
خزف – حيدر المحسن
كان الغروب حزيناً بسبب هذا الصيف الرطب. لم يكن السائس يرى الخيول لأن الباب مغلق، لكن بإمكانه سماع صوت حوافرها وهي ترفس الأرض بسبب العَتمة والحر. كان منهوكاً، مشوش الذهن من التعب. وهو ممدد، وجهه على العشب، يرى بنفسج الغسق بصورة أقوى، ربما بسبب الجوع. كل ما يأتي به النهار سوف يغرق في بحر النوم. آخر ما رآه لقالق تحوّم فوق رؤوس النخيل. نام نوماً متقطعاً، وعندما وجد نفسه متيقظاً ظنّ أنه نام لفترة قصيرة، لكن أذان الفجر من الجامع القريب دلّه على حقيقة وضعه. حاول أن يعود إلى النوم. لم يمر وقت طويل قبل أن يفتح عينيه ليجد ضوء الفجر الباهت في السماء. الظلام لا يزال مخيماً، وكان صدغه ينبض بتدفق الدم الثقيل، يصعد بثبات ويقرع جانب رأسه، وينزل بثبات يقرع في قلبه.
“لقد نمت جيداً”.
قال في نفسه، ورائحة العشب المبلل ضاعفت إحساسه بالجوع. أغمض عينيه. فتحهما. السماء قريبة والقمر المرّ غائب. سمع صوتاً كان يخشاه، صوت السعال العميق الأجش المنبعث من صدر جواد. كان الجميع نائمين، بما فيهم العمال في المطبخ. رفع جسده على مرفقه وحاول أن ينظر خلال الظلام. ثمة شيء لا يُرى، لكنه يُسمعُ. آلمته رقبته ألماً خفيفاُ. لقد تبقّى لليل حوالي ساعة، أو أقل، ومن ثم يصحو العمال في المطبخ ويستطيع أن يطلب منهم طعاماً يسكت به عصافير بطنه التي تضجّ بالغناء. كان يشعر بجوع مختلف عن الجوع. رغبة في طعام يختلف عن الطعام الذي يأكله في السابق. وكان يتمنى أن يستيقظ أحد ليحدثه بهذا الكلام. رغبة غير عادية يشعر بها لأول مرة في حياته. ظمأ عنيد، ثابت، كأنه عطش كل تراب الأرض لكل المطر. ولكن دون جدوى. لم يستيقظ أحد من السائسين أو العمال.
على الرغم من جوعه، كان السائس معذّباً بمرض الحصان الأدهم اللون الذي لم يأكل لليلة الثالثة. الظلام الشديد جعله لا يكاد يستطيع أن يرى، ولكن عينيه صارتا أكثر تعوّداً على الظلام. قصد الإسطبل مباشرة ونادى وهو في الباب:
“الأكحل!”.
وتوقف دقيقة منصتاً. ثم نادى ثانيةً، محاولاً أن يخترق ضباب الظلام:
“الأكحل، أين أنت؟”.
وسمع الحوافر تضرب الأرض ومدّ يديه، دون أن يرى شيئاً. تذكّر صوت الجدجد، وكان يسمعه في النوم، والآن يضجّ من حوله أينما توجه.
“أيّ جدجد هذا لا يسكت ولا لحظة؟”.
قال السائس، وعاد يمسّ جبهة الحصان الساخنة مثل حجارة محمّاة على موقد. حسّ الحصان وسرّح شعره بفرشاة وهو يخاطبه بصوت ودود:
“أيها الغالي، كيف صرتَ؟”
كأن روح الحصان التي يتكلم معها آنذاك لم تعد حاضرة. كان يمدّ أذنيه إلى الأمام بينما انطفأت جذوة الحرارة في عينيه وحلّت محلها ظلمة صارمة باردة. كان وبره لزجاً وعرفه قصير للغاية. شعر السائس بضيق في صدره وجفاف في فمه. لم يقو على التحديق في عيني حصانه برهة أطول، وكان بمقدوره أن يسمع الفرس الكحلاء تهزّ رقبتها وتضرب الأرض. أشعل عود ثقاب وانكشفت له جدران الاسطبل وسقفه. رفع الحصان رأسه، ضمّ منخريه البنيين إلى بعضهما ونشق بعنف ثم تراجع المشفران إلى الوراء وأطبقت الأسنان الناصعة البياض على الهواء بعنف، وهزّ رأسه ورقبته من فوق إلى أسفل. قال السائس، وكان قد انتهى من حسّ وتسريح شعر الحصان المريض:
“حسناً. حسناً”.
