
الاستاطيقا و البحث في معاني الجمال – عـلاء لازم العيـسى
الاستاطيقا : كلمة يونانيّة تعني لغويًّا ادراك حسّيّ ، أو يُدرك حسّيًا ، واصطلاحًا تستعمل في الفكر المعاصر للدلالة على تخصّص من تخصّصات العلوم الإنسانيّة التي تُعنى بدراسة الجمال من حيث هو مفهوم في الوجود ، ومن حيث هو تجربة فنيّة في الحياة الإنسانيّة ، والمبادئ التي ينبني عليها التعبير الفنّي في مختلف وسائله . فالاستاطيقا إذن علم يبحث في معنى الجمال من حيث مفهومه وماهيّته ومقاييسه ومقاصده ، وهي أحد الأقسام الرّئيسة في الفلسفة مع المنطق ونظريّة المعرفة والأخلاق جنبًا إلى جنب . ويستمدّ علم الجمال موضوع دراسته من حقيقة واقعة هي أنّ الناس يحكمون دومًا على الأشياء ، سواء كانت أشياء طبيعيّة أو من منتجات الفنون الجميلة ، أو غير ذلك من مصنوعات الإنسان ، بأنّها جميلة أو جليلة أو دميمة أو مثيرة للسخرية ؛ يضاف إلى ذلك أنّهم يحاولون أن يؤيّدوا مثل هذه الأحكام أو أن يشككوا فيها ، وأنهم يشتبكون في الجدل بصددها ؛ وإنّما تنشأ المشكلات الفلسفيّة الخاصة بعلم الجمال عن التفكير في هذه المعلومات الأوّليّة .
ومع إرجاع الباحثين ظهور الإرهاصات الأولى لعلم الجمال إلى الحضارات الإنسانيّة القديمة كالهنديّة والصينيّة والبابليّة ، ثمّ تطوّرت التأملات الجماليّة بدرجة كبيرة في اليونان القديمة على يد الفيلسوف ديمقريطس ( 460 ـــ 370 ق . م ) أول فيلسوف يوناني ينظر إلى الجمال نظرة موضوعيّة ماديّة ، إذ عرّف الجمال بأنّه انتظام أجزاء الأشياء الماديّة وتناسبها ، وبينما يتكرّر النقاش الذي يدور حول أحكام التذوّق الفنّي أو الجمالي بين آونة وأخرى ، ويتكرّر ظهور الآراء والأفكار المتباينة عن الفن ، فإنّ علم الجمال لم يبدأ بالتشكّل فلسفيًّا إلّا في القرن الثامن عشر وبالتحديد بعد ظهور الفيلسوف الألماني الكساندر بومجارتن ( 1714 ـــ 1762 ) ، الذي كان أول من استخدم مصطلح الاستطيقا للدلالة على علم الجمال في كتاب نشر الجزء الأول منه في سنة 1750 باللغة اللاتينيّة بعنوان ( الاستطيقا ) ثمّ أصدر الجزء الثاني في سنة 1758 وكان يحلم بإصدار بقيّة الأجزاء لكنه مات في سنّ مبكّرة .
وبالرغم من اشتهار كتاب الاستطيقا للألماني بومجارتن والذي أسّس لبداية التشكّل الجديد القديم ، إلّا أنّ المقال الذي كتبه ديفيد هيوم عن معيار التذوّق الجمالي سنة 1757 طرح مشكلة أساسيّة أدّت إلى إضعاف الثقة بعلم الجمال ، وتتمثّل هذه المشكلة في البحث عمّا إذا كان الحكم القائم على التذوّق هو حكم ذاتي خالص أم لا ، ذلك لأنّه لو كان حكمًا ذاتيًّا ، لأصبحت المناقشات العقلانيّة الراشدة للموضوعات الجماليّة عملًا لا معنى له . وبسبب التشكيك والنقاش بشأن مفهوم الجمال ، فقد برزت مدرستان رئيستان لهذا العلم : إحداهما تجعل الجمال موضوعيًّا كائنًا في الشيء الجميل نفسه ، والأخرى تجعله مرهونًا بالإدراك الذاتي عند الشخص المدرِك .
وبعد هيوم جاء كانط وقدّم في كتابه (( نقد الحكم )) الذي نشر سنة 1790 استجابة مركّبة وبارعة للشكوك الأوّليّة في مدى قدرة علم الجمال على البقاء ، وباستناده إلى ما قدّمه في نظريّته عن المعرفة وفي فلسفته الأخلاقيّة من ثروة فكريّة ، استطاع كانط أن يوفّر لنا تفسيرًا للحكم الجمالي ذا جذور راسخة في البنية العامة للعقل البشري ، لذلك فإنّ الحكم الصادق بأنّ شيئًا ما جميل هو ذلك الحكم الذي ينبغي على الجميع أن يتّفقوا عليه ، كما أنّه يفصل الخبرات الجماليّة عن الخبرات المستمدّة من المتعة الحسيّة المحضة ، وبالذات فيما يتّصل بالحيدة والنزاهة التي يلتزم بها المشاهد تجاه الموضوع الجمالي ، فالحكم الجمالي يجب إفراغه من كلّ مصلحة ، أي أن يكون بدون أي علاقة بملكة الشهوة الخاصة بنا كشهوة الغذاء مثلًا .
