الفنّان والكاتب المسرحي السيد حافظ لـ الزمان لا مسرح من دون ديمقراطية
عذاب الركابيّ
السيّد حافظ.. كاتب ومبدع كبير متميز، وجد في خشبة المسرح مكانه الدافيء، بل وسادته المريحة بكلّ ما توحي به من أطياف، يتكيء عليها، ويعرف أنّه فريسة أحلام مقلقة.. طازجة، وبقدر مافي هذه الأحلام من فسحة حرية وتأمّل معطّر برؤى المبدع الجاد ،فيها من القلق الذي يبدو لدى الكاتب السيّد حافظ مزمناً، فهو قلق بنظرة ثاقبة، وحسّ مرهف، تارةً على وطن مغيّب مصادر، زورقه الملون بأغاني العصافير، نهب عواصف غير رحيمة، في زمن قاس،وأمزجة أنظمة لا ترى أبعد من حلمها بكرسي صديء، وحكّام يكدسون الأموال والثروات،ومواطنهم الشريف الصادق يجوع، يظمأ، يضيع، يفتقد إلى أبسط حقوقه في الحياة.. عندها يصبح قلق الكاتب المسرحي الروائي السيد حافظ صراخاً.. تعليقاً على مايحدث . وهذا الكاتب قلق ومقلق.. مزعج في الآن، هكذا إذا أراد الكاتب أن يحاكم التاريخ أو يكتب تاريخاً جديداً .. لاتخلو رؤاه من فوضى ومشاغبة ضرورية.. تارةً أخرى يقلق على جيل، يجد فيه ضوء الوطن،حين تغيّبه ثقافة ديكورية هزيلة..وهو يقترح الجميل والهادف لهذا الجيل، ويصبّ جام غضبه بجرأة وشجاعة نادرتين على الأدعياء، ويرى في واقعنا ندرة المثقف الجاد، والثقافة التي هي بحق، فعل بناء وتغيير..
أردت أن أحاوره، أقرّب رئتيّ منه بحميمية، فوجدتني واقعاً في شباكه متّهماً أيضاً.. هذا المبدع لديه الكثير ممّا يقول في حديث نهاري لا يخلو من حميمية..
. صدر له أكثر من سبعين كتاباً في المسرح والقصّة والرواية، عن دور نشر متعددة مصرية وعربيّة .
. كتبت عنه أكثر من ثلاثين رسالة جامعية بين دبلوم وماجستير ودكتوراه في المغرب والكويت ومصر والجزائر.
. حصل على جائزة أحسن مؤلّف لعمل مسرحي، موجه للأطفال في الكويت عن مسرحية سندريلا 1980.
سياسة الانفتاح
كانت بداية المبدع السيد حافظ مع المسرح، وللمسرح أحاديثه التي لا تخلو من شجون..
لا أعرف.. بعد نكسة 1967 مباشرة خرج أنين الجماهير إلى الشوارع وظهرت حالة الاختناق، وبدأ فى سوريا عام 1968 مسرح الشوك قاده سعد ونوس والمخرج كوكش ومجموعة من الشباب كانت ضد تيار الفجيعة وراء مسرح كالصاعقة، وفى مصر ظهر فى دمنهور عام 1968 على عبد اللا بمسرحية الوطاويط.. وظهر فى الجامعة مسرح الكبارية السياسي الذى قدمه المؤلف البركان نبيل بدران بمسرحية البعض يكلونها والعة وفى مصر ظهر محمد فاضل وناجى جورج فى مسرح القهوة عام 1969، ثم ظهر سعد الدين وهبه بمسرحية المسامير و سبع سواقى وكانت مسرحية نجيب سرور عطشان يا صبايا فى مقدمة المسيرة الجادة للمسرح السياسى، وجاءت مسرحية ميخائيل رومان الدخان وغيرها.
ففى مقابل المسرح السياس كانت هناك بعض الفلتات الإبداعية تحمل إبداعها المتوج على خشبة المسرح مثل وطنى عكاز النار و الزيتون وسر الكون وغيرها.
المسرح السياسى اختفى من مصر بعد عام 1975 لأن المسرح السياسي الذى ظهر فى 1973 لزكى عمر على مسارح القاهرة بمسرحية الشرارة ومسرحية مدد مدد ما تشدى حيلك يا بلد مشترك مع محمد يوسف وإبراهيم رضوان وكاتب هذه السطور الذى قدم بمسرحية والله زمان يا مصر والتى قدمت فى 17 محافظة من محافظات مصر.
