ضبط إيقاع السرد  الصوفي على  (دفوف رابعة العدوية) – حمدي العطار

عبد الستار البيضاني في رواية جديدة

ضبط إيقاع السرد  الصوفي على  (دفوف رابعة العدوية) – حمدي العطار

يستخدم الكاتب الصوفية بطريقة رمزية تتناسب مع الطقوس  الصوفي التي تقضي العزلة والأبتعاد على الحياة الاجتماعية وحتى عن الناس، التباعد هي الخطوة الاولى للعزلة والتجرد والعبادة والاقتراب من الله،، وليس افتعالا ان يبدأ الروائي عبد الستار البيضاني في توظيف السرد بالطريقة الصوفية لبيان التحول الذي تصيب شخصيات الرواية (قبس وشخصية البطل) قد يرى البيضاني في الرمزية مخرجا لتعميق السرد وتنويع وتعدد  الساردين ( كل شخصية في الرواية بمنزلة السارد ، فهناك السارد العليم ضمير المتكلم الانا وهو بطل الرواية وهناك شخصية قبس التي تتماهى مع شخصية نسائية صوفية رابعة العدوية، وهناك اخروهن يشاركون في السرد مثل طارق وابيه والبصراوي المعمر عبيد الخربطلي) شخصيات اخرى تشترك في ضبط ايقاع السرد الدكتور (عمار عبد الجليل) والصديق (علي حسين علي) من عناصر السرد : الحوار  يقودنا الى احداث الرواية – احيانا يكون باللهجة العامية! ومن تقنيات السرد في هذه الرواية هي وجود السارد الخارجي الذي يلجأ الى اللقطات الاسترجاعية حتى يصل الى الطفولة (العمر خمس سنوات ولديه تجارب تشبه المداعبات الجنسية) “ما هذا تكي؟ ابتسمت وقالت : أي تكي ..أكلها ..طيبة) تلمستها بطرف أصبعي، كان قوامها غريبا يصعب على وصفه،ازدادت أنفاسها، وقالت بكلمات متسارعة: أكلها بفمك..بفمك) لعقت حبة التوت الخضراء بلساني لأتذوق طعمها، فأرتعش جسدها”ص7 .

 المزاوجة بالسرد

اذا كان ايقاع الرواية يعني سرعة احداثها وكذلك المدة التي تستغرقها الاحداث فقد تمكن الروائي من ايجاد هذا التوازن وهو يوظف  (رابعة العدوية ) التي تتلبس في جسد الجارة (قبس) التي تعزو رفضها الى الممارسات الجسدية او ما يطلق عليه – لذة الجسد- “عليك ان تعرف أني مثل رابعة العدوية..مع كل الغناء والرقص الذي ينسب أليها، فإنها نسيت لذة الجسد..لذتي في اتصالي الروحي..هل تعرف رابعة العدوية؟..كيف انت من البصرة ولا تعرف رابعة العدوية” ويختلط السرد بالتداعيات وتعدد السرد يكون من الحوار في هذه الرواية.التي تم فيها توظيف التقنيات السردية المحدثة دون اغفال التقاليد الفنية ، يشعر القارئ كأن الروائي يجهز تلك السردية لتكون عملا بصريا (سينما او دراما تلفزيونية)- شخص يشعر أنه يعيش في رأس إنسان آخر من دون شعور صاحب ذلك الرأس! هذه هي خلاصة القضية التي أبحث عن تفسير لها!”ص6

قاعدة السرد واللهجة الشعبية

يحاول البيضاني ان يوسع قاعدة السرد بإن يكون الوصف بالفصحى اما الحوار احيانا يكون باللهجة العامية

