا كان بعضٌ يفكِّرُ في النَّيلِ منّي
فهذا أنا
لستُ أملكُ إلا القميصَ الذي فوق جلدي
وقلبي وراء القميصِ يلوحْ
خبرتُ الخليقةَ سطحاً وعمقاً وطولاً وعرضاً
فكان أكبرُ درسٍ تلقَّيتُهُ
أنْ أكونَ فصيحَ المحبَّةِ والحقدِ
فالعصرُ زيفٌ صريحْ))
والنواب، كما قال عنه (محمد مبارك) في مقالة له بعنوان (مظفر النواب: منجم عجيب): هو ((ظاهرة كبيرة في الشعر، شعبيه وفصيحه، ليس في العراق وحسب، إنما في عموم خارطة الروح والذهن والحساسية الجمالية والذائقة النقدية في طول الوطن العربي وعرضه، ولعله الشاعر الوحيد الذي استطاع أن يحتل هذا الموقع بين شعراء العراق، إذا استثنينا الجواهري الكبير وقباني في سوريا))، ولقد ((حفلت قصيدته بالكثير من الجديد والمبتكر والمفاجئ من الدلالات والصور والإنزياحات البلاغية، التي لا تستطيع النهوض بها إلا مخيلة فذة))، كما قال عنه الدكتور علي جعفر العلاق في مقالته (مظفر النواب شاعر القصيدتين): ((إنَّه النجم الشعري الساطع الكبير))، إنه الشاعر الذي تتفجر من أحجار كلماته الأنهار.
أهمِّيَّة معرفة حياة الشّاعر
على الرغم من بروز نظريات ومناهج نقدية تفصل بين الشاعر ونصِّه، وتحاول فهم النَّصِّ بعيدا عن شاعره، ألا أن معرفة حياة الشاعر والظروف التي مر بها والتشعبات التي سار فيها، تظل على جانب كبير من الأهمية، خاصة بالنسبة لشاعر من طراز مظفر النواب، الذي كانت لحياته الخاصة ولتعرجاتها ولمساراتها المختلفة تأثير كبير على شعره.
ومثلما يذكر جمهور القراء قصائده الشعبية: (للريل وحمد)، (مضايف هيل)، (يا ريحان)، (صويحب)، (حن وآنه حن)، (ليل البنفسج)،(البراءة)، (الأخت)، (حسن الشموس)، و(جنح غنيدة)، فإن هذا الجمهور يذكر في الوقت نفسه قصائدة الفصيحة: (وتريات ليلية)، (عروس السفائن)، (جزر الملح)، (بحار البحارين)، (باللون الرمادي)، (المساورة أمام الباب الثّاني)، (قمم)، (تل الزعتر)، (يوميات عروس الإنتفاضة)، و(نهنهني الليل)، ولقد أثبت مظفر النواب عبر كتابته القصيدة الفصحى والقصيدة الشعبية أنه (شاعر القصيدتين) بحق، ونذكر هنا أن جمهور مظفر النواب الذي أُعجب بقصيدته (للريل وحمد)، على سبيل المثال لا الحصر، والتي منها:
(( مرينه بيكم حمد واحنه بقطار الليل
وسمعنة دك كهوه وشمينه ريحه هيل
يا ريل صيح بقهر صيحة عشك يا ريل
هودر هواهم ولك حدر السنابل كطه))
هذا الجمهور قد أُعجب بالدرجة نفسها بقصيدته (وتريات ليلية)، على سبيل المثال لا الحصر أيضا، والتي منها:
((في تلكَ السّاعةِ مِنْ شَهَواتِ اللَّيلْ
وعصافيرُ الشَّوكِ الذَّهبيةُ تَستجلي
أَمجادَ ملوكِ العربِ القُدماءْ
وشجيراتُ البَرِّ تَفيحُ بدفءِ مُراهِقةٍ بدويَّةْ
يكتظُّ حليبُ اللَّوزِ
ويقطرُ مِنْ نهديْها في اللَّيلْ
وأَنا تحتَ النَّهدينِ إناءْ))
وقد قال مظفر النواب ، وهو يردُّ على الذين يتهمونه باستخدام كلمات قاسية وبذيئة:
((اغفروا لي حزني وخمري
وغضبي وكلماتي القاسية
بعضكم سيقول بذيئة
لا بأس
أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه)).
ولقد كان صلاح حسن دقيقا حين قال في مقالته التي عنوانها ((40 ) سنة من النفي …(40 ) سنة من الإبداع ، حين يليق إسم الشاعر بنخلة عراقية): ((يستخدم مظفر اللغة البذيئة والألفاظ الجارحة من دون أن يكون بذيئاً بالطبع ولكن ليكون الخطاب على مستوى الحدث ، والأمثلة أكثر من أن تعد)).