كانت مصر حتى 1975 سيدة الموقف الفنى والفكرى.. ما تقدمه مصر على أرضية الواقع الفنى من المحيط إلى الخليج فى زمن يتجمع فيه الفنان العربى تحت الخيمة القاهرية.. وحينما كان المسرح السياسي يأخذ شكلاً آخر فى الساحة العربية ظهر فى المغرب الطيب الصديق وعبد الكريم برشيد وكلاهما أعاد سكين الإبداع إلى قلب الشباب العربى يدحرجون الأشكال القديمة متمسكين بهمسات العصر.. وظهر فى تونس عز الدين المدنى كاتباً مسرحياً تجريبياً له صوت مميز فى الساحة المسرحية العربية كما ظهر أيضاً سمير العيادى.
وفى ليبيا ظهر مخرج متطور هو محمد القمودى وفى الكويت ظهر صقر الرشود، ومحفوظ عبد الرحمن.. الكاتب المصرى المهاجر فى ذاك الوقت.. وفى سوريا ظهر إيقاع جديد هو فواز الساجر وفى قطر عبد الرحمن المناعى فى محاولات جديدة جيدة، وإن لم تتبلور بشكلها الناضج الذى سيأتى مع الأيام.. وفى الأردن جميل عواد وتجربة أخرى.
كل هذه الأشكال كانت تحمل رؤية مسرح سياسي.. ولكن فى مصر حدثت نكسة المسرح المصرى فى ظل الانفتاح لقد تحول المسرح إلى تجارة رخيصة مبتذلة ولم تتدخل الدولة لحماية الإبداع والمسرح، وتركت الممثلين والمخرجين يهربون إلى المسرح التجاري، والمسلسلات التليفزيونية لم تعمل على رفع أجور الممثلين مثلاً لم تنظم خروج الممثل وتحديد كمية أعماله داخل البلاد وخارجها فتركت الأمور لكل من هب ودب.. فهرب الممثلون إلى الاستوديوهات وهرب الجميع تاركين الجمهور فريسة للأفكار المبتذلة الرخيصة.
لذلك تجد مسرح الدولة فى السبعينات مغلق الأبواب، كتاب المسرح المبدعون مسرحياتهم حبيسة فى الكتب والمسرحيات التى تقدم لا يا عبودة.. لا جرى أيه يا دلعدى إحنا اللى خرمنا التعريفة كله على كله هذا ما أفرزته سياسة الانفتاح وأصبح عدوية هو القاسم المشترك فى كل الأفلام وأصبح سيناريو الفيلم يكتب ليلة واحدة.. فى ظل سياسة الانفتاح تدمرت كل القيم الجادة وأصبحت الفترة بكاملها فى حالة غيبوبة.
ومسرح الشوك أو مسرح الضد..؟ هل يمكن أنْ يجد له خشبة مسرح فى العالم العربى؟
لا مسرح دون ديمقراطية.. والديمقراطية محاصرة فى العالم.. فى العالم الثالث ومعظم المسئولين عن الحركة الثقافية والفنية يرتعدون من على مقاعدهم عند سماع هناك مسرحية ما تحمل فكراً اجتماعياً.. ولا أدرى كيف يثق حكام الدول فى العالم في أنفسهم.. وهم يرتعدون من مسرحية تعرض أمام ألف متفرج فى كل ليلة،إذا كانت هذه السلطات تخاف من مواجهة ألف متفرج مواطن يومياً فكيف لها أن تعيش.. إن أية سلطة تخاف من مواجهة ألف مواطن أو مسرحية لا حق لها فى الحياة،إن دولة كبرى مثل أمريكا عندما شاهدت مسرح الحى يقدم مسرحيات تدين حرب فيتام فكرت بطريقة أخرى فى جعل المسرح يفقد حماسه، إذ أنشأت فى كل مؤسسة اقتصادية مسرحاً يسمى مسرح الحي يدين حرب فيتام بمسرحيات مشابهة.. هكذا صار الحصار والمواجهة بتكرار التجربة أو اختيار تجارب مشابهة ترتدى أقنعة ،أما فى الوطن العربى فإنهم يطاردون رجال المسرح ويجعلون الشرطة تجذبهم من الشوارع مثلما حدث مع روجيه عساف ونضال الأشقر فى المسرح الحكواتى فى لبنان عام 1973.. ومثلما دخل رجال الشرطة فى عام 1972 فى مسرح جامعة القاهرة لمنع مسرحية البعض يكلونها والعة تأليف نبيل بدران وإخراج هانى مطاوع.. وعندما أغلقت الشركة مسرح السويس فى ليلة افتتاح مسرحيتى 6 رجال فى المعتقل عام 1973 من إخراج عبد العزيز عبد الظاهر المخرج الشاعر.. أليست هذه خيبة أمة..؟ تطارد الشرطة رجال المسرح..؟ إن مسرح الشوك مات فى سوريا ليس لكون السلطة وقفت ضده بل لأن المسرح فى الوطن العربى يحتاج إلى ديمقراطية، ولا ديمقراطية من دون حكومة وطنية .
