حميد سعيد وجيل الستّينيّات  2 – 2 – عبد الحسين شعبان

حميد سعيد وجيل الستّينيّات  2 – 2 – عبد الحسين شعبان

فيض الذاكرة وجمر التمرّد.. رؤية توثيقية

 ستحقاق

وإذا أردنا الحديث عن تجربة حميد سعيد الإبداعية وصيرورتها الستّينيّة وما بعدها فلا بدّ من التوقّف عند تجربة الجيل الستّيني بشكل عام خارج دائرة المبالغة بالتهويل أو التعظيم أو بالتقليل أو التهوين، فإنّ “جيل الستّينيّات” يستحقّ البحث والعناء لأسباب عديدة منها:

            أولًا – لما عاشه من إحباطات وما شهده من تصدّعات وما اجترحه من معاناة، حيث تحطّم الكثير من قناعاته وانكسرت غالبية أحلامه، ولم يعد مكتفيًا أو مقتنعًا بما قدّمه جيل “الرواد” الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، مثلما لم يعد يرى في أسلوبه تعبيرًا عن حاجاته الجديدة وتناسبًا مع التطور الذي حصل، لذلك سعى للتجريب في محاولة لتجاوز ما سبقه.

            وثانيًا – لما تركه من تأثيرات على الأجيال التي لحقته، فحتى بعد نصف قرن من الزمان ظلّت الستّينيّات عالقة ومتعلقة لدى جيلها وما لحقها من أجيال: تاريخًا ونقدًا وانطباعات وذكريات وشهادات ودراسات، وذلك في محاولة لإعادة القراءة والفهم والتقييم، فالستّينيّات امتازت بنكهة حادّة ورائحة قويّة وتجريبيّة عالية، خصوصًا وقد جمعت الأضداد في جوار أقرب إلى التجانس والانجذاب والتفاعل والتداخل والخصوصية المتميّزة بالاندفاع والتحدّي وإنْ ظلّت الفوارق قائمة لكنّ الحدود اشتبكت على نحو كبير.

            وثالثًا – لما حاوله من تجارب لاستشراف الجديد وما سعى لابتكاره من أساليب، مطروقة وغير مطروقة، لتجاوز ما سبقه، خصوصًا وقد جاء بعد جيل الحرب العالمية الثانية الذي وجد نفسه وسط المآسي والعذابات، بما فيها ظروف ما بعد الحرب القاسية في أوروبا، ناهيك عن أوضاع العالم الثالث ومنه بلداننا العربية التي شهدت صدمة الاستعمار وامتدّت منذ بداية القرن العشرين وحتى ستّينيّاته، وصدمة الهزيمة الحزيرانيّة في العام 1967 التي ما يزال العالم العربي يعاني من تأثيراتها فيما يتعلّق بالمشروع الصهيوني، وكان من نتائجها مقايضة التنمية بالعسكرة، والإصلاح والتطوّر الديمقراطي الجنيني التدرّجي بالأنظمة الشمولية، والحكم المدني بهيمنة ضبّاط الجيش والعسكر، ودور المدنية وثقافتها المتطلّعة بالترييف وتقاليده الثقيلة، وهكذا تم قطع خط التطوّر الذي بدأ في عدد من البلدان العربية صاعدًا وإذا به يتجه بالنزول، لاسيّما في مصر وسوريا والعراق وغيرها.

            وبغضّ النظر عمّا سبق الستّينيّات أو ما لحقها، فقد كانت حقبة مائزة رائزة، امتدّت تأثيراتها إلى ما بعدها وأنتجت أدبًا جديدًا وفنًّا جديدًا بمدارسه المختلفة، حيث شهدت الحركة الفكرية والثقافية تواصلًا مع ما قبلها ولكن بأفق جديد ورغبة جديدة في التحرّر والتعبير عن خصوصيتها، ارتباطًا ببُعدها العربي وتشابكاته ووصولًا وتواصلًا مع البُعد الإقليمي والدولي والتأثيرات المتبادلة.

