يوتوبيا النص ودستوبيا الواقع – احمد الحاج

 قراءة في شعر ماجد الحسيني

يوتوبيا النص ودستوبيا الواقع – احمد الحاج

عندما يكتب الشعر ويسطر مفردات القصيدة يعمد الشاعر المخضرم ماجد حامد محمد الحسيني() إلى تنويع مواضيع قصائده النثرية وثيماتها ورؤيته بحسب القصدية التي يكتب فيها ومن أجلها، لذا فعندما تقرأ دواوينه تجد فيها انتقالات ثيمية ومواضيع يعالجها مرة داخل النص لغرض فني بحت وهنا قد تجد الفكرة مضمرة وبحاجة إلى مزيد من الفهم والاستيعاب بشكلها العميق، ومرة يترجل خارج النص ليعالج موضوعاً قد أثر فيه أيما تأثير مما يجدل تواشجاً دلالياً لدى المتلقي بين المدلول النصي والدال الواقعي بأسلوب سهل وكلمات ملتئمة قدر التآم شعوره الذي أباح لنا به.

ومراجعة فاحصة لحياة الشاعر وتواريخ قصائده تفيد بأن الفضاء الشعري لديه يعيش بين عالمين؛ عالم اليوتوبيا المأمول وعالم الدستوبيا المحموم، وبين الاثنان راح الشاعر ينتقل حاملاً قلمه ودواته بقصدية يعلمها جيداً كما يعلمها كل من عاش بالقرب من الشاعر الحسيني وتبادل وجهات النظر معه.

وعالم اليوتوبيا هو عالم مثالي متخيل، وقد اشتق المصطلح من اللغة اليونانية ويتألف من مقطعين، الأول (ou) وتعني (not) والثاني (topos) وتعني (place) وتعني حرفياً (لا مكان)، وهــــــــي بلد خيالي ومثالي ورد في يوتوبيا  للسير توماس مور (1516) والعالم الجديد (New Atlantis) للفيلسوف فرانسز بيكن (1627) وقد حافظ المصطلح على مفهومه النحوي والدلالي في اللغة اللاتينية التي كانت تعد اللغة الرسمية في المدارس والجامعات والبلاط في عصر النهضة الأوربية وكذلك في اللغة الانكليزية التي حلت محلها في العصر الحديث.

ومن الملاحظ أن الشاعر صور لنا دستوبيا مدينته على خلفية الهزة التي تعرضت لها في العقد الماضي فأحالتها إلى ركام من الذكريات الموجعة مازالت جراحات تئن من تحت الأنقاض، لتكون شاهداً على بؤس البشرية وما جنته يد الانسان ضد أخيه الانسان وما خلقت يديه من آلة دمار وقتل، ومن المؤسف حقاً أن كل ما كتب عن مأساة هذه المدينة من مقالات وسرد وشعر ونثر لا يرتقي إلى ما رسمه بيكاسو في لوحته الشهيرة “غورنيكا” التي عبرت أدق تعبير عن مأساة قرية اسبانية في إقليم الباسك قصفتها الطائرات عام 1937 مدة ساعتين وخلفت مئات القتلى، فكيف بمدينة تعرضت للدمار الشامل مدة أربع سنوات وقصفت بمختلف أنواع الأسلحة من صواريخ عابرة القارات وطائرات حربية ومدافع ثقيلة وحرب شوارع خلفت ألاف القتلى والجرحى والمفقودين والمعوقين. تعرف الدستوبيا (dystopia) على أنها عالم أو مجتمع متخيل يعيش فيه الناس حياة بائسة وغير إنسانية وخائفة () نتيجة لحدوث أمر فضيع كالحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية، وتتألف من مقطعين الأول (dys) إضافة بادئة مشتقة من اليونانية القديمة تعني (ضد، عكس) لتناقـــــــــــــض الكلمة التي تليها، والثاني (-topia) من اليونانية وتعني المدينة الفاضلة (Utopia) وتترجم الدستوبيا بالأدب البائس أو المدينة البائسة، وهي أداة ونوع أدبي يستخدمه الكتاب لتقديم رؤية للمستقبل تتحدى القراء للتفكير في البيئات الاجتماعية والسياسية الحالية التي يعيشون فيها، وغالبًا ما يصور هذا الأدب المجتمع في حالة تدهور كارثي ناتج عن الخراب البيئي، والسيطرة من خلال التكنولوجيا، والقمع الحكومي للحرية والتعبير الفردي.