وللمسرح دوره في إذكاء جمر الفكر.. والوعي.. واليقظة.. والثورة مادور المسرح في مصر؟ في أوطان الربيع العربي؟ مادور مسرحك أنت بالذات ككاتب مسرح متميز؟ ومادور مجايليك؟
عفوا ياسيدى.. المسرح فى الوطن العربى يحتاج إلى جنازة.. والحرية تحتاج إلى كفن.. والموقف يتراجع.. أى مسرح تتحدث عنه والإبداع يعتزل رؤوسنا.. والبلادة تنتشر.. والجميع ينتظر مصر الحلم.. ينتظر مصر الفكر.. لقد صنعت مصر ثورة.. دون أبطال.. مصر لا تحلم بالأنبياء الآن.. لكن مصر القديمة هى مصر الفكر الزلزال. يهز الزمان والمكان.. مصر القادمة لا تخدع بالخطابة والهتاف مصر القادمة لا تهتم بالكلام. مصر القادمة ضد التضحية البلهاء والثورة المقنعة والفلول والأغنيات الغبار.. رجال المسرح فى دوامة فى مرارة والصمت الذى يلتزمه المسرحيون هو غضب مضيء.
أما عن طباعة المسرحيات فى كتب فهذا هو الموقف الآخر فالكتاب مجرم يحتاج إلى قضاة القضاة هم النقاد ينتظر أمرا بالبراءة أو الادانة.. ولكن فى عصر الجريمة الكاملة.. فى زمن اغتصاب الحياة فى الوطن العربى حيث لم تذق النساء طعم الرجولة من الرجال.. على الكاتب والمؤلف المسرحى أن يعانى، فخيام الرجولة وهم. قهقهات خشنة وقهوة، وفى المخادع أوهام فما بالك بالكاتب الفنان الذى يكتشف نخاع الأحداث؟
أما الشق الآخر من السؤال فدعنى أقول لك مسرحيتى والله زمان يا مصر قدمت فى 18 محافظة من محافظات مصر و53 ساحة ومركز شباب وشركة ومسرحية 6 رجال فى معتقل قدمت فى 7 محافظات ومسرحياتى تقدم فى العراق وسوريا والكويت واليونان وباريس. إننى رجل مسرح أعرف ما المسرح؟
إن أعمالى المسرحية تحتاج إلى مخرج موهوب. أما المخرج نصف الموهوب أو المخرج التقليدى فليذهب إلى الجحيم.. ان مسرحياتى تحتاج إلى مخرج موهوب طموح والموهبة لا تقترن باسم مخرج مشهور.. فالمخرج الموهوب قد يكون فى أحد أحد المصانع أو أحد الساحات. أو إحدى القرى أو فى المسرح المدرسى.. لا تقترن الموهبة بالشهرة. فمعظم المشاهير غير موهوبين والعكس صحيح.
ابنتي شجعتني
كاتب مسرح متميز وعينك على الرواية لماذا؟ أهي عدوى مصطلح زمن الرواية أمْ لأنّ لقب الروائي هو الأكثر حضوراً وتأثيرا؟؟
إنى ذهبت إلى الرواية بتشجيع من ابنتى غيداء..فكتبت نسكافيه و قهوة سادة و كابتشينو ..فوجدت الساحة محتشدة بالروائيين.. ولكننى وجدت مكانا ً فالساحة كبيرة وتحتوى الجميع.. لقب الروائى أو المسرحى أو أيّ لقب لايهم.. المهم لقب كاتب..
