

الأمارة ناقداً في حين يتكلم التراب – عـلاء لازم العيسى
(1)
يرى الناقد تيري أيغلتن أنّه (( لا أهميّة للنصوص الأدبيّة على الرّفوف لأنّها عمليّات تتجسّد في فعّاليّات القراءة فقط ، وأنّ أهميّة القارئ بالنسبة للأدب كأهميّة المؤلّف ))( مقدّمة في النّظريّة الأدبيّة ص82 ) مشيرًا إلى عموم القارئ والقراءة ، فكيف إذا كان القارئ من أهل الاختصاص ، ومن الذين نشأوا في نوادي الأدب ومحافله كالشّاعر عليّ الأمارة ، الّذي أتحفنا بإصداره الجديد (( حين يتكلّم التراب قراءات نقدية )) الّذي طُبع ضمن سلسلة البصرة تأريخ عريق وثقافة متجدّدة ، برعاية محافظة البصرة في سنة 2021 . تألّف الكتاب بصفحاته الـ ( 358 ) من مقدّمة أعلن فيها المؤلّف خروج الناقد الخفي الّذي يسكنه من معطف الشّعر ومن موقد العمليّة الأدبيّة إلى ميدان النقد والبحث والدّراسة ، وخمسة فصول غير متساوية في الطّول تمّ إعدادها من مقالات كتبها الأستاذ الأمارة في سنوات سابقة متباعدة ما بين ( 1999 ـــ 2021 ) .
( 2 )
ابتدأ المؤلّف ، في الفصل الأوّل من الكتاب ، كلامه عن جيل الثمانينيّات الشعري ( بمعناه العقدي لا الفنّي ) في العراق ، الّذي دخل بداية عقده الشّعري من بوّابة الحرب وتحت غبارها ؛ الحرب التي تريد من الشّاعر أن يكون جنديًّا شاعرًا لا شاعرًا جنديًّا . وحين انجلى الغبار وتوقّفت الحرب كان لابدّ لهذا الجيل من التعويض ، وكان التعويض طرحه مشروعه المتمثّل بقصيدة النثر (( القصيدة المخمّرة في الدّاخل صورًا ومفارقات وانزياحات وأحداثًا وأزمنة مهمّشة )) ، فكان ملتقى الشّعر الثمانيني الّذي أقامه منتدى الأدباء الشّباب سنة 1992 بمثابة منعطف تأريخيّ في الشعر العراقيّ الحديث ، وكانت خلاصة المؤتمر أنّ قصيدة الثمانيين هي قصيدة النثر بلا منازع كما يرى المؤلّف .
وبعد مقدّمة قصيرة عن مخلّفات الحرب النفسيّة ، وتفاعلاتها المترسّبة وآثارها السلبيّة في أعماق الشاعر والقصيدة ، عرّج المؤلّف على موضوعة الكتابة في زمن اللاسلم وانطباقها التام على تجارب شعريّة لشريحة مهمّة من شعراء العراق ما بعد الحرب (( فتشظّت موضوعة الحرب في النصوص كما تشظّت في النفوس )) ، انتقل بعدها إلى التنقيب القرائي داخل تربة المنجز الشعري لجيل الثمانينيّات ، مكتفيًا بالنصوص الشّعريّة التي أظهرت مرارة الحرب بإشارتها (( الواضحة الصّريحة الطافية على سطح النصّ بلا مواربة دلاليّة أو ايحاء بعيد )) واقفًا على توالداتها الدّلاليّة والفنيّة وتناميها التراجيدي والاسترجاعي الفجائعي .
( 3 )
وبعد أن انتهى المؤلّف في الفصل الأوّل إلى نتيجة تقول أنّ عام 1992 هو عام قصيدة النثر في العراق بامتياز ، توقّف في الفصل الثاني ، وهو أقصر الفصول ، عند ملتقى قصيدة النثر الثالث الّذي عقد في البصرة في سبتمبر 2017 ? وشهد إقامة خمس جلسات شعريّة لأكثر من ثمانين شاعرًا ، وأصدر حكمًا نقديًّا قرّر فيه : (( من أكثر من 70 شاعرًا وشاعرة قرأوا في الملتقى كان هناك نسبة 30 بالمئة قصائد نثر و40 بالمئة نصوص تجمع بين قصيدة النثر والسّرد والنّصّ المفتوح والخواطر و30 بالمئة خواطر فقط .
وبهذا المشهد نعرف أنّ قصيدة النثر الحقيقيّة جلبت معها غبارًا كثيرًا كما قلنا سابقًا أي فوضى نصيّة ارتدت جلباب قصيدة النثر)).
وبعد إعلان الأستاذ الأمارة انحيازه إلى قصيدة النثر الحقّة بوصفها ( ماسة لغويّة ) حسب تعبيره ، وبعد إشارته إلى سمات هذه القصيدة والمهادات التي صاحبت ولادتها ونشأتها أواسط الثمانينيّات من القرن الماضي ، ومقوّماتها التي يجب مراعاتها من قبل الشعراء لكي يمنعوا قصائدهم من الترهل والفضفضة اللغويّة والتسطيح والسقوط في فخّ النثر بعيدًا عن الشّعر ، وأهمّها الوحدة العضويّة والكثافة ؛ أورد ثلاثة نماذج من القصائد قدّمت ضمن قصيدة النثر ، ووضعها على منصّة التشريح ، وقطع بأنّها لا يمكن أن تكون ممثّلًا نوعيًّا لها ، ولا يمكن أن تكون قصائد نثر ضمن المقياس النقدي الفنّي لقصيدة النثر .