أمّا الألمانيّ هيجل ( 1770 ـــ 1831 ) فقد اشترط في العمل الفنّي ثلاثة شروط : ( الأول ) أن لا يكون الفنّ نتاجًا طبيعيًّا ، بل يجب أن يتمّ من خلال نشاط إنساني واعي لروح موهوب بصفة خاصّة ، ترافقه حركة الفنّان نحو عالمه الباطني ، فيتولّد العمل منبعثًا من الروح ، فالعمل الفنّي لا يكون عملًا فنيًّا إلّا لأنّه ينبع من الروح ، ولهذا يقف العمل الفنّي في مصاف أعلى من أيّ عمل طبيعي لم يتّخذ هذه الرحلة من خلال الروح ، وبذلك يتحوّل الإنسان إلى الوسيط الذي من خلاله يمرّ ما هو إلهي ، وبحكم الفن وجودًا روحيًّا فهو وجود أسمى وأكثر حقيقة من الوجود المادي . ( الثاني ) أن يستوعبه الإنسان بحواسه فتكون الفكرة ميسورة لتأمّلنا على شكل محسوس وعيني ، ولهذا رأى هيجل أنّ الفن يختلف عن الدين والفلسفة بكونه يظهر بشكل ماديّ ملموس . ( الثالث ) أن يكون قصديًّا له غاية وهدف في ذاتهما ، فليس المقصود بالفن استثارة المشاعر والتأملات التجريديّة فقط ، بل تنمية الإحساس المهذّب للجمال والذي سمّاه الذوق ، ذلك أنّ التأمّل في الشعور إنّما يكتفي بردّ الفعل الانفعالي الذاتي في الشخص المحدّد الجزئي ، بدل الانغمار بالشيء المطروح ، أي في العمل الفنّي منقّبًا في أعماقه . لقد رأى هيجل أنّ القيمة الجماليّة للعمل الفنّي هي نسبيّة من الناحية التاريخيّة إلّا أنّ هذا لا يعني أبدًا النسبيّة في تقييم هذا العمل الفنّي أو ذاك . فتقييم العمل الفنّي خاضع لعوامل عدّة أولها حقبته التاريخيّة ومكانته القوميّة ، والاختلاف في التذوّق الجمالي نتيجة الشروط الاجتماعيّة ، والتقدير ليس ذاته في كلّ مرّة .
وقد اهتمّ الفيلسوف الإسباني الأصل والأمريكي النشأة والسكن جورج سنتيانا ( 1863 ـــ 1952 ) بعلم الجمال أيضًا وكرّس له واحدًا من أوائل كتبه وعنوانه (( الإحساس بالجمال )) سنة 1896، والذي عدّه ديورانت أعظم هبة أمريكيّة في عالم الذوق والجمال . لقد ذهب سنتيانا ـــ الذي تأثّر بعض الشيء بآراء هيجل ـــ إلى أنّ موضوع علم الجمال هو إدراك القيم ، لذلك كانت أول خطوة في سبيل تعريف الجمال هي استبعاد جميع الأحكام العقليّة ، وجميع أحكام الواقع أو أحكام العلاقة ، وهكذا يجب أن نضع الأحكام الجماليّة والخلقيّة في معيار واحد ، فالجمال ليس إدراكًا لحقيقة واقعة أو لعلاقة ، وإنّما هو انفعال لطبيعتنا الإراديّة التذوّقيّة فلا يكون الموضوع جميلًا إذا لم يولّد اللذّة في نفس أحد . فالجمال عند سنتيانا هو اللذّة إذا تجسدّت بموضوع مع التفريق بينها وبين بقيّة اللذّات التي نستشعرها بعد الأكل والشرب مثلًا ، ولهذا عرّف الجمال بأنّه : قيمة ايجابيّة نابعة من طبيعة الشيء خلعنا عليها وجودًا موضوعيًّا ، أو في لغة أقلّ تخصّصًا الجمال هو لذّة نعتبرها صفة في الشيء ذاته .