فنّان وكاتب مثابر بلا شك وجهدك موزّع بين عديد فنون الإبداع.. بالإضافة إلى كتابة المسلسلات التلفزيونية والإذاعية.. أين أنت في كل هذا؟و منْ برأيك الأكثر تأثيراً في السامع.. والأكثر انتشاراً للفنّان والمبدع؟؟ ولماذا؟
السينما سوق استهلاكى والتلفزيون سوق استهلاكى أيضاً
لقد دخلت سوق الكتابة للتلفزيون وأنا فارس كلمة واستطاعت هذه الأعمال أن تجعل الصحافة تكتب عن تمثيلياتى التلفزيونية أكثر من أى عمل آخر.. إننى أرفض الميلودراما ولذلك فأنا أخاطب عقل المشاهد وأضع أصابعى فى رأسه حتى أكسر هذا الموروث التليفزيونى الذى له رائحة القطارات.. إننى أحاول فى التلفزيون أن أضع الموقف مع المشاهد العاجز والذى تعود على البلادة الذهنية .. وأعتقد إننى أكتب بنفس الطريقة فى السينما.. أما الأفلام التجريبية والرؤية التلفزيونية التى أرغب فى تقديمها سأقدمها عندما أقوم بأخراج العمل بنفسى وأكون المنتج.. إننا فى عصر زئبقى لا يمكن أن تنفذ ما تريد.. بل المنتج ينفذ ما يريد والمحطات كما تهوى.. التليفزيون هو فن نهاية القرن العشرين.. لا بديل لأحد.. بل هو شخصية خطيرة مستقلة أنجبتها السينما والمسرح.. هو الابن المدلل للمسرح والسينما هو ناعم كالحرير.. يدخل كل المناطق المحرمة والخاصة جداً… وحيد فى تميزه يبث إليك الأفكار الجيدة.. يدق جرس الصحوة الفكرية أو يطعمك الكلمة المخدوعة الخادعة… تأكل أفكاره وأصابعك فى فمك.. ولا ترتعش، لقد تحول هذا الفن أن يكون الأب للطفل الصغير والزوجة بالنسبة للرجل.. إنه يتسكع بعواطفنا ومشاعرنا وأحاسيسنا ونحن نسير للوراء… إنه يضطجع فى كل جزء من مؤسساتنا الاجتماعية ونحن مسلوبو الإرادة كسمكة مدلاة من فوق الجبال.
التليفزيون يسرق التاريخ ،وإمكانية المسرح والسينما، فهو يقدم مسرحيات وأفلاماً خاصة به.. كأنه وطن آخر.. أو عالم آخر.. السينما تلهث وراء التليفزيون بدليل اتجاه بعض الشركات الكبرى فى أمريكا وأوروبا إلى انتاج مسلسلات تلفزيونية حتى لا تبتعد عن الشمعة المضيئة ألا وهو المتفرج… والمسرح يقام ذاتياً لأنه فقد جزءاً من جماهيره عندما بدأت المسرحيات تسجل وتذاع فلجأ أصحاب المسارح إلى عدم تصوير المسرحيات تلفزيونياً إلا بعد عامين ضماناً لكسب الجمهور ونجحت المحاولة. إلا أن التليفزيون فرض ما يسمى بمسرحيات تلفزيونية ولكن للأسف معظم ما قدم لم يحترم المسرح كقيمة أو الكلمة كموقف أو المتفرج كحكم. فالمسرح جمهوره هو القاضى والقاضى يحكم فى الحال أما التليفزيون جمهوره يملك عدة قنوات ويمكنه أن يغير المحطة ولا يهتم بالحكم على الأشياء أما الجمهور فى المسرح فإنه يحكم فى الحال ويستطيع أن يعلن نجاح أو فشل التجربة المسرحية التليفزيون فن قائم بذاته ولكنه مهجن..
المسرح التجاري صناعة حكومية
يطغى في مسارحنا المصرية والعربية المسرح الفكاهي الأكثر توصيلاً على ما يبدو و التجاري على وجه الخصوص،أهوً طلب الجمهور والرضوخ له.. أم أنه الأكثر إيراداً وانتشاراً وشهرة للفنان أم ماذا؟ماذا تقترح لمسرح جماهيري يرتفع بذوق المشاهد، ويواكب ماتمرّ به مدننا العربية من أحداث؟
المسرح التجارى تباركه معظم الأنظمة العربية، وأتذكر هنا مهرجان مسرحيات الضحك أو اللعب الذى قدم فى تونس إنتاج الزينى فيلم قدم 21 مسرحية، لا يحتوى على أية قيمة فنية أو إبداعية، اشترتها محطات التليفزيون جميعها فى الوطن العربى، أما المسرح الجاد فالمحطات ترفضه بالحجج التالية
أولاً إنه مسرح باللغة الفصحى.
