واشنطن كانت قلقة من وصول شخصيات ضعيفة إلى حكومة الاتحاد الهاشمي
وثائق الخارجية تكشف عن دور أمريكا في انقلاي 14 تموز 1958
عبد الجبار ناصر
ربما يثير عنوان المقالة حساسية بعض القراء الذين يرون في مفردة انقلاب تلاعبا في الألفاظ أو استصغارا لذلك الحدث الذي غيّر مسيرة تاريخ العراق وأدخله في دوامة العنف التي بلغت ذروتها في فظائع ومجازر انقلاب 8 شباط 1963 14 رمضان الذي أطلق عليه حزب البعث تسمية عروس الثروات ما حدث في الرابع عشر من تموز 1958 لم يكن ثورة في المفهوم السياسي، فالثورة تعني التغيير الذي يحدثه الشعب بقيادة نخب مثقفة وشخصيات تاريخية من المحكومين بتغيير نظام الحكم 1، كالثورة الفرنسية والروسية، وفي وقتنا هذا الثورة المصرية التي أطاحت بحكم مبارك. أما الانقلاب فيعني قيام مجموعة من منتسبي أحد أجهزة الدولة، وعادة ما يكون الجيش، فجأة بتغيير الحكومة القائمة بحكومة مدنية أو عسكرية. وهذا ما حصل في العراق عام 1958،فقادة اللواءين التاسع عشر والعشرين هم من قام بتغيير الحكم، ومنذ الساعة الثامنة من صباح 14 تموز 1958 عندما قتلت العائلة المالكة بطريقة وحشية، فُتحت أبواب الجحيم والعنف الذي لم يتوقف في مدن العراق وحتى يومنا هذا.
والمفارقة التي يجدر ذكرها هنا أنه يُطلق على الثورة في اللغة الفارسية مصطلح انقلاب أما الانفلاب العسكري فيطلق عليه كودتا المأخوذ من الفرنسية 2
أستعرض في هذه المقالة مختارات من وثائق الخارجية الأمريكية التي كُشف عنها بعد مرور عقود من الزمن، وتتناول هذه الوثائق الدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة في القضاء على حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي اعتبره الرئيسان أيزنهاور وكينيدي أخطر تهديد للمصالح الأمريكية.
أحدث الانقلاب العراقي هزة مدوية في العالم العربي والكتلتين الشرقية والغربية، وكانت ردة الفعل قوية في واشنطن خاصة أنه تزامن مع الثورة الكوبية، وقد وصف الرئيس الأمريكي أيزنهاور أحداث العراق بأنها أخطر أزمة منذ الحرب الكورية ، ونذكر للتدليل على مدى الصدمة الأمريكية أن صحيفة نيو يورك تايمز لم تنشر طيلة أسبوع كامل على صفحاتها العشر موضوعا غير الحدث العراقي3.
أضطرت الولايات المتحدة في اليوم التالي من الانقلاب الى انزال عشرين ألفا من المارينز على الأراضي اللبنانية، وقامت بريطانيا بنقل 6 آلاف وستمائة جندي الى الأردن للحيلولة دون انفلات الأوضاع هناك تأثرا بالحركة التحريرية في العراق.
وقبل الحديث عن الدور الأمريكي في اثارة المشاكل أمام النظام الجمهوري وقيادة عبد الكريم قاسم ومن ثم الاطاحة به، لا بد من التعرف على أهمية العراق في السياسة الأمريكية وما تناولته وثائق الخارجية الأمريكية من مساع لحفظ النظام الملكي وأمتيازات النفط.
العراق في الخمسينات
تأسست الدولة العراقية الحديثة في آب 1921، بعد قرون من الاحتلال الأجنبي، لكنها قامت أيضا تحت ظل الاحتلال البريطاني، وبعد جلاء معظم قوات الاحتلال، بقي العراق مقيدا بمعاهدات ثلمت سيادته. بدأ الحكم الملكي الهاشمي بتتويج فيصل الأول 1885 1933 ملكا على العراق في 23 آب 1923، وانتهى بمقتل حفيده الملك فيصل الثاني ولد في بغداد عام 1935 في 14 تموز 1958.