الستّينيّات مضَت ولم تمضِ

            لعلّ هذه الحزمة من الأفكار والذكريات والأسئلة كانت توشوشني كلّما أتيت على استحضار الستّينيّات، لدرجة أنني لا أستطيع الفكاك منها، فما زالت تدور في رأسي، وتفاجئني بين الفينة والأخرى لتتسلّل إلى نصّي أو تتغلغل في سرديّتي، بل تدخل عليَّ من هذا الباب أو أراها أمامي في تلك الزاوية أو يشعّ ضوؤها من تلك النافذة أو ذلك الشباك، وأشعر أحيانًا أن رائحتها تعطّر أنفاسي فكأنّي أتذوّق خمورها وأستنشق دخان سجائرها وأسمع صراخ حاناتها وجدل مثقّفيها في مقاهي البلدية أو حسن عجمي أو البرلمان أو مقهى الزهاوي أو مقهى أمّ كلثوم أو مقهى الشط أو “مقهى الحاج زناد” أو ليالي السمر أو عارف آغا أو البرازيلية أو “المعقّدين” (مقهى العباقرة كما كان يدعوه البعض تهكّمًا) أو في أروقة الجامعة وكليّاتها المختلفة ونقاشاتها الحامية وحواراتها الساخنة وحركاتها المتفاعلة. وفي أواخر الستّينيّات يمكن إضافة مقهى رعد ومقهى الربيع وشهد الأخيران لقاءات شيوعيّة كما شهد أحدهما أوّل لقاء بعثي- شيوعي في مجال الطلبة كنت قد جئت على ذكره في أكثر من مناسبة.

            وكانت تلك المقاهي تضجّ بحضور للعديد من الأدباء والمثقفين أذكر منهم الحضور الدائم للشاعر عبد الأمير الحصيري وشاكر السماوي وعزيز السماوي وعزيز السيّد جاسم وشريف الربيعي وعبد الرحمن مجيد الربيعي ووليد جمعة وعمران القيسي وعبد الرحمن طهمازي وفوزي كريم وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجليل العطيّة وسامي مهدي وحميد المطبعي وخالد الأمين ومزهر المرسومي، وهؤلاء من علقَ بذهني، علمًا بأنّ هناك أسماء أخرى عديدة لا يتّسع المجال لذكرها، وقد تكون أقرب إلى جيل الستّينيّات من بعض هؤلاء. وفي المساء كان ثمّة مجموعات متفرّقة تلتقي، لا سيّما أيّام الخميس أو بين خميسٍ وآخر في حانات أبو نؤاس منها: سرجون وبلقيس وكاردينيا وآسيا والجندول والشاطئ الجميل وغيرها.

            ومن عاش الستّينيّات، لا يمكنه أن يتوقّف عند جانب واحد من جوانبها، فقد كانت مترابطة ومتلازمة إلى حدود كبيرة، ابتداءً من الشعر والأدب إلى السينما والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى والغناء، ومن السياسة إلى الثقافة، ومن التربية والتعليم إلى الجنس والمرأة والدين، ومن الرأسمالية المترهّلة والمنضبطة إلى الانفتاح ورفض السلطة، ومن البيروقراطية الاشتراكية إلى حلم الاشتراكية ذات الوجه الإنساني، ومن الديكتاتورية والهيمنة إلى الرفض والدعوة للديمقراطية “الغائب الموعود” و”المنسي المفقود”، والمسألة سيّان بالنسبة للسياسي والمثقّف، وهي تنطبق على الجميع دون استثناء، حتى وإن كانت الفوارق قائمة، وسواء في الحكم أو معارضته، فالأمر واحد وإنْ كان الاختلاف بالدرجة والمدى، أمّا المحتوى والكينونة فهي واحدة على تنوّعها.

            1968 العام الاستثنائي

            قد ينصرف ذهن البعض باختزال الستّينيّات إلى الحديث عن حركة الاحتجاج الواسعة التي شهدتها فرنسا في أيار (مايو) العام 1968 باعتبار ذلك الحدث مثّل ذروة التمرّد، وبقدر ما كان العام 1968 “عامًا استثنائيًا” بلا أدنى شك على المستوى الدولي وعلى مستوى عدد من البلدان والمناطق، إلّا أنه لا يمكن فصله عمّا سبقه وعمّا لحقه من أعوام، فقد كانت الستّينيّات، وخصوصًا تلك السنّة الفريدة مِرجلًا يغلي على نحوٍ متصاعد في جميع الميادين والحقول، وهو ما يراه الكاتب الصحفي البرازيلي زوينير فنتورا الذي ألّف كتابًا مثيرًا بعنوان “عام 1968 أبدًا لم ينتهِ”، كما ورد في ملف “خمسون عامًا على مايو 1968” الذي نشرته مجلة “كتابات معاصرة” في عددها 110? شباط – آذار، 2019. أمّا دانيال كوهن بندت، وهو أحد قادة الحركة الطلابية التي ساهمت في انتفاضة باريس، ومؤسّس حركة “22 مارس” التي دعت إلى التضامن مع فيتنام، فيرى أن العام 1968 انتهى لدرجة أنه سئم الحديث عنه ولا يودّ تكراره.