فرّش العرف، وتنبه السائس إلى أن الأكحل كان يريّل. مدّ الحصان له خطمه، ونصب أذنيه إلى الأمام وكان يدير عينيه بسرعة فيبدو البياض منهما،. ثم شخر وغمس فمه في الماء حتى المنخرين. عاوده السعال فتقلص جسمه كله تحت وطأة الجهد وانطلق من منخريه قليل من السائل الصافي. عادت أذناه تتهدلان دون حراك على جانبي رأسه المنخفض. جسّ السائس قوائمه وتفحص حرارة مناكبه ثم وضع خده على الخطم ورفع الأجفان ليرى الحدقتين، وكذلك المشفران ليكشف عن اللثتين وأدخل إصبعه في تجويفة الأذن. كان يودّ لو استطاع أن يحدد بيديه موضع الداء في جسد الحصان الممزق منذ أسبوع بالحمى. دلك له صدره وكاهله ثم غرف من بقايا الماء في الحوض ورشّه على بدنه. اقشعرّ جسم الأكحل بينما تصاعد من ظهره الرطب غمام من البخار. تناول السائس دثاراً صوفياً ومسح له وبره المبلل حتى القوائم. كان يفعل ذلك ببطء شديد، بوله، والحصان مستسلم له بصبر ولكنه كان يرتجف ويخمد. كان تنفسه يتصاعد صفيراً حاداً عبر منخريه المسدودين بالمخاط، وهو يحمحم لينظف خطمه ولكن يبدو أن هذا لم يصلح إلا لتفاقم انسداده.
حتى لم يكن باستطاعة السائس النظر إلى السروج الحمر اللامعة المعلقة على الجدار. ساقه إلى الخارج دون أن يسرجه كي يمتطيه، بل سار به قاصداً المستوصف البيطري. الرجل الذي يمتطي جواداً يفوق روحياً وجسدياً وبنسبة متساوية الرجل الذي يسير على قدميه. لكن الأكحل مريض للغاية. لو أن السائس تمكن من الإمساك بهذا الداء، لقلعه، ومزّقَه بأسنانه بشراسة. وهو لا يستطيع ذلك. ليس بمقدوره مساعدة حصانه الجميل غير أن يذهب به إلى المستشفى.
الشارع مظلم، ورائحة الصيف كانت فاغمة في كل مكان. النخيل وأشجار الزيتون وشجيرات الدفلى الحمراء والبيضاء على الجانبين تطلق أريجها الأول والقوي. ضوء ميت بين الأحراش كان يستيقظ مع الغبش ويطلق أنفاسه هو الآخر. وهو يمشي، تنبّه السائس إلى أن ماء غسيل الحصان صار لزجاً في يده. كانت ساعة الصباح الأولى مظلمة، لا أثر للنجوم فيها. هبت ريح هادئة ضاربة سطح الأرض الجاف يميناً وشمالاً، فانبعثت رائحة تشبه رائحة البول فوق طريق مغبرة.
“هذا الظلام مملّ”.