كان العراق في أواسط الخمسينات من القرن العشرين مستقلا بالأسم فقط، لخضوعه لنفوذ بريطانيا والةلايات المتحدة، فأصبح العمود الأساسي في حلف بغداد الذي شكلته الولايات المتحدة من أنظمة موالية لها في باكستان والعراق وايران وتركيا، اضافة الى بريطانيا. كانت الغاية من الحلف أن يكون تحالفا أمنيا على غرار الناتو وسياتو، لمواجهة الاتحاد السوفيتي والصين وأوروبا الشرقية ضمن خضم ما عُرف بالحرب الباردة. دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا الحكم الملكي، ليس فقط من أجل مواجهة الأفكار التحررية والقومية التي نادى بها عبد الناصر، ومواجهة المد الشيوعي مع أن العراق لا يجاور دولة شيوعية ، وانما أيضا لحفظ مصالحهما في شركة نفط العراق IPC 4 واستمرار الهيمنة على النفط العراقي الذي يشكل 10 من الاحتياط العالمي. ومع غنى العراق بالنفط، لكن سكانه بلغ عدد نفوس العراق حوالي 5.5 مليون نسمة عام 1958 كانوا يعيشون في فقر مدقع وأمية متفشية حوالي 80 أميون وأمراض لا تحصى طبيب واحد لكل 6 آلاف نسمة 5
كان العالم المحيط بالعراق حافلا بالايديولوجيات التي امتازت بتنافس الرؤى حول الكيفية التي يدار بها العالم. كان هنالك محوران الأول تقوده أميركا والمتمثل بالرأسمالية مع شكل ملازم من الديمقراطية، والاقتصاد المفتوح. أما المحور الثاني الذي يتزعمه الاتحاد السوفيتيفكان يدعو الى الاقتصاد الاشتراكي العالمي مع نظام سياسي متمم له. وشهد الشرق الأوسط في تلك الفترة صعود الحركة القومية بقيادة جمال عبد الناصر الذي دعا الى اتخاذ موقف الحياد الايجابي ، والذي يعني عدم الانحياز الى أية قوة من القوى الكبرى المتنافسة.
وقف النظام الملكي الى جانب المحور الأول، كما كان متوقعا، بينما وقفت أحزاب المعارضة ضد ذلك الانحياز. كانت المعارضة العراقية مجموعات ذات تداخل معقد من انتماءات وهويات ايديولوجية واجتماعية واقتصادية وطائفية أيضا. لكن يمكن تقسيم المعارضة الى فئتين ايولوجيتين الفئة الأولى وهم القوميون المؤمنون بأفكار وقيادة عبد الناصر ويتطلعون الى وحدة العراق مع أقطار عربية، وتضم هذه الفئة كبار موظفي الدولة والقادة العسكرين، والكثير من هؤلاء ينتمون أو يؤيدون الى حزب البعث وحزب الاستقلال. أما الفئة الثانية فتضم جماهير غفيرة من العرب والأكراد والأقليات الدينية والعرقية الذين عانوا من التهميش في ظل الاحتلال العثماني والبريطاني والحكم الملكي، ودعا هؤلاء الى دولة عراقية مستقلة، ومعظمهم أعضاء أو أنصار للحزب الشيوعي العراقي و الحزب الوطني الديمقراطي. لكن هذه الاختلافات بين الفئتين لم تمنعهما من توحيد هدفهما وهو اسقاط النظام. 6
المعارضة العراقية
في تحليل للمخابرات المركزية
الوثيقة رقم 108 مذكرة من نائب مدير الخطط في وكالة المخابرات المركزية وايزنر الى مدير المخابرات والبحوث كومينغ . موضوع المذكرة يتعلق بردود الفعل المتوقعة في العراق على التدخل الأنكلو أميركي المحتمل في لبنان. واذا كان موقف الحكومة العراقية معروفا في تأييدها التدخل لصالح حكومة كميل شمعون، فالمخابرات المركزية تولي اهتماما بموقف المعارضة العراقية خوفا من استغلالها الموقف للقيام بمظاهرات تؤدي الى اضعاف الحكومة العراقية أو اسقاطها. وفيما يلي مقتطفات من المذكرة المؤرخة في 3 تموز 1958، أي قبل الانقلاب بأحد عشر يوما. 7
ب ــ ستعلن المعارضة العراقية في المدن شجبها التدخل وستحاول استغلال ذلك في التظاهرات التي تهدف أساسا الى اضعاف الحكومة أو اسقاطها، كما ستوظف المعارضة هذا التدخل كوسيلة للتعبير عن المظالم الشعبية ضد النظام العراق و الامبريالية الغربية.