            ولكن هل انتهى العام 1968 فعلًا، وهل غادرتنا الستّينيّات حقًّا؟ وإذا كان الأمر قد حصل زمنيًّا فما زال “جيلنا” على الأقل تحت تأثيرها، وهكذا ترانا نستحضرها بمناسبة أو دون مناسبة، لأن “روحها حيّة” حسب الشاعر والروائي فاضل العزاوي و”موجتها صاخبة” حسب الشاعر والكاتب سامي مهدي، والعبارتان مستوحيتان من عنواني كتابيهما، وحين شرعت بالكتابة عن حميد سعيد كانت الستّنيّات قد قفزت إلى ذهني لدرجة أنّني وقفت متأمّلًا بذهول أمام ذكريات الماضي وتأثيراتها، لأن عاصفتها لم تهدأ في داخلي وروحها ما تزال حاضرة، بل أنّها تتوثّب بين حينٍ وآخر.

            وحين أعيد استذكار بعض الأحداث لأضعها في سرديّات مؤطرة أجدها ترتبط بأكثر من وشيجة بالستّينيّات حتى وإن كانت بعيدة عنها لدرجة أشعر أنني ما زلت أعيشها وأتحسّس بعض تفاصيلها التي لا تبارحني. هكذا أشعر أنها تلازمني وتعيش معي، فتلك الأعوام الفريدة شهدت إرهاصًا في كل المجالات، فمن ثقافة البوب الساحرة (البيتلز والرولينغ ستونز وغيرها) إلى الموجة الجديدة من التمرّد على القصيدة الكلاسيكية، بل محاولة التمرّد على شكل القصيدة الحديثة، والأمر ينسحب على الرسم والنحت والمسرح والموسيقى والغناء والرواية والقصة القصيرة والقصّة القصيرة جدًا، أو “الأقصوصة” وغيرها من الفنون والآداب، إضافة إلى اللغة المتداولة في الصحافة والإعلام، مثلما شهدت تلك الأعوام بداية هزيمة الامبريالية الأمريكية في الفيتنام، والتي كانت حدثًا مذهلًا على المستوى الكوني، ارتبط إلى حدود غير قليلة بانتصار حركة الحقوق المدنية في أمريكا وصعودًا أولًا للحركة المطالبة باحترام حقوق الإنسان، لاسيّما بعد تأسيس منظمة العفو الدولية العام 1961 واتّساع نطاق الثقافة الحقوقية بشكل عام، لاسيّما الربط بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

            كان رفض الحرب على الفيتنام في الولايات المتحدة يتصاعد مع تصاعد حملة التضامن الدولية، فانتشر اسم هوشي منه والجنرال جياب وأبطال المقاومة، وأثبتت الفيتنام في الحرب كما في المفاوضات براعة كبيرة والتي انتهت بتوقيع اتفاقية باريس سنة 1973? كما اكتسب اسم جيفارا ألَقًا خاصًّا في الستّينيّات وكانت عمليّة اغتياله في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1967 في بوليفيا قد تركت أثرًا معنويًّا بالغًا على العديد من القوى التي حاولت أن تقتفي أثره، خصوصًا بصعود ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني وتبلور رؤية فلسطينية لحركة المقاومة التي اكتسبت زخمًا كبيرًا وشهدت تطوّعًا وانتسابًا وصداقةً من جانب العديد من المثقّفين الذين وجدوا فيها تعويضًا آخر عن هزائم سابقة، ناهيك عن أمل جديد.

وفي الستّينيّات أيضًا نجحت حركة الحقوق المدنية بزعامة القس مارتن لوثر كينغ من انتزاع الاعتراف بالمساواة وعدم التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي، ولكن في العام 1968 اغتيل زعيمها، كما اغتيل بوب كنيدي، شقيق الرئيس كنيدي الذي اغتيل في العام 1963? وكان السيناتور بوب قد اغتيل خلال فترة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عقب فوزه في المرحلة الأولى في كاليفورنيا وداكوتا الجنوبية عن الحزب الديمقراطي، واتُّهم حينها المهاجر الفلسطيني سرحان سرحان (24 عامًا) بتهمة القتل في ظروف وملابسات غامضة مثلما هي ملابسات اغتيال شقيقه الرئيس كنيدي، الذي أخلفه الرئيس جونسون ثمَّ تولى الرئاسة من بعده ريتشارد نيكسون أمام هزيمة هيوبورت همفري في تلك الانتخابات.