مظفر النواب والعراق
قال مظفر النواب ردّا على سؤال وجَّهه إليه أحد الصحفيين حول العراق: ((كل العالم جميل))، وأضاف، بعدما غالب دمعة أشرقت في عينه ((لكن الأجمل هو العراق))، وقال هو يتحدث عن العراق أرضا ودما وشمسا:
(( ما أظنُّ أرضاً رويتْ بالدَّمِ والشَّمسِ
كأرضِ بلادي
وما أظنُّ حزناً كحزنِ النّاسِ فيها
ولكنَّها بلادي
لا أبكي من القلبِ
ولا أضحكُ من القلبِ
ولا أموتُ من القلبِ
إلا فيها ))
ولقد ظلت أمنية عودته إلى العراق وترك المنافي خلفه، مراودة له طيلة سنين وسنين:
((أَيْ إلهي إنَّ لي أُمنيةً
أَنْ يسْقُطَ القمعُ بداءِ القلبِ
والمَنْفَى يعودون إلى أَوْطانِهمْ
ثُمَّ رُجوعي
لمْ يَعُدْ يّذكُرِني منذُ اخْتَلَفنا غيرُ قلبيْ والطريقْ
صارَ يبكي
كُلُّ شيءٍ طَعْمُهُ طَعَمُ الفِراقْ))
ونذكر هنا أن الإعلامي زاهي وهبة سأله: ماذا بقي من العراق فيك بعد كل هذه السنوات فاجاب: ((كل شيء، أنا منه ولو خُيرت أن اختار أي وطن لما اخترت غيره، هذا الوطن رغم المآسي والمتاعب، هو طينة قادرة على الخلق في النحت والشعر وحتى في العقليات العلمية ولذلك مطلوب تدمير العراق))، وظل من المنافي يبعث بسلامه إلى بلاده الحبيبة بالغم من كل شيء:
((يا طيرَ البرقِ القادمَ من جنّاتِ النَّخلِ بأحلامي
يا حاملَ وحي الغسقِ الغامضِ في الشَّرقِ
على ظلمةِ أيّامي
إحمل لبلادي
حين ينامُ النّاس سلامي(( .
شؤون خاصة
ـــ أدلى مظفر النواب بصوته في الإنتخابات النيابية العراقية التي جرت عام 2010م، عندما كان مقيما في دمشق.
ـــ زار العراق عام 2011م بعد فراق دام (42) عاما، وقال في تلك الزيارة القصيرة: ((إن كل ما قدمناه هو قليل في حق هذا الشعب وهذا البلد، الذي كان في ضميرنا حيثما كنا…إن العراق يستحق الكثير من العطاء والتضحية والإبداع، وإن شعبنا يمتلك من الطاقات ما يتناسب وكل هذا)).
زيارة قصيرة
كانت الزيارة الثانية لمظفر النواب للعراق عام 2013م، وحضر في تلك الزيارة المناقشة العلنية لرسالة ماجستير بعنوان (الرؤى الفلسفية في شعر مظفر النواب)، للطالب إحسان عليوي عبدالحسين، في قسم اللغة العربية بكلية الآداب ـــ جامعة ذي قار.