العناوين

قبل البدء، من المفيد أن أذكر لمحة سريعة عن عناوين دواوين الشاعر الحسيني تحيلنا إلى عبارات طويلة نسبياً احياناً مثل “صرخات في أقصى الجثة()”، يكاد يتطابق مع ديوانيه السابقين “سفر من شظايا مدينتي”()، وديوان “ولادات من بطون الموتى”()، بخلاف عناوينه الأخرى القصيرة: “كركرات التشفي”، “التوجس”، “إلينا”.عمد الشاعر الاشارة إلى مأساة مدينته “الموصل” وما تعانيه من أزمات وما تعرضت له من دمار وخراب وتفشي الجهل والاوبئة في الفترة الأخيرة، فأراد أن يوثق هذه الأحداث الجلل بسجل شعري معبر عن مأساة هذه المدينة التي أمست ركاماً بعد أن كانت مناراً للعلم والأدب، فجاء عنوانه الاسمي “سفر من شظايا مدينتي”، ثم أختار الشاعر عنوانا مطابقاُ لديوانه الآخر من حيث البناء والوظيفة النحوية، فكلاهما يتألف من عبارتين اسميتين، الأولى “سفر” سجل حياتي صادر عن فعل الانسان و”صرخات” جمع صرخة ناتجة عن فعل حياتي مصدره الحبال الصوتية للإنسان، ثم عبارة الجار والمجرور “من شظايا مدينتي” و”في أقصى الجثة” وحرفي الجر “من” و”في” هنا عملا ظرف مكان كحال الكلمة التي تليهما “شظايا” و”أقصى” ثم كلمتي “مدينتي” و”الجثة” اللتان شكلتا رأس العبارة (Head) في عتبة العنوان حسب رأي علماء الأنساق البنائية النظامية الوظيفية (Functional Systemic Grammar)().

وهنا تعد “من” و”في” زائدة لترادفها وظيفيا مع المفردة الظرفية التي تليهما، ولكن لو انتقلنا من المستوى البنائي للعنوان إلى المستوى الدلالي لوجدنا أن كل من حرفي الجر تعمد الشاعر ايرادهما لتأكيد مكان الحدث “مدينتي” وفعل الصرخة من “الجثة” التي وردت مجازاً، فهي “أي الجثة” تنتمي لعالم آخر غير عالمنا، لذا فهي متعطلة الحواس فلا يمكنها الكلام ولا الحركة ولا الإحساس بعالم الأحياء، ولكن هذه الجثة عندما تصرخ معناه انها قد عادت من الموت، وهي بصرخاتها تعلن عن رفضها للبيئة الدستوبية التي تحيط بها في حدثين متصلين، الأول تخبرنا عن مدى الكارثة التي تعرضت لها فأحالتها إلى جثة هامدة، والحدث الثاني هو الصرخات معلنة العودة للحياة من جديد بعد الموت والخراب الذي تعرضت له، ونفس التحليل ينطبق على عنوان “ولادة من بطون الموتى”، وهو تعبير مجازي يفيد باستمراية الحياة رغم الأهوال المحيطة بالذات الشاعرة من تصفيات وقتل وخطف وتهجير في المدة التي شهدت كتابة القصائد والتي سبقت اصدار ديوانه عام2014.