قال السائس بصوت مسموع، يكلّم الحصان فيما يبدو. لا أحد هنا يسمعه غير الجدجد الذي كان يملئ أذنه بالزعيق. الرطوبة في الجو تزداد، بلّلته بالكامل، ومن يره يظنّه كان يسبح بثيابه في النهر. ربما سمع صوتاً ميتاً غير زقزقة الجدجد زاد من إحساسه بثقل الظلام وأنساه الجوع. ثم توقّف الحصان، فجأة. رفع إحدى قائمتيه الخلفيتين، عيناه صارتا باردتين ميتتين، بيضاوين، ومشفراه المبللتان امتلأتا زبداً أخضر. هل عمي الأكحل؟ إنه يسير على هدي صوت حوافره، مطأطأ الرأس، بطيء الخطى، تقوده سكينة وديعة استسلمت لها أعضاء جسده واحداً واحداً، من شعر الناصية الفاحم، حتى الحوافر التي كانت تُنعت، في السابق، بالذهبية. كان وبره قاسياً مشعثاً وقد فقد لمعانه الدهني المعهود. دسّ السائس منديلاً في فم الحصان، مشّط ذيله وطبطب على ظهره، ثم فتح له فمه وأغلقه. العضلات والأعضاء لم تعد تستجيب بدقة، وكان يكلّمه بصوت من تحت شفتيه وأسنانه:
“هش! سوف تشفى وتعود إلى الكحلاء، عروسك”.
أنزل الحيوان قائمته بعد ذلك على الأرض، وعاد إلى السير، وكان صفير حاد يتصاعد من منخريه بينما حشرجاته تدوي قوية، وكان ضوء الفجر الأول ينتشر في السماء. خطوات، وعاد الحصان الهزيل إلى التوقف بعد أن اشتدّ لهاثه وعاوده السعال والزبد الأخضر تجمع ثانية حول فمه. علا غناء الجدجد. حاول السائس أن يدفع الحصان، يجرّه، يساعده قليلاً، وهو لا يزال هادئاً، غير نافد الصبر. ارتجفت قوائم الحصان بضعف، وكان جسده يختضّ مع حشرجة السعال، عيناه نصف مطبقتين والجفنان مثقلان وجافان، لكن السائس كان مطمئناً من تحديقة الحصان ومن بريقها الصافي. إنه يشعر، ربما بسبب الجوع، بخواء عميق الغور في الجوّ، خواء وسهو مديد وصمت وشحوب في الظلام فيما حوله، ثم انتبه إلى أن فمه كان يريّل هو الآخر، فرفع ظهر يده ومسح فمه. تلفّت، يفتش عن الجدجد العملاق الذي كان يقرع الهواء الساكن بصوته.
هل تنام الجداجد؟
منذ أن مرض الأكحل، والسائس يشعر بأن هناك فراغاً رهيباً يشوش له حياته، ويضايقه، وفي اليومين الأخيرين لم يذق، تضامناً مع الحصان المريض، أي طعام، وها هو يستسلم بالكامل للدوار بسبب الوهن. إنه أمر غير منطقي أن يمرض حصان السباق الأجمل والأثمن، والذي يتلقى العناية الصارمة من قبل جميع العاملين في النادي. إسطبله خير مكان من ناحية النظافة، كذلك علفه، ولقاحاته يتلقاها في موعدها دون تأخير، وكان بقربه في الإسطبل الكحلاء، من أرقى الأفراس الأصيلة. في البدء، وطوال الأيام الثلاثة أو الأربعة كان الطبيب المسؤول عن الخيول في النادي متفائلاً في محاولاته كبح الحمى، لكن تفاؤله ما لبث أن بدأ يخبو. أخيراً، أوصى أن يذهب السائس به إلى المستشفى البيطري، لإجراء المزيد من الفحوصات.