لقد غادر النواب العراق عام 1969م، ولم يعد إليه إلا في عام 2011م، كما أشرنا، في زيارة قصيرة، فما أطولها من غربة، وما أقساه من فراق:
((أَوَّاهُ إِذ طَالَ الفِرَاقُ
وعَاشَ مَوْتِي غُرْبَةً أُخْرَى بِغَيْرِ تُرابِهِ
سَأَصِيحُ فِي الَّليْلِ البَهِيمِ :
أَنَا الْعِرَاقْ
مَتَى أَعُودُ إلى العِراقْ ؟
لِيَغْسِلَ النَّهْرَانِ وَعْثَاءَ الزَّمَانِ وَوَحْشَتِي
وأَعُودُ
أُمِّي نَخْلَةٌ وَأَنَا بِجَانِبِهَا فَسِيلْ)) من قصيدته (رحيل)
وفي الغربة التي طالت على نحو غير متوقع، كان مظفر النواب على خلاف مع الأحزان التي تبث فيه سمومها، ومع الأيام التي تحاول أن تُجرِّعه اليأس، وفي كل الأحوال كان يقف كالنخلة متحدِّيا ثابتا هازئا بالأحزان والسموم:
((نَفَثَتْ بِيَ الأَحْزَانُ كُلَّ سُمُومِهَا
فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ لِلسَّمَاءِ صَلاَبَةً
ورَسَمْتُ رَغْمَ السُّمِّ مِنْ عُودِي لها ظِلاَّ ظَلِيلْ …
وتُحاوِلُ الأَيَّامُ مِمَّا جَرَّعَتْنِي اليَأْسَ
ثُمَّ هَضَمْتُهُ أَمَلاً
تُضَاعِفُ جُرْعَتِي
فَأُضَاعِفُ الصَّبْرَ الجَمِيلْ
إنّي أرى يومَ انتصارِ النّاسِ رغمَ صعوبةِ الرُّؤيا
وأسمعُ من هتافي في الشَّوارعِ
سيّما في ساحةِ التَّحريرِ
نخبَكَ يا عراقُ
وليس ذو أملٍ كليلْ)) من قصيدته (رحيل)
ترشيح مظفر النواب لنيل جائزة نوبل
قرر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق في 28 /5/2017م، ترشيح الشاعر مظفـر النوّاب لنيل جائزة نوبــــــــــل للآداب لعام 2018م، وشكل الاتحاد لجنةً متخصصة من المعنيين بالأمر، تشرفُ على متابعة تقديم التجربة بصورة كاملة، وعلى التواصل مع الجهات الرسمية، واقتراحِ كل ما من شأنه دعمُ ترشيح النواب. وتسليطُ الضوء بصورة أكبر على تجربته المتوهجة كلما توقدت في محفلٍ ومناسبة، وتكونت اللجنة من الأدباء والمثقفين: فاضل ثامر ـــ رئيساً، وجمال جاسم أمين ـــ مقرراً، ومفيد الجزائري، وسيـار الجميل، ومالك المطلبي، وحسين الجاف، ورياض النعماني، وكاظم غيلان ـــ أعضاء، ولمناسبة ذلك الترشيح أصدر الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب (مختارات من شعر مظفر النواب).وضم الكتاب قصائد فصيحة وشعبية من عيون ما قاله النواب مع سيرة ذاتية له فضلا على ديباجة الترشيح التي كتبتها لجنة متخصصة في الإتحاد باللغتين العربية والانكليزية.
شذرات لامعة مختارةمن شعر مظفر النواب
-1إنَّ منائرَ شعري
تتكبَّر أن تتزيَّن بالذَّهبِ .
-2 يصعدُ النَّخلُ للهِ
والتَّمرُ ينزلُ للنّاسِ
-3 أنا يا هذا
انقلابٌ أبيضٌ من عَرَق .
-4 يردنَ الجرارَ
فسيقانهنَّ الصَّباحُ
وأفخاذهنَّ السَّحر .
-5 أظهرُ من تحتِ أثوابِهنَّ
أرى قبَّةَ اللهِ مقلوبةً
فاضَ منها الشَّبقْ
فوق مئذنتينِ من الطَّلعِ
قد ضكَّتا فاشرأبَّ الفلق .
-6أنا واحدٌ لستُ وحدي
ففي جانحَيَّ الأنامْ .
-7كيف لا يُولدُ النّاسِ في الرافدينِ سُكارى
وكلُّ الذي في العراقِ
يُقطَّرُ منه العرق .
-8إخلعْ زمانَكَ
وادخلْ لزاهدٍ يُستجابُ
وخلِّ نعليكَ والحكوماتِ بالبابِ ثمَّ حسابُ
فخانةُ الشِّعرِ قدسٌ
وبابُها آدابُ .
-9 فليخجلِ اللهُ من خيرِ ما أخرجَتُ يدُهُ)) .
1-10بإحدى النّقاطِ اشتهوا فردةً من حذائي
فأكرمتُهُمْ فردتينِ
وصرتُ وزيراً بدونِ حذاء .
-11هلالُكَ قد جعلوهُ وعاءً لآثامِهِم .
-12رَحْلُ حِماري مملوءٌ بنجومِ الليلِ .
-13إنَّ الحكوماتِ في الشَّرقِ تكملةٌ للملاهي .
-14قدمي في الحكوماتِ
في البدِ
والنِّصفِ
والخاتمةْ)) .
-15لا يسندُ ظهري كالنَّخلة .
-16النِّفطُ من اللهِ سلاحُ العرب .
-17أبكي وعينيَ مملوءةٌ بالسُّرورِ .
-18ذهبَ الزَّمنُ الطِّفلُ بعيداً
أخذَ النّاسَ
وأبقى الأشياءَ
وأشياءَ الأشياءْ .
-19جمَعْتُ مساحاتِ بعضَ السُّجونِ
تجاوزَ حاصلَ جمعِ البلاد .























