


بردى نهر من الشعر إنقطع في تمجيد ضحكته المعافاة – جواد الحطاب
لم تكن مثلنا : نتشاجر مع الهواء الذي يمرّ على أنوفنا .. !!
ولم نكن خطاك – مثل خطانا – تضرب في تيه الوكاحات !!
ولست، مثل جميعنا، تخطّط للمعارك المناصبية القادمة
أو تركض وراء مجد زائف ..!!
كنت – من دوننا جميعا – متفرّدا بالطيبة، والوفاء، والعبور على الصغائر …
أذكر، إننا التقينا ذات تاريخ قديم، موغل في القرون..
كنتُ متسلّلا من أهوار سومر،
وكنت انت تضرب بالقلم نصوص صحرائك، وتنشدها في “عين التمر” الكربلائية،
في الألف الأول للميلاد، يا بو الزوز..
وأذكرُ – حين التقينا- ضربنا صدور بعضنا البعض بقبضاتنا الحميمية،
وتسامرنا طويلا عن علي بن ابي طالب الذي كنت تحبّه،
وقدّتك في الزمان الى أبونا ” أنستاس الكرملي”، !!.
ثم فرقتنا القرون السافيات..
وعبر معارك العراق المعاصرة، وجدنا انفسنا ثانية، يابو الزوز، ولكن هذه المرّة “جنود احتياط” !!
وامتدت بنا الجهات شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وكانت البصرة، وفندق “ابن الهيثم” محطة التقائنا كمراسلين حربيين خارج الوظيفة، وليس من مؤسسة نعمل لديها سوى الهمّ العراقي، وتمجيد البلاد التي سرنا مع شجنها الجنوبي، ودبكاتها الشمالية الى آخر أوامر “وقف اطلاق النار”..
ويوم اعلن توقفها كانت وحداتنا – انت وانا – خارج الخرائط المثبّتة في كتب الجغرافيا الوطنية ..
ففي اعلى جبال كردستان، كنت انا جنديا، مطلوبا لخدمةٍ تعويضيةٍ للغيابات التي تراكمت حتى بلغت الشهرين، وفي منطقة هي آخر حدود العراق الشمالية، حيث كنا نتفرّج في النهارات على الجنود الأتراك وهم يلعبون “كرة الطائرة” في الجانب الثاني من النهر الصغير الذي يفصل حدودنا عن حدودهم، أمّا في الليل فكان علينا ان نحاذر هجوم الدببة وغدر الذئاب ( الآن، يابو الزوز، القوات التركية في دهوك، ولها قواعد، وقوات ضاربة، وطائراتهم تلعب بأهلنا لعب) !!
انا في أقصى العراق كنت ..
وأنت .. ووحدتك العسكرية كانت هناك أيضا في الجبال، على مشارف أعالي أعالي الجبال …
وفي واحدة من اغرب مفارقات صداقتنا، ان المراسل الحربي الكبير الذي كانت تحترمه كل قيادات الجيش وتطلب ودّه، لأن من قرّاء تحقيقاته “رئيس الدولة” !!
الصحفي المرحوم “علي حيدر – ابو عمر” صاحب الأيادي البيض على غالبية صحفي العراق وأدبائه ممن كانت وحداتهم في الخطوط الأمامية في سنوات الحرب، فكان يتوسط لنا بالاجازات، وبمأذونية النزول الى المدينة للاتصال باهلنا او رؤية الاصدقاء ..
“ابو عمر” كان يجري تحقيقات في القاطع الشمالي الذي فيه وحداتنا العسكرية، وحين أولم له احد كبار الضباط وليمة ليلية، طالب بان نكون نداماه تلك الليلة، فجيء بنا الى حيث الخروف المتقلّب على الجمر، وحيث مختلف المشروبات !!
ونحن الذين كنّا نتحسّر على صمّون الجيش، وعلب الطعام الجاف …
اتذكرُ – يابو الزوز – ان علي حيدر اوصانا بالهدوء، ورجانا ان “لا نتجاوز” فنحن في ضيافة “عضو مكتب عسكري” تقف أمامه قادة الفيالق مهابة وتقديرا.. لكن طفولتك، وضحكاتك، ومقالبي، أربكت وصية ابو عمر” وطوّحت برجائه جانبا حتى الصباح،
الصباح الذي شهدت شمسه طردنا الى وحداتنا، ومن دون ان نحصل على “إجازة” كنّا نمنّي النفس بها، لكن ما فعلناه تلك الليلة أمام “القائد العسكري الهام” ونحن الذين كنا نتراجف امام أي “نائب عريف” كان خير تعويض لنا عن خيبة الأمل بالإجازة .
..
كلما لتقينا في بغداد، وبعد انتهاء عقود على الحرب، نتذكّر تلك الليلة، ونغرق بالضحك وكأننا غادرناها للتوّ…
-2-
في دعوة افطار إتحاد الأدباء الأخيرة ( الأحد 24 نيسان، اليوم السابق لغيابك) إنفردنا جانبا، قلت لي ( ابو الجود من اربعين عاما أعرفك ولم نختلف يوما او نتعارك، وأجبتك بان السبب في ذلك دماثة خلقك، وروحك التي لا يملكها أحد) ..ثم تضاربنا بالاكف على صدور بعضنا، كما نفعل دائما في لحظات الحميمية التي يفتقدها الكثيرون …دماثة خلقك ..
وروحك التي لا يملكها أحد
هنّ ما استعيدهنّ الليلة ، وانا احاول الا اجهش بالبكاء، لأنك لم ترني كذلك طيلة صداقتنا التي عمرها سومر، وألألف الميلادي الأول…
نم آمنا ايها المتفرّد بالطيبة والوفاء
فكلّ اهلي، صلّوا لك “صلاة الوحشة” لتانس غيابك الذي فاجأنا .. وبلا رحمة !! .
نم آمنا أبو الزوز واسمحلي ان ابكيك، فقد اصبحت المآقي قطعات جمر !!..