وفي ديوانه “التوجس”() والذي يشي بوجود خوف من المستقبل بعد أن دب اليأس في حياة الذات الشاعرة، فهو يقول:

أيها الغريد

لا تنقر نافذتي

فالربيع غادرني

مذ كنت وليداً

(التوجس: ص29)

ومن الملاحظ أن الشاعر يحاول خلق يوتوبيا لونية للمدينة الفاضلة في الفضاء الشعري بكلمات شفافة وموسيقى عذبة، ولكنه فجأة يصطدم بدستوبيا الواقع وما تفرضه المدينة البائسة نتيجة ـ كما أسلفنا ـ الحروب والمجاعات والأوبئة والجهل والأمية.

تعالي نشتت الهم والوجع

ونرسم أفنان حاضرنا

فتلك خطايانا محوناها

وأرسلنا رسائلنا

لشيخ الحارة

علنا نحظى

بساعة لقيا

أو مجلس عزاء لكلينا    (ولادات: ص8)

وترد المشاهد الدستوبية بصور شعرية في ثنائيتين لا تكاد تنفصلان على حد تعبير الدكتور بشار الباججي()، وهو يخاطب كل من المرأة والوطن، وقد عبر عن حجم البؤس بمفردات سياقية ترد في النصوص لترسم صور مؤلمة في كلتا الحالتين، فهو يتساءل أحياناً بعبارة افتراضية عن ماهية الحزن وهو الذي خبره بكل تفاصيله:

كيف يرسم الحزن

طريفاً من سكون  (صرخات: ص14)

وفي قصيدة اخرى يقول:

يارب

كيف هبت عاصفة

واحتدم الظلام

كيف نامت وذابت

أنوار المدينة

من سماها    (سفر: ص46)

وفي أحياناً أخرى يثير الشاعر تساؤلات مفردات مثل السيف والريح والتعب والدماء والتشكي، … الخ.

هل غير السيف

ميعاده

قالت الريح

لم يخرج السيف

من عزلته    (صرخات: 18)

وبحسب رؤية الذات الشاعرة للبيئة الحياتية يعدها بيئة عقيمة بعد أن سرق كل شيء فيها المارقون وراقوص الأمراء:

عقيم أنت

أيها الوطن

الباحث عن دهشة

أو

عن السنة لهب

تتغلل

في رحم الاعياء    (سفر: ص57)

وهنا نجد عملية استبدال مؤلمة في كلتا الحالتين، بين السيف والريح وكلاهما يعد مصدراً للألم، لذلك ترد إليه حزمة من التشكي والدماء المتيبسة في عروقه:

كأني صحوت

وكل المعابر تشتكي

كيف تيبست في عروقي العتيقة

ستضج على القوافل أغنيتي

والدماء المضيئة

(صرخات:20)

حتى الحب لديه أمسى يغفو بصحبة الجن ومليكه ـ على حد تعبيره ـ فينادي على الحبيبة بقوله:

هاتي شغاف القلب

لعله يغفو

بصحبة الوجع

والموت        (سفر: ص96)

ولكن الذات الشاعرة ترفض الاستسلام منذ البداية وتفضل المجابهة والوقوف بوجه الكارثة، أو الكوارث المحيطة في محيطها الايكولوجي، لذلك تصرخ مرددة:

الشعر

سلاح يخفق

والشعراء تتلبسهم

حمى القصيدة

وفي قصيدة أخرى يقول:

نغسل وجه الأرض الدامية

خزياً .. عاراً .. ودماء

تعال

ندق وتداً

ونجمع الصندل أكواماً

جسدي المرسوم بالابنوس

وعلى جبهته

وهج النيران

في الختام لا يسعني إلا القول بأن تجربة الشاعر ماجد حامد محمد الحسيني هي تجربة رائدة في كتابة القصيدة النثرية وبحاجة إلى دراسة وفهم عميقين وذلك لتنوع موضوعاتها واختلاف ثيمتها، وبين الدال النصي والمدلول الواقعي يجدل لنا الشاعر حبال النص بقصدية يعلمها جيداً وبلغة عالية واسلوب رصين.