ونتيجة للاستقراء والتحليل لأسباب الاستجابات للقيم الجماليّة ، أكتشف الباحثون أنّ اللذات التي يجلبها العمل الفنّي ( المقروء أو المسموع أو المرئي ) تختلف من شخص إلى آخر بسبب اختلاف الاستجابة للقيم الجماليّة ، وقد قسّموا هذه الاستجابات إلى ثلاثة أنواع : حسيّة ، وشكليّة ، وترابطيّة . فـ ( القيم الحسيّة ) هي التي تنشأ عن إدراك ألوان أو أشكال أو أصوات معيّنة ، على نحو مستقلّ عن التنظيم الشكلي الذ تتجسّد فيه هذه العناصر ، وعن الفكرة أو المعنى الذي يُفترض أنّ العمل الفنّي يعبّر عنه . مثال ذلك : أنّ السطح المصقول للرخام أو بعض الخشب يجتذب مباشرة حاستي الإبصار واللمس لدينا ، وبعض الألوان تبعث لذّة حتى لو كانت تبدو بقعًا منفصلة . فاللذّات الحسيّة تبدو ذات جاذبيّة تعمّ الناس جميعًا ، على افتراض أنّ الفرد ليس فيه عيب عقلي أو حسّي ، كأن يكون مصابًا بعمى الألوان .
و ( القيم الشكليّة ) وهي أعقد وأقلّ وضوحًا من نظائرها الحسيّة ، لأنها تنشأ من اللذّة التي يجدها الذهن في إدراك جميع أنواع العلاقات في الأشياء أو الأعمال الفنيّة ، والتي قد تكون علاقات مماثلة ، أو تضاد ، أو تشابه ، وقد تقع هذه العلاقات بين العمل الكامل وبين أجزائه ، أو بين بعض الأجزاء وبعض ، وهذا ما نجده في واجهات المباني وفي فن التصوير ، كنسبة ارتفاع المبنى إلى عرضه ، والحجم النسبي للأبواب والنوافذ وشكلها ، والتضاد بين مساحات الإضاءة ، وتلك التي توجد في الظلّ ، وإدراك هذه العلاقات يحتاج إلى خبرة وتدريب منظّم .
و ( القيم الارتباطيّة ) وتسمّى ـــ أيضًا ـــ القيم اللفظيّة ، أو التصوّريّة ، أو الرمزيّة ، أو قيم المضمون ، وهي : تلك القيم التي تضفي على الموضوعات الجماليّة معنى يمكن التعبير عنه بالكلمات ، وتصبح مرتبطة بالموضوعات لأنّها تذكّر المشاهد أو المستمع بأشياء أو حوادث وأحداث كانت توجد خارج المجال الجمالي ، كصورة رجل يضحك والتي تعبّر عن المرح أو الطرب ، أو سماع قطعة موسيقيّة معيّنة قد تطربنا لأنّ لها ارتباطًا وثيقًا بمناسبة سعيدة معيّنة في الماضي ، أو صورة الصليب التي ترمز إلى المسيحيّة . مع الأخذ بنظر الاعتبار الأحوال النفسيّة المتغيّرة ، والأهواء الشخصيّة العابرة .
وكما اختلف الفلاسفة في مفهوم الجمال ، وفي أسباب الاستجابات للقيم الجماليّة ، اختلفوا ـــ أيضًا ـــ في ماهية وصفات الجميل ، وقد رأى القسم الأكبر من فلاسفة الجمال ـــ كما يرى ولترت ستيس ـــ أنّ الموضوعات الجميلة هي باستمرار مُدرَكة في طابعها (( فهم جميعًا يوافقون تقريبًا على أنّ الأشياء الجميلة هي دائمًا عينيّة ، ولا تكون أبدًا مجرّدة ، … ، فالتمثال ، والصّورة ، والكاتدرائيّة ، هذه كلّها موضوعات ماديّة تدركها العين ، فهي أشياء فرديّة تشغل حيّزًا من مكان . وتتألّف الموسيقى من أصوات تسمعها الأذن ، ولا شيء من هذه الأشياء مجرّدات . والشعر والفنون الأدبيّة بصفة عامّة هي بالمثل عينيّة من حيث موضوعها ومعناها )).
وبسبب هذا الطابع الإدراكي لما هو جميل ، كان الفارق الجوهري بين الفن من ناحية والعلم من ناحية أخرى في تفسير الوجود ومحاولة إدراك حقائقه وتفهّم أسراره ، فإنّ العلم يتّخذ لهذه المهمّة وسائله المعروفة التي لا تعتمد على ما في الإنسان من تباينٍ وفرديّة ، وإنّما تعتمد على ما لديه من أدلّة موضوعيّة وبراهين يختبر بها صحّة الافتراضات أو خطأها ، كما أنّ المعرفة العلميّة سبيلها العقل ، ونحن ندرك الحقائق العلميّة إمّا بإحدى الحواس الظاهرة ، أو باستدلال عقليّ يسير في خطوات ينتقل من المقدّمات إلى النتائج ، ويستعان فيه بالبرهان والدّليل . أمّا المعرفة الفنيّة أو إدراك الفنّان للحقائق ، وتفهّمه للأسرار ومحاولة تفسيره للوجود فيتمّ بطريقة أخرى ، طريقة لا يكتفي الفنّان فيها بالاستدلال العقلي أو الاستعانة بالحواس الظاهرة ، وإنّما عن طريق الحدس الّذي ينكشف فيه الحجاب بين الذّات المدرِكة والموضوع المُدرَك .























