تجربة حياتية وقصائد مفعمة بالحنين – شكر حاجم الصالحي

نجمة .. بعد حين

تجربة حياتية وقصائد مفعمة بالحنين – شكر حاجم الصالحي

و يسألونك عن سبب اهتمامك بما يكتبه من كلام متفرد وما يصوغه من قصائد ذات لوعة وشجن فتجيب بالقول : انه الانسان النبيل الذي تعلمت منه مفردات التسامح والإيثار والمحبة , وكان مثالك الراقي في السلوك الشعري الذي بدأته منذ اواسط ستينات القرن المنصرم , وهو الإنسان الإنموذج الذي لا يتأخر عن ضخ محفزات التمسك بالثبات على الموقف الراسخ الشجاع , وعدم الرضوخ لسموم الكراهية ونكران الجميل , ولو أتيحت لك الفرصة في الإسهاب في الاجابة والذهاب الى التفاصيل الدقيقة في علاقاتكم الانسانية لقلت الكثير , ناهيك عن أنه أبن مدينة النشأة والذكريات المشتركة في حلتّك وورديتها المفعمة بطيبة ناسها و جمال لياليها وارث تأريخها المجيد .., وليست هذه هي المرة الأولى التي تقول ما ينبع من القلب و ما يستوجبه الوفاء ورّد الجميل , فالشاعر العراقي الكبير حميد سعيد لا يكف عن ادامة صلته الهاتفية وهو في مغتربه الاردني , ولا يبخل على محبيه و أنا أحدهم بكرمه الباذخ عبر ارسال اصداراته الجديدة مع المعارف والأصدقاء الذين يتوافدون على عّمان العريقة , وآخر ما وصلني من أخي الكبير ديوانه (( نجمة .. بعد حين )) الصادر حديثاً , وفيه من الشجن والحنين والشعر ووضوح الرؤية ما يدعوني للإحتفاء بهذا المنجز ولو بسطور قليلة لا تفيه حقه من الثناء والإعجاب  , ولكن محبتي واعتزازي تفرضان عليَّ قول ما أقول في انصاف هذا الانسان / الشاعر في زمن تكاثر فيه الجاحدون ,

 على أية حال ……

ــ نجمة … بعد حين ـــ ديوان الشاعر الحبيب الانموذج حميد سعيد ضم 18 قصيدة هي بعض خلاصات تجربة حياتية ثرية بتفاصيلها وأشكالاتها , ويمكن لي ان أستعرض عناوين قصائده وتواريخ كتابتها , ولذلك إشارة ذكية الى دوافع كتابته وقد لفت انتباهي ان الشاعر ــ وهو المقلّ ـــ في الانتاج الشعري , قد بلغ الذروة في عام 2021 م , اذ اختار للنشرتسع قصائد عام 2020 م وثلاث قصائد عام 2019 م , وجميع هذه النصوص مرآة كاشفة عن حميمية الشاعر وصدق حنينه لمرابع الصبا والشباب , وربما تكون قصائد ــ نجمة .. بعد حين ــ هي ليست كل ما كتبه خلال السنوات الثلاث , وقد تكون من اختياراته التي قرّ رأيه على نشرها في كتاب مطبوع , لقد اعجبتني كقارئ منتج قصائده :

     .. تأتي كما تشاء … الى الشاعر ريكان ابراهيم / ص 5

    .. صباح الخير …أصدقائي شعراء السودان  / ص 11

    .. نخلـــة الله …  الى حسب الشيخ جعفر      / ص 63

   ..  من حميد سعيد الى سعدي يوسف            / ص 67

وهذا الاعجاب لا يقتصر على هذه القصائد الأربع , ولا يعني ان بقية قصائد ــ نجمة .. بعد حين ـــ ليست بذلك الأدهاش الرائع , يقول الشاعر حميد السعيد في احد مقاطع قصيدته ــ تأتي كما تشاء ــ التي أهداها الى الشاعر العراقي ريكان ابراهيم :

      تعال كي أريكَ ماذا فعلت جحافل الديدانِ

      في بستانِ عبد الله

      ماذا حلّ بالكرخ

     وكيف اغتصب في غفلة من الشذى

     الأميرةُ الرصافةْ

     تعال كي أريكَ

    ما أستبيح من قوافل النور على يد الظلام

    وكيف سيّدوا الذين خانوا

    والذين هانوا

    والذين كتبوا وثيقة الذل على البلاد

                              ص / 6 ,7

هذا بعض حال البلاد التي أستهدفتها الأطماع فدمرت حقولها الخضراء وشردت ابناءها الاصلاء الأوفياء , فتناثروا في فلوات الربَ بحثاً عن الأمان والسلام بعد ان تسيدها ( الذين خانوا والذين هانوا والذين كتبوا وثيقة الذل على البلاد ) , صحيح ان الوطن يمرض ولكنه لن يموت مادام فيه شعب يدرك قيمة أرضه وعز أهله ـــ وبغدادنا بغداد الشاعر :

       تزورني بغداد

      ان زارتكِ يا سيدتي ــ بغداد

     في ما أنتِ فيهِ

     الظمأ القادم من منفى المياهِ

    الملحُ والحنظلُ

   يطردان ما تبقى من نخيل الجدّ

  ما أوصى به الأحفادَ

 لا يذكره الاحفادُ

  من مضى الى عاصفة الورد

ومن مضى الى مخابئ الرماد

أما قصيدته المعبأة بالحنين والأشواق واللوعة والعتاب الشجي والذي وضع لها عنواناً كاشفاً عن خصوصية ذات نكهة عراقية مشبعة بكل ما يكرس قيم الرجولة والأخوة المنزهة عن المقاصد العابرة فـ ــ من حميد سعيد الى سعدي يوسف ــ نص باذخ يفيض عذوبة ورقة وخلقاً يعربياً أصيلا , وكلا الاثنين من كبار شعراء العربية ــ وهما عانيا من ظروف الزمن كل حسب خياراته وسلامة رؤيته , رغم الاختلاف الظاهر بين الشاعرين لكنهما من طينة العراق وشموخه العتيد ,

يقول الشاعر في ــ من حميد سعيد الى سعدي يوسف ــ :

    أنت أدركتَ ان البلاد التي انتشرت في بساتين حمدان

   مزهوةً

   لم تعدْ في البلادْ

  وفقدتَ … فقدنا الذي كانَ

  أحلامنا والمسرّاتِ

  مُذ وطاَ الملحُ ورد معاجمنا والكلامْ

لا المصلون في مسجد البلد اكترثوا بأناشيدنا

ولا فقراء القرى صدقونا

وكنتَ تطيل المكوثَ .. كنّا نطيل المكوثَ

في ما يضيّعنا …

نستطيبُ الضياع

   …………..

   ……………

هل أعاتبكَ الآن

كيف ذهبت الى ما ذهبتَ إليه

دعنا نعود الى زمن الأخضر بن يوسف

  ……………..

  …………….

في زمن الأخضر بن يوسف

 كنا نرى حلماً طيباً

فلماذا ……

ذهبت الى ما ذهبت إليه … ص 69

و أخــــــيراً لابد من الأشارة الى أن هذه السطور ماهي إلا رسالة محبّة وليست رأياً نقدياً فأنا لست من قبيلة النقاد وأنما مجرد قارئ منتج كان عليه ان يقول تحيته لشاعر أحبه بحجم استاذنا النبيل حميد سعيد … و معذرة لهذه القراءة الانطباعية .. معذرة …….