ثانياً الجمهور لا يفهم هذه المسرحيات.
ثالثاً هذه مسرحيات سياسية.
رابعاً المسرحيات الرمزية لا تخصنا..
واستمر المسرح التجارى، يعنى أن معظم أنظمة الدول تسانده حتى يستمر وينمو وحتى لا تدعو الناس للتامّل و للتفكير.. إنه مسرح المخدرات ومسرح الغيبوبة ومسرح الدرامات.. إنهم يسقوننا هذا بشكل ظريف ويتجرعه الناس عن طيب خاطر..
أمور كثيرة تكرس الابتذال ونواجه ضغوطا سياسية وهزائم عسكرية متكررة غياب الرؤية الواضحة للمواطن العربى عدم وجود استراتيجية ثقافية عربية، تسلل المدعين للمراكز الثقافية الحساسة زيادة الأمية الثقافية،ضياع القيم..نحن نواجه غزو ثقافى استعمارى صهيونى مدمر، عدم وجود إيديولوجية واضحة فنحن مسلمون وضد القومية العربية أو مسلمون ومع القومية العربية وضد المسيحية أو مسلمون مع القومية العربية ومع المسيحية ومع احترام الديانة اليهودية وضد الصهيونية والتقدمية.
إننا كم من التناقضات الهائلة.. البيت العربى الواحد يحتوى على أكثر من عشرين تناقض فكري سياسي، هذا بيت واحد فى العمارة الواحدة كم بيتا فيه؟ وفى الشارع العربى وفى الحي العربى وفى المدينة العربية كم من التناقضات. إن أخطر ما تواجهه الأمة العربية هو النزعة الإقليمية.. نعم النزعة الإقليمية فدخول المواطن العربى للبلد العربى يحتاج إلى اجراءات أصعب من دخوله إلى الجنة، وهذا يدعونى للقول أن فلسفة الوضع العربى الراهن هشة، ولذلك ازدهر المسرح التجارى الهش.. فعندما كانت الستينات تحمل بوارد القومية والشعور الوطنى كانت الفلسفة الفكرية لتلك المرحلة شبه مضيئة لذلك كان كل شئ شبه مضئ أيضاً..
الأيديولوجية هي شريان الفنّ
الغربة والاغتراب فى أبطال مسرحياتك ألا يتنافى فى هذا مع المبادئ الإيديووجية التى تعتنقها؟
الفن يعطى الايدولوجية المساحة الرحبة والإيدولوجية هى شريان الفن.. والفن هو قلب الايدولوجية ، القلب دائماً ينبض ويتأثر بالرؤى فإنه يعطى الشريان الإحساس المتجدد والأديب الملتزم قد يصل أحياناً إلى تجنيد نفسه لخدمة اللحظة الآنية.. هنا يفقد الأديب فنه وحنيئذ يصاب بالإحباط ذاتياً، وإن نجح خارج ذاته اجتماعياً وحزبياً.. وإن انتحار ماياكوفسكى لهو دليل واضح على هذا، أما إذا اعطى الأديب نفسه حرية الحلم والفن فإنه يمنح الايدولوجية بعداً جديداً. أكثر من البعد الفكرى. فيكون إنسانياً وعميقاً في طرحه، فإن الهتاف الفورى للجماهير والتصفيق لا يعنى النجاح الحقيقى. بدليل استمرار أشعار لويس أرجون وبول إيلوار،وقد حسم بول ايلوار القضية بقوله أنا ما جئت لكى أغير العالم.. إنما جئت لكى ألقى الأشعار ..نعم هذا دورنا أن نقدم الفن الملتزم بمساحة إبداعنا وفننا وابتكارنا والفن ليس خطبة سياسية وليس مقالاً.. إنما له أبعاد جمالية وفنية وإنسانية وفكرية.. ولذلك فإننا مطالبون بتغيير الخارطة الثقافية والفنية وتجاوز مرحلة الطفولة الفكرية الأيدولوجية والتفسير الطفولى للالتزام.. وقد قيل من قبل أن مسرحية جيدة أفضل من خمسين نظرية سياسية.
