
قراءة في (لم أزل أعيش جرح الجحيم)
الوقوف على حافة التابو
آراس بلال
يستخدم القاص حيدر عاشور تقنية المنولوج الداخلي في قصته القصيرة (لم أزل أعيش جرح الجحيم) المنشورة في جريدة الزمان (4/آذار/2022)? بطريقة مراوغة يقتنع القارئ بجدواها وأهميتها عندما يصل الى نهاية القصة نظرا لإكتشافه إنسجام التقنية السردية مع المضمون.
يقع القارئ في الاسطر الاولى من القصة بوهم الخطاب الموجه من ذكر الى انثى لكن بعد عبوره لهذا الخطاب يكتشف انه امام توجيهات تصدرها إمرأة لذاتها- نفسها (لا تندفعِ في حماس رخيص، ان الحب يتطلب كلاماً قليلا، واضحاً من دون انفعال مفرط. اهتمي أولا بالزرع قبل الارض، ليكون اساس عشقكِ متين. دعِ مزاجك جانباً ولا تضطربي حين يأتي على بيتك. اجلسي أمامه وفكّري في مستقبلك، وانطلقي بأعماق قلبك الى اعماق قلبهِ، لُترهفي السمع والفؤاد. أمامكِ صراعٌ لابد من ان تجابهيه، والزمن كفيل بمساعدتكِ).
وخلال تدفق هذا المنولوج الداخلي للشخصية يتلقى القارئ عدة صدمات تكشف له البناء النفسي والتاريخي للشخصية، فالمرأة تعاني من الوحدة والفقر (جلسنا على الارض فالصالة خالية من أي أريكة او كرسي، فقط فراش ارضي ومدفأة صغيرة عليها ابريق الشاي) لكنها إمرأة متقدة بالشبق والشهوة، الى حد العيش الدائم في الحلم الايروتيكي الذي يشوش على القارئ الاحداث فلا يعرف فيما اذا كانت أحداث القصة حقيقية أم إنها جزء من الاحلام الشهوانية للمرأة/الشخصية، فالوحدة والفقر وانعدام العلاقات الطبيعية تبني شخصية إنثوية موهومة في القصة التي برع القاص في بنائها على التراكب بين الخيال والواقع، او الامنيات والحقائق، معبرا عن ذلك بوضوح في هذا المقطع:
(بينما تأتيني من رأسي صرخات وتأوهات وتزورني وجوه مألوفة بين الحركة والفعل بين الانفعال والاستجابة.. أصحو، وأنا بين الرغبة والنفضة. يا الله اية صور تذهب وتعود في رأسي. آه يا أمي.. آه يا الله ما زال يحد نابه كالكلب قاصدا جرحي).
هذا المرأة التي تستنجد بإمها هي في الحقيقة انثى راشدة في الاربعين من عمرها، لكن نكتشف ان عودتها الى الاستنجاد بالأم سببه انها حبيسة ذاكرة طفولية، فالعلاقة الجنسية الوحيدة، سواء كانت علاقة كاملة او جزئية، تمت مع أحد الاقارب، وهو رجل يكبرها سنا لذلك يظهر في القصة شخصا مريضا متهالكا (أنا أراه رجلا كبيرا محدبا)، لكن هذا الرجل وربما لأنه الوحيد في حياتها بقي يشعل رغباتها ويشغل عقلها ويحرك شهواتها فتقول لنفسها (كأنه يؤشّر بحركاته قائلا: أنا الذي كنت قريبا من قلبك وقد أبعدت عنه. وتستثيرني حواسي لتعلل كل حركة فقد ضاعت عاطفتي فجأة لكن غريزتي مشتعلة رغم ضعف بصري وشمي وسمعي وذوقي ولمسي، لا أعلم كيف السبيل الى استخدامها لازداد قربا منه)، ولذلك لا يمكن القول انها اتخذت منه موقفا سلبيا بل على العكس ما زالت تشتهيه وتشعر بالحنين الى تجربتها معه (كلما ازداد بي قرباً. اصبحت أدور حول نفسي، حول رجل يرغب بي منذ كنت طفلة. رجل ممتلئ بالحيوية والرجولة)، أو (والسمكة أنا الآن سهلة صامتة جعلتها أحلامها طازجة للأكل بعد هذا العمر)، (ولأن عمري تجاوز الاربعين وأحلم بها كلما غزوني الشوق وارتفعت بي حرارة الجسد فتبدأ الروح تطلبها فيعيدها عقلي الى خيالي).
علاقة محرمة
في المقابل يتضخم الشعور بالذنب وان هذه العلاقة محرمة لا يمكن ان تكون مقبولة، وكل النص هو عبارة عن صراع بين الحرام والشهوة التي تنتصر في النهاية (انا الذي فعلت هذا، ونسيت وها انا اتذكر) هذا اعتراف بان العلاقة لم تكن قسرية بل لعل الفتاة كانت هي المبادرة إليها وهو ما تفعله المرأة الناضجة اليوم أيضا كما تؤكد (فعلتُ في شبه وعي اليوم، أخذ حقيقي كي اسلخ من عقله كل ذكرياتي واسحب ورقة الخوف من قلبي).يفاجئ القاص حيدر عاشور القارئ في عدم تقمص دور الواعظ في هذه القصة كما انه يتجنب التوجه المأساوي في التعامل مع الحبكة كما هو معتاد، بل يقف محايدا في الجدل والصراع الدائرين ويترك للشخصية حرية التصرف بجسدها فتتحرك وفقا لرغباتها كما يتركها حرة في لوم نفسها فلا تغالي في النقد ولا تقدم على فعل قاس ضد ذاتها او جسدها.
موقف القاص حيدر عاشور من شخصيته الحكائية يدفع القارئ للمشاركة في التفكير مع الشخصية حول إمكانية الاستسلام للمحرم وتحطيم التابو عندما يشعر الانسان ان فرصته الوحيدة للشعور بوجوده الجسدي وممارسة حياته الطبيعية ينحصر في ممارسة محرمة بعدما حاصره المجتمع بتقييد حريته او وصمه بالعنوسة كما حاصرته الطبيعة بالتقدم في العمر وفقدان الجاذبية الجسدية، فيجتاز الانسان عتبة التعقل الاجتماعي سواء بفقدان الشعور بالفرق بين الحقيقة والوهم او المباح والمحرم.