وإذا أردت العودة عراقيًّا إلى جيل الستّينيّات فلا بدّ من استعادة ما حصل بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968 من استقطابات وتجاذبات بين أطرافه حتى وإن ظلَّ التقارب بينها قائمًا في الفترة الأولى، لكنّ التباعد كان يأخذ طريقه بين فريقٍ قريب ومؤيّد للحكم الجديد وأخذ يتحمّس له، بل صار جزءًا من “سلطته” الثقافية وبين فريق بعيدٍ، تضيق الهُوّة أو تتّسع معه حتى وإن ائتلف في إطار اتحادات وجمعيات ثقافية ومهنيّة، الأمر الذي انعكس على فلسفة جيل الستّينيّات الذي ظلَّ بعض أجنحته وفيًّا لأطروحاته الأولى كما يعتقد، في حين اعتبر أجنحة أخرى تخلّت عنه بفعل مواقعها في السُلطة. ولا شكّ أنّ متغيّرات عديدة طرأت على المشهد الثقافي انعكاسًا للمشهد السياسي بجوانبها المختلفة، وهو ما أثّر على توجّهات بعض تجارب أطراف من الجيل الستّيني.

قراءة ارتجاعية

            إذا كانت قد مرّت مياه كثيرة وسريعة خلال العقود التي تلت العقد الستّيني وعلى أحداثه الكبرى، فإن التوقف عنده ومراجعة بعض تفاصيله إنما تهدف إلى إعادة القراءة الارتجاعية للماضي لا من أجل استعادته أو رواية محطاته كما حدثت بقدر ما هي محاولة القراءة بعقلية جديدة، سواء لمجمل الوقائع أم لمفرداتها، لاسيّما وقد انجلى غبار المعارك القديمة ولم يبقَ سوى ذكراها، تلك التي تستحق استعادتها من خلال النقد وهذا هو الهدف الأول.

            أما الهدف الثاني، فإن النقد بحد ذاته يعتبر محاولة خلق أخرى وإبداع آخر جديد يقارب القديم ولكن زاوية النظر إليه تكون مختلفة كما هو حادث لحظة وقوع الحدث، خصوصًا بالقراءة الجديدة للنصوص القديمة، وبما هو متوفّر منها في الذاكرة، بمعنى ليس إعادة تكرار تفاصيلها، بل عبر روايتها على نحو جديد ومن خلال رؤية جديدة.

            والهدف الثالث يتجلّى في أن بكل نقد إثارة وتحريك للساكن وتقليب لأوراقه العتيقة، لاسيّما بطرح فكر جديد آخذًا بنظر الاعتبار التطوّر التاريخي والمعطيات الجديدة، وهو في الوقت نفسه إعادة لطرح الأسئلة القديمة بصيغة جديدة وراهنة أي بصورة طازجة، لأن هذا النقد الجديد سيتجاوز زمانه ومكانه. وحسب هيغل فالتاريخ ماكر ومُراوغ، وذلك إذا أخذنا وقائعه منفصلة، ثم إن التاريخ لا يعيد نفسه، وإنْ حصل ذلك ففي المرّة الأولى كمأساة وفي الثانية كملهاة حسب اقتباس كارل ماركس من هيغل.

            وأفترض أن الهدف الرابع من النقد يتوخّى إعادة مفردات الرواية منظورًا إليها رؤيتنا الجديدة زائدًا التجربة التاريخية، وكأننا نعيد تفكيك عناصر الرواية القديمة لنؤسس لرواية جديدة، لاسيّما بعد هذا الفارق الزمني، حيث ننظر إلى الرواية من منظور راهن وليس تأريخيًّا.

            وبعد ذلك فلا تتكشّف منابع القوّة وتظهر الأهمية لأي مرحلة تاريخية أو حركة فكرية أو ثقافية أو سياسية واجتماعية دون النقد، لأن ما قيمة التجربة دون نقدها أو النظر إليها في وضعها الستاتيكي أي الساكن أو غير المتحرك؟ وستكون التجربة منسيّة أو دون إثارة إذا لم يتم نقدها بالإيجاب أو بالسلب، ففي النقد يتبيّن الوجه من زواياه المختلفة وتتكشف الألوان لا باعتبارها أسود وأبيض لحظة الجدل بشأنها، بل باعتبارها جزءًا من مسار له مرجعيات مختلفة واجتهادات متدافعة ورؤى متمايزة وبالتالي قناعات متفارقة.

            وستثير مثل هذه الاستعادة أسئلة جديدة وهذه الأخرى تولد أسئلة أيضًا، وتلك هي العبرة التاريخية من إعادة قراءة الرواية في أحداثها التاريخية، والدرس الذي لا غنى عنه للتفكير بالمستقبل من خلال القراءة الجديدة.