البطل فى مسرحياتى يشعر بأنه جزء من فعل نعم إننا فى عالم البطل هو الجزء وليس كما هو فى مفهوم المجتمع الامريكى الأسطورة.. البطل عندى يحلم بالتغيير وهو.. الفلاح عبد المطيع فى مسرحية الفلاح عبد المطيع وهو مقبول عبد الشافى إمام المسجد فى مسرحية حكاية مدينة الزعفران وهو سيف الفاروق القاضى فى مسرحية ظهور واختفاء أبو ذر الغفارى.. وهم الفلاحون فى مسرحية الخلاص.. إن المسرح يجب أن يكون نافذة الحقيقة للمشاهد، ويدفع المشاهد للدخول إلى اللعبة.. والبطل فى مسرحياتى هو صابر الفلاح وحسن العامل وابراهيم عامل النظافة لقد نقلت فى مسرحياتى البطل من أن يكون ابن الباشا ليكون ابن الفلاح والبطلة من أن تكون ثريا هانم بنت البيك الكبير أو الإقطاعى لتكون كوثر الخادمة.. وأشواق الفلاحة. هذا ما قدمته للمسرح المصرى.. وهذا ما جددته موضوعاً أمام ما جددته شكلاً إننى قمت بنفس الأفكار الموروثة ل،ذلك هاجمنى تجار المسرح التجارى على مسارحهم بالسخرية من أسماء مسرحياتى. وفعلاً أسماء مسرحياتى غريبة والسبب إننا فى وطن غريب من المحيط للخليج.. أبناء البيت الواحد تجدهم أصحاب أمزجة مختلفة، ولهم انتماءات فكرية مختلفة. إننا ورثنا كماً هائلاً من التناقضات تحتاج إلى تكوين حزب فكرى يكافح لإزالة الأمية الثقافية قبل الأمية الأبجدية.
مسرحيات شوقي الشعرية لا تمتّ إلى المسرح بصلة
وكيف تفسّر ندرة المسرح الشعرى.. وكيف تقيّمه ككاتب مسرح متميز؟
وهل يمكن مسرحة الشعر أو تقديم القصيدة على المسرح ومن هم فرسان المسرح الشعرى.. الشعر قلب المسرح والشعر روح المسرحية الجيدة.. وما كتب من مسرحيات شعرية للشاعر الكبير أحمد شوقى لا تمت للمسرح بصلة بصراحة نقولها، ومسرحيات الشاعر الكبير عزيز أباظة كانت أيضاً ساذجة . وما كتبه شاعرنا العملاق صلاح عبد الصبور لا يقترب من المسرح، ولكن يقترب من القصائد العملاقة، أما كتابة الفنان عبد الرحمن الشرقاوى فقد اقترب من المسرح بعد أن تدخل الفنان كرم مطاوع وخذف كثيراً من القصائد اختصرها لتكون فى شكل مسرحى متوائم كل ما كتب باسم المسرحيات الشعرية كان أبعد ما يكون عن المسرح وبعض القصائد المسرحية التى تملك الحس الدرامى تملك مقومات تقديمها على خشبة المسرح دون وسيط ودون الالتجاء إلى مخرج يشمر عن ساعديه، ويظهر عضلاته ونبحث عن المسرح فى ضجة التقنية الفنية عن المسرح فلا نجده.
إن للكاتب المسرحى الحق يحفر بالشعر فى أثناء كتابة المسرحية.. مهاجراً مع الطيور ونبض الناس وينتفض فى كل سطر حتى يقدم نبؤة الحقيقة، المسرح الشعرى الذى قدمه شكسبير الآن يحذف منه ويختصر حتى أنهم أقاموا ورشة عمل مسرحى لحذف وبلورة مسرحيات شكسبير بشكل يتوائم مع مفهوم الدراما، مع أن لغة شكسبير الدرامية أعمق وأنضج مما قدم فى الوطن العربى من تجارب، وإن كنت لا أميل إلى تمجيد الأجانب وكنت أتمنى من شعرائنا أن يدخلوا المسرح من أبوابه الرسمية. وأن يتعلموا الكثير من تقنية المسرح من أدوات المسرح الحق حتى يكتبوا المسرح الحق بدلاً من كتابة قصائد مطولة على أساس أنها مسرح.
الرواية هل هي نداء خفى؟
لا أعرف.. هى نادتنى وأوحت لى ابنتى أن أكتبها.. فكتبتني الرواية.