3 ــ العوامل التالية هي المفضلة لقدرة الحكومة على احتواء الاضطرابات
أ ــ على الرغم من معارضة الرأي العام العراقي للحكومة، الا أن نواة النشاط صغيرة، باستثناء حزبي البعث والشيوعي مع أنهم منظمين بشكل سيء. البعثيون والشيوعيون لديهم منظمات فعّالة، لكن يمكن للحكومة السيطرة عليهم باتخاذ تدابير حاسمة. أما ما تبقى من معارضة ذات فعّالية فهي ليست أكثر من 50 محاميا وعدة مئات من الطلبة. لا يوجد دليل حتى الآن على وجود تنسيق بين المعارضة والجيش. واذا كانت المعارضة قادرة على اثارة الاضطرابات، فهي تفتقر الى القدرة على اسقاط النظام.
ب ــ في حين تغلغلت المفاهيم الوطنية والقومية المعادية للغرب بصورة واسعة، الا أن سكان الريف ما زالوا بصورة رئيسية خاضعين لسيطرة الشيوخ المحافظين، في المناطق العربية والكردي، وهم في الغالب لا يعارضون الحكومة.
ت ــ البرجوازيون في المدن والعمال المهرة يميلون للحفاظ على مصالحهم الخاصة، ولهذا يصطفون الى جتنب الحكومة، مما يحدث توازنا مع الدعوات العطفية للقومية العربية.
ث ــ معظم العراقيين، مثل بقية العرب، دافعه الأساسي الوقوف الى جانب المنتصر، بغض النظر عن المبادئ. من شأن التدابير الصارمة التي تتخذها الحكومة، أن تثير استياء أقل من المفترض.
ج ــ الشرطة العراقية مجهزة ، خاصة عربات النقل، بشكل جيد وأفضل من السابق. والأكثر أهمية، أن التنظيم والقيادة والتعامل التكتيكي والثقة في مدير الشرطة العام، ومدير الأمن العام قد تحسنت عما كانت عليه في العام الماضي.
ح ــ الجانب الحاسم لاحتواء الاضطرابات هو الحاجة الى اصدار أوامر مشددة للشرطة لاتخاذ اجراء قوي عن اندلاع أية مشكلة. ان جهة اصدار الأوامر هي قائد الشرطة عباس مع مدير الأمن العام بهجت العطية ، ووزير الداخلية سعيد القزّاز، ورئيس وزراء العراق أحمد مختار بابان، ورئيس وزراء الاتحاد الهاشمي نوري السعيد، وجميع هؤلاء سيتصرفون بحزم مع احتمال استثناء بابان، لكنه سيكون تحت سيطرة نوري والقصر.
4 ــ نقاط ضعف الحكومة العراقية هي كما يلي
أ ــ عدم وجود قناعة تامة، حتى من بعض كبار مسؤولي الحكومة، بصواب سياسات الحكومة، ومن ضمنها القرارات المتعلقة بالتدابير الداخلية
ب ــ احتمال التغيير في الحكومة العراقية أو حكومة الاتحاد الهاشمي قد يجلب شخصيات أكثر ضعفا، مثل الأيوبي الذي يعجز عن التصرف بحزم عند قيام متاعب بسبب تردده وتذبذبه، ومثل هذا الموقف يدعم المتظاهرين ويزيدهم زخما مع بقية السشاخطين على الحكومة و قد يؤدي الى سقوط النظام مثل هذه المجموعة لا تملك أهدافا بناءة ولا محددة .