اللغة والرؤية الجماليّة

وإذا كنت قد تناولت ظاهرة جيل الستّينيّات وأنا أتوقف عند تجربة حميد سعيد فلأنّ الستّينيّات شهدت تبلور قصيدته الجديدة، وباختصار وأرجو أن لا يكون مخلًّا، فإنّ قصيدة حميد سعيد بدأت تغتني في هذه البيئة مع أنها بقيت محافظة على حزنها لكنها أصبحت أكثر ميلًا إلى الأسئلة لتأخذ مساحة كبيرة من حوار داخلي خارج دائرة التصنيفات، ومن يقرأ مجموعته الشعرية “الأغاني الغجرية” و”حرائق الحضور” التي يتحدّث فيها عن تجربته في المغرب العربي وإسبانيا، يستعيد القيم التراثية الشخصية والإنسانية المديدة، وفي دردشة مع حميد سعيد قال: إذا نجح جيل الروّاد في الانصراف إلى تكريس الشكل الخارجي لقصيدة التفعيلة، وهو إنجاز مهم، فإنّ الجيل الذي تلاه، وهو منه بالطبع، كان قد انصرف إلى تطوير الحالة الشعريّة من داخلها لتمثل جوهر عملية التجديد.

ولعلّ الأمر لا يقتصر على القصيدة، بل إنه يمتد إلى جميع أشكال الإبداع والكتابة لدرجة أن اللغة التي أخذت تُستعمل في الستّينيّات أصبحت مختلفة عمّا قبلها من حيث العديد من المفردات والمصطلحات والتداول اليومي بفعل تطورات شهدتها تلك المرحلة، واللغة هي تعبير عن رؤية فكريّة وجماليّة في الآن، وحسب أرسطو ليست ثمّة تفكير بدون رموز لغويّة، لأنّ الفكر وفقًا لديكارت يستخدم اللغة لكي يعبّر عن نفسه.

لحجارتها لغةٌ

وُلدت في ظلال النبوّاتِ

واكتهلتْ في نصوص السماءْ

فإن فَتَرَ الوحيُ .. نادتْهُ

أقبِل .. ومدَّتهُ بالعنفوانْ

هي أوَّلُ معجزةٍ .. وحدَّت بينَ القراءاتِ”            (من أوراق الموريسكي)

 لقد اختلفت لغة حميد سعيد بعد المرحلة الأندلسية عمّا قبلها، وهي تمثّل حياة عاشها وتعلّم منها واغتنى بفكرها واكتشف الكثير بينه وبين الأندلس التاريخية، معشّقًا ثقافته العربية بالثقافة الإسبانية، وتدريجيًّا أخذ يعتبر مرجعيات الإبداع هي مرجعيات الحياة، وبالطبع تلك خلفيّة لمرجعيات الشِّعر ذاته.

نجمةٌ

تقود خطاي إلى بيت مولايَ

يرسم السيد المشرقيُ بابا

على صفحة من كتاب قديم

ويفتحه

يتقحّم أندلس المدونة المغربية

في خطها الشجري

الزمان الذي كان يبحث عنه

لياليه من عسل أسود

والنهارات من كهرمان شفيف

أكثر ما توقفت عنده في تجربة حميد سعيد هو مجموعته الشعرية “أولئك أصحابي” التي صدرت في العام 2015 عن “بيت الشعر الفلسطيني” وضمّت 15 قصيدة، وهذه القصائد استبطنت شخصيات ثقافية كونية، وفيها إحالات عاطفية مهمة منها: قصيدة “الأخوة الأعداء” للروائي اليوناني كازنتزاكي وقصيدة “الأخوة كارامازوف” للروائي دوستويفسكي وقصائد أخرى، فهذه أنّا كاريتنا تتألّق في اللغة العربية.

“أَنّا..

ذاكَ مقعدُكِ

انتظرنا شمسكِ البيضاءَ.. في المقهى القريبة من إقامتنا ببطرسبرغْ

قُلنا.. فليكن ما كانَ وهمًا..

وليكن حلمًا جحيمًا

ولتكوني.. في مفاتنك الثريّةِ..

ما يُذَكِّرنا.. بأَنّا”

حميد سعيد انشغل أو لم ينشغل بجيل الستّينيّات فقد عاش إرهاصاته وشهد منقلباته وانجرف في منعطفاته وخاض صراعاته فولدت قصيدته في ظل اضطراباته.

** هذه الدراسة هي مساهمة في كتاب قيد الطبع بعنوان:

 “النشيد البابلي موسوعة عن الشاعر حميد سعيد” **– يصدر قريباً.