ففي الحوار بينه وبين استاذه د. عمار عبد الجليل في فترة الحصار الاقتصادي يكون بهذه اللهجة المحلية وهو ينصحه بالدراسة للحصول على شهادة الماجستير (- اكو موضوعين إذا اختاريت واحد منهم غصبا عليهم يمنحونك مقعدا بالماجستير\ – شنو استاذ صارت كلاوات؟!\ – بابا معليك ..انت آخذ ماجستير مو أني ..أنت بس اختار واحد من موضوعين هم يقبلوك..وينطوك الشهادة..اختار لو خطابات صدام حسين لو تختار موضوع يخص الدين\ – خطابات صدام أو كما يسمونها فكر القائد افتهمناها..لكن الدين ليش\- شنو انت مدا اتابع الأمة مخبوصة بالحملة الإيمانية”ص21

رمزية رابعة العدوية

(دفوف رابعة العدوية) رواية من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وتقع في 203 صفحة من القطع المتوسط وتحتوي 13 مقطع سردي،، النص الموازي الذي يبدأ بالعنوان ينظر الى الصوفية بالريبة و من المأخذ الدينية عليها اذ الدفوف والغناء والرقص عندهم مهمة.

الرعوية واشكالية الهوية

السرد قد يتجه احيانا الى مقاربات تاريخية لكنه يبدو متماسكا مع الحاضر حينما يعود السارد الى الواقع فيطرح اشكالية الهوية فهو عندما يقرر التقديم للحصول على شهادة الماجستير يطلبون منه (الرعوية) – شهادة الجنسية) “لماذا يطلبونها مني وأنا عراقي أصلي، أمتلك الجنسية أنا ووالدي وأمي- ألا يعجبك أن تعرف أين كانوا أجدادك قبل تأسيس الدولة العراقية؟ يجوز يطلع جدك العاشر سلطان عثماني..) ص38 وهنا تظهر شخصية (علي حسين علي) الشخصيات في الرواية تظهر وتختفي على قدر ارتباطها بالشخصية الرئيسة  كذلك في مقطع اخر يصف ظهور الصحفي طارق حمزه من البصرة بهذه العبارة (فجأة قفز رأسي أسم طارق حمزه) ،  صديقه علي يلقنه كيف يمكنه ان يتخلص من فخ (الرعوية( واسئلة المحقق فيحفظه قل له – احتراق مخازن الفحم في المعقل الفحم لتزويد السفن التجارية يوم كانت السفن تسير بالفحم – وانشاء ميناء المعقل- ونوعية عمل الاجداد) لذلك يقتنع ضابط التحقيق بإجاباته التاريخية فيقول له (يبدو أنكم أعتك من العتيك)! لكنه يطلب منه كتاب من جنسية البصرة مع مضبة وشهود!

البصرة وسحر الاماكن

الروائي مغرم بوصف المكان وتقديم نبذة عن تاريخ كل الامكنة  في بغداد والبصرة،،فعلى لسان الخربطلي يقول عن البصرة “ناس طيبين لا يمكن نسيانهم..صحيح نزحوا من المدن البعيدة والقريبة..بدو، وفلاحين، ومعدان، وأكراد، وأرمن، ومسيحين، ويهود، وأحوازيين..لكنهم تطبعوا بأطباع البصرة الطيبة.. البصرة ما تتغير هي تغير الناس..مدينة خير”ص116 ? في البصرة تظهر شخصية  الصحفي طارق حمزه ليساعده في العثور على ما يثبت عراقيته   وهناك يلتقي بالمعمر عبيد الخربطلي وهو الفصل الاكثر متعة في الرواية حينما يسرد الخربطلي ذكرياته مع جد ابيه وعن العمل وزيارة (الحكاكة) ” الحكاكة كانت دولة وعلم”ويشهد معه في جنسية البصرة للحصول على كتاب يؤكد عراقيته.

الخاتمة

محاور تاريخية وتجليات صوفية واحداث وعلاقات عاطفية وكسر لتابوات الجنس والسياسة والدين ، مسار سردي متميز ورواية ممتعة وفيها تجريب ومقاربات متنوعة وتقنيات سردية تكشف عن قدرة ابداعية ، رواية تستحق الاهتمام.