أنصب اهتمام الولايات المتحدة على تسليح النظام ودعم برامج الدعاية لمواجهة المعرضة في الداخل وشن حملات اعلامية على نظام عبد الناصر. والفقرات المختارة من الوثيقة التالية توضح ذلك جليا
النظام مستقر والمعارضة ضعيفة
الوثيقة 101ــ برقية من السفارة في العراق الى وزارة الخارجية. المصدر وزارة الخارجية الملفات المركزية 787.00»3ــ 1258 . سري للغاية وفوري.8 البرقية مؤرخة في 12 آذار 1958، ظهرا
لم أجد القادة العراقيين متوترين كما وجدهم سلون لويد، لكني اتفق أنهم تحت ضغط كبير بسبب توتر العلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة. وفقا لذلك، أرى علينا اتخاذ بعض الخطوات لتعزيز معنوياتهم. الخطوة الأولى طبعا هي ارسال بعثة المسح الجوي في أقرب وقت ممكن، لأن وجودها هنا ذو أثر نفسي سريع. أعتقد أننا سنمضي في متابعة تقديم المساعدة على شكل طائرات، ومع أني لا أرغب في الحكم مقدما على مدى حاجة العراق الجوية، الا أنني اقترح بدء النظر في تسليم نصف دزينة من الطائرات المقاتلة من نوع مناسب ليتم تسليمها في غضون الأسابيع القليلة المقبلة.
نحاول بهدوء ولبعض الوقت مساعدة العراقيين في تحسين وسائل دعايتهم. ما يعوقهم هو شحة العاملين المؤهلين. قد يحتاجون الى المال، لكنهم لم يتمكنوا من استخدام مبلغ 5 ملايين جنيه أسترليني للدعاية بشكل فعّال. لقد ناقش البرلمان في بغداد فرض ضريبة جديدة على الأرض، واذا ما نفذ هذا التشريع جيدا فسيعمل على تضييق الفجوة الواسعة بين الشعب والحومة، تلك الفجوة التي أعطت امتيازا لعبد الناصر في تشويه سمعة الحكومة العراقية.
تعليق أخير على وضع النظان الحاكم هنا لم تبد أية علامات سخط من الجيش والشرطة، وليست هناك قيادة سياسية منظمة بشكل جيد للمعارضة العراقية السياسية المتنوعة. ربما يواجه العراقيون أياما صعبة بسبب الدعاية المضادة، لكنني أعتقد أن نوري السعيد وولي العهد يمكن الاعتماد عليهما اذا بقيا محافظين على أعصابهما .
ــ غولمان
تعليق الصور
ـ فيصل الأول
ــ فيصل الثاني
ــ نوري السعيد
ــ سلوين لويد
ــ جمال عبد الناصر
ــ ايزنهاور
ــ صورة احدى الوثائق مرفقة
ــ والدمر ج غولمان سفير الولايات المتحدة في بغداد حتى 14 ديسمبر 1958
4 ــ حالة من التوتر السياسي والتنافس العسكري بين الدول في القرن العشرين لتكون بديلا. عن مواجهة مدمرة واسعة النطاق خاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وقد انتهت الحرب البارد في التسعينات بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي.
5 ــ تكونت شركة نفط العراق IPC من ست شركات عالمية هي بريتش بتروليوم ــ شل الملكية الهولندية ــ ايسو سميت فيما بعد اكسون ــ موبيل ــ شركة النفط الفرنسية ــ وبارتكس. وتوزعت مكاتبها في خمس دول.
AZP02