( 4)
أمّا الفصل الثالث وكان بعنوان ( قراءات أخرى في الشّعر ) فقد ضمّ قراءات لثماني مجاميع شعريّة وقصيدتين.
كتبت منذ زمن بعيد نسبيًّا انحصر بين سنتي ( 2002 ـــ 2010 ) ? مهّد المؤلّف لبعضها بكلام يتناسب مع عناوين المجموعات الشعريّة الرئيسة أو مع العناوين الفرعيّة الدّاخليّة ، كما ناقش أمورًا فنيّة وجماليّة متعدّدة مثل ملازمة السؤال للشعر العربيّ قديمًا وحديثًا ، منذ السؤال عن مغادرة الشّعراء من متردّم ووصولًا إلى سؤال السيّاب : أتعلمين أيّ حزن يبعث المطر ؟ ودلالات هذه الملازمة .
وإشارته ـــ أيضًا ـــ إلى ظاهرتي استبدال المعنى وتحقيق مستوى من مستويات الانزياح عبر زحزحة المعنى المألوف داخل النصّ الشعري ، وظاهرة اللازمة المتكرّرة في القصيدة الواحدة أو الممتدة إلى أكثر من قصيدة عند الكلام عن تجربة الشاعر منذر عبدالحر في ديوانه ( قرابين ) .
ثمّ ختم الفصل بمقالة عن الشاعر كزار حنتوش الذي حمل مشعل الصعلكة الشّعريّة في العراق ، والذي كانت قصائده عن الشاعرة رسميّة محيبس زاير (( أجمل من قصائد الشاعر الفرنسي اراغون عن حبيبته ألزا )) كما يرى الأمارة .
( 5 )
وفي الفصل الرّابع ، الذي جُعلت له حصّة الأسد من عدد صفحات الكتاب إذ شغل 110 صفحات منه ، جمع المؤلّف بين القديم والحديث ، والتراثي والمعاصر ؛ ففي الوقت الّذي نقرأ فيه عن الشّاعر الجواهري وتجربته الشعريّة الناجحة في (( خلق نسيج لغويّ شعريّ ذي توازن قلق بين الرؤيا الشّعريّة المتطلّعة للمغايرة والتجديد وبين الهاجس الارضائي المطلوب من القصيدة الملقاة على منبر في شارع سياسيّ يغلي بالأحداث وعلى أسماع جماهير تريد من القصيدة أكثر ممّا يريد الشّاعر منها ))، ونقرأ أيضًا عن السيّاب ومحمود البريكان ، نعود لنتعرّف على القيمة الفنيّة لخطب قس بن ساعدة ، والحس القومي عند المتنبّي . وبعد أن ننصت للمؤلّف وهو يتكلم عن السّرقات الشعريّة في القرنين الثالث والرابع الهجري ، والإشارة الواضحة في مقولة القاضي الجرجاني (( والسّرق أيّدك اللهُ داء قديم وعيب عتيق )) إلى قدم السّرقات الشّعريّة ، نصعد معه إلى أواسط القرن العشرين لنرى أنّ هذا الدّاء ، وبشهادة الدكتور عبدالواحد لؤلؤة ، لم يسلم منه حتى بعض الشعراء الكبار من أهل هذا القرن وقد خصّ منهم الّذين يجيدون لغة أخرى .
( 6 )
وفي الفصل الخامس ، وهو الفصل الأخير من الكتاب ، كانت قراءات في السّرد ابتدأها بكتاب (( بقعة زيت )) الصادر عن المشغل السّردي في البصرة سنة 2006 ? وهي تجربة إبداعية مشتركة لعشرة نصوص لقصّاصين بصريين مع أربعة نصوص نقدية هي قراءات للنّصوص القصصيّة ، وتُعدّ موضوعة بقعة الزّيت المضمار الدّلالي العام الّذي تتبارى به النّصوص على تحقيق التماهي الفنّي مع هذه الموضوعة ، ومدى استقطابها لها وتأدية رسالتها المشغليّة الجامعة لها .
ثمّ تلتها أربع قراءات في روايتين ، هما : العراق سينما للكاتب أحمد إبراهيم السعد ، ورواية الجبان للروائي ياسين شامل . ومجموعتين قصصيّتين ، هما : ظلّ استثنائي للقاص عبدالحليم مهودر ، وحارس المزرعة للقاص نبيل جميل . وختم المؤلّف كتابه بقراءة خامسة وكانت لكتاب ( بريد الإله ) للقاص عبدالكريم السّامر الصّادر عن دار ماركيز للنشر والتوزيع في البصرة 2021 ? جمع فيه مؤلّفه بين الومضة السّرديّة والصّورة الفوتوغرافيّة مكوّنًا ما يسمّى بالقصورة ( قصّة + صورة ) كأداتي توصيل لنصّ واحد ، أو أداتي تعبير لرسالة واحدة .
( 7 )
وفي الختام أقول : إنّ المقالات والقراءات المتنوّعة التي ضمّها كتاب (( حين يتكلّم التراب )) للأستاذ الشّاعر علي الأمارة ، تدلّ دلالة واضحة على اطّلاع كاتبها التام على الأدب العراقي بعمومه ، والأدب البصري بصورة خاصّة ، ومتابعته الدؤوبة والجادة لأغلب النتاجات الأدبية .
كما أنّ قراءة تلك المقالات والتمعّن بها تؤكّد للقارئ الحسّ النقدي الّذي يتمتّع به كاتبها ، والموسوعيّة المعرفيّة التي أدّت بدورها إلى تنوّع أساليب قراءته للنصوص الأدبيّة ، وكثرة استطراداته من القديم والحديث والشرق والغرب .