لماذا التجأت إلى الأساطير والحكايات القديمة فى مسرح الطفل؟وماذا تقترح لهذا المسرح للتميز؟
أولاً الاقتباس من النصوص الكلاسيكية لأدب البالغين أو أدب الأطفال وتطويرها بشكل آخر بحيث تكون خلقاً جديداً.
ثانياً خلق فكرة جديدة من مؤلف متفرغ وهب نفسه لهذا العمل وتوفرت له ظروف حياتية ونفسية تؤهله للعيش عيشة طيبة.
ثالثاً دعوة الكتاب الروائيين والمسرحيين الكبار للمساهمة بشكل أو بآخر فى الكتابة للطفل.
رابعاً خلق عمل جماعى . أو ورشة عمل ممثلون مخرج علماء نفس اساتذة تربوين مفكرون حتى تظهر مسرحيات مهمّة.
خامساً استخدام التراث الشعبى الإنسانى والمحلى فى تطوير معاصر لنسيج قيم جديدة ومفاهيم جديدة.
سادساً عمل لقاءات بين الممثلين والتلاميذ والكتاب ومديرى الفرق والمسئولين حتى يتعرف الجميع على مواهب الطفل الخاصة فى كل بلد وفى كل بيئة. حتى تظهر أفكار جديدة للأعمال المسرحية الجديدة…
غابت الكلمة السنبلة والكلمة اللهب
قل لي كمبدع متميز هل أنصفك النقد؟وهل لدينا حركة نقدية مصرية وعربية جادة، استطاعت أن تواكب هذا التفجّر الإبداعي؟
لقد غبنا عن الدخول فى دائرة الاهتمام بفعل الإبداع ودخلنا دائرة الإحباط،كل منا يحاول أن يحبط الآخر.. الإبداع والفكرة العظيمة تخلخلت وأصبحنا لا نقرأ حتى لبعضنا، ويهتم بعضنا بالسطحية والتخلف.. شعور بالعظمة المفزعة صار يميز معظم من يكتبون، فغابت الكلمة السنبلة والكلمة اللهب أصبحنا بدلاً من أن نكتب نقداً إبداعياً نكتب بالحجارة ونكتب بروث البهائم واختلفت أعراس الكلمة ونور الحياة.. إن معظم النقاد دخلوا فى سلاسل المصالح والولائم لقد عشنا جميعاً أغراب عن بعضنا، ولكن يبدو أن القاضى لا يقرأ قصص الآخرين والشعراء لا يعرفون الشعراء والمسرحيون لا يشاهدون المسرح أو يقرأونه.. عاش جيل كامل على شاهده فى الستينات.. ضاع جيل السبعينات بين الكلمة الجبانة ومؤامرة الخيانة.. إننا نآمل أن يحدث الزلزال وأن نعود إلى الضمير الأدبى الغائب بعد ثورة 25 يناير، فعودة الضمير الأدبى فوق المصالح الذاتية والمواقف المريضة يعنى النهوض على جثة الستينات حتى تستيقظ شرارة الزمن العربى وصحوة الفكر الخلاق لقد بعنا مآذن الفكر وبنينا فوقها بوتيكات لبيع الأفلام الهزيلة.. كل محاولة فنية جيدة اتهمت بأنها بدعة، فكيف تصبح للفنان العربى قيمته واسمه.. ووضعه على الخارطة الثقافية.. إننا احترفنا البكاء على إنتاج الستينات. متى تخرج من قبول الستينات؟ متى يخرج أحد النقاد والشجعان ويواجه المرحلة بحسم؟ إننا نحتاج إلى مفكر عربى لا يغازل السلطات ولا تغازله الدولارات حتى يضع النقاط على الحروف.. حينئذ سنلتف حوله ونسمعه ونبدأ زمننا الحقيقى النقى بدلاً من انتشار عدوى العبقرية التى أصيب بها معظم فرسان هذا الجيل فضاعوا وأضاعوا.
صدرت لك عديد الأعمال المسرحية والروائية التي تشكل إضافة لإبداعنا وثقافتنا.. ماذا ينتظر القاريء لك في الأيّام القادمة؟
أكتب الجزء الرابع من روايتى مشروعى للرواية السباعية . أكتب فى شاي أخضر .. وقريبا يصدر كابتشينو .
AZP09