بعد ساعة، الأمور على حالها، الحصان ساكن، متيبس، يبدو أن جلده وعظامه القاسية والباردة لا يمكن أن تنكمش وتضمر من الجوع والحمى أكثر من ذلك، ينظر إلى قائمته الأمامية المرفوعة، وعيناه بعيدتان عن الرؤية. كانت قشرة قاسية من مادة مخاطية تلصق بإحكام فوق زاوية كل من العينين. السائس يمسح له الزبد، ويحسّ له عرفه وقد بدأ وجهه يظلم من الحزن والجزع، ويحكّ قدميه بإسفلت الشارع، فاغراً فاهه من الجوع هو الآخر، مرهفاً أذنيه لالتقاط أي صوت قد يكون في الهواء، فربما استيقظ عمال الطبخ وجاء أحدهم لمساعدته، لكنه يعرف أن ليس في وسع أحد اليوم غير طبيب المستوصف البيطري مساعدته. هبطت حمامة على الأرض، وكانت تتطلع إلى السائس. هل يطلب منها العون؟ كان عليه أن يقطع البستان، ثم يخوض في مستنقعات، يتجه بعد ذلك عبر الشارع العام إلى المستشفى البيطري. الجدجد، فيما يبدو، يتبعه بذات النغمة، والصوت نفسه، والإيقاع. إنه لا يريد أن يسوط الحصان، فتلك حماقة تعقّد الأمور أكثر وسوف يندم عليها، وأصابه التفكير هكذا بالأسى، فالحيوان مريض، وهالة من القداسة يراها الجميع هنا تحيط بالجواد الأصيل حين يمرض.
الأشجار حول المبنى داكنة والأرض مشققة بالجفاف ولا طائر يشدو في المكان. قرع السائس باب المستشفى بكلتا يديه، وظلّ يقرع إلى أن سمع صوت الحارس يأتيه من الداخل. هدرت سقاطة الباب وفُتح، وأطل حارس المستوصف:
“ما الذي أتى بك الساعة، الدوام يبدأ في الثامنة؟”.
“لكن الأكحل مريض للغاية”. قال السائس متوسلاً.
“ما به؟”.
“حمى أنهكته منذ أسبوع”.
حسّ حارس المستشفى البيطري ظهر الحصان وسرت في عروقه دغدغة مع رعدة رهيفة وسخونة كاوية.
“أعوذ بالله. ماهذا؟”.
هتف الحارس، وكان السائس يجول ببصره على غرف المستشفى المعتمة، وكانت نجمة الصبح لا تزال تشع في السماء، ولم يكن يسمع غير صوت الجدجد. أدخلا الأكحل إلى باحة المستشفى. الحصان يسعل بقوة ويعرج، ويتوقف عن السير إذا ترك السائس قياده.
“لكن عيني حصانك مطبقتان تماماً. إنه أعمى”.
قال الحارس، وحلّ عندها سكون في الجو، حتى الجدجد سكت. فهم الحارس من النظرة الأولى سوء حال الحصان. كانت عيناه مطبقتين مختومتين بمادة مخاطية جافة، ورأسه يتدلى إلى الأسفل حتى أن خطمه كاد يلامس أعلى الساق. السائس ينظر في وجه الأكحل، وهو ساكن ومتصلب، ويشعر بنبض نجمة الصبح المرتعش. أطلق الحصان رفسة محاولاً أن يتراجع إلى الوراء، واهتز جسمه برعشات عنيفة. تفحص السائس الوضع فيما حوله، ترك الهواء يمر فوق جسده. فجأة، بدأ يستشعر صفاء بصيرة عظيم. أحس بقرب نداوة أزهار البنفسج الرطبة في حديقة المستوصف. لم يخامره شك في شفاء حصانه. للحظات، كان سعيداً. سعادة ثقيلة وقاسية هجمت مباشرة على قلبه، وكان يمكن لها أن توقفه. لكن الخوف وخزه، بغتة، في بطنه الخاوية. إن وبر الحصان قد جفّ بصورة فظيعة. عاد الجدجد يواصل الغناء بحنجرة حادة، قاطعة، ونحلات تطنّ في الهواء ثم تذهب بدداً. الجدجد يظن أن الشمس لم تشرق بعد. قضى حارس المستوصف برهة من الزمن يمرر أنامله في الوبر الخشن. الحشرجة المتصاعدة من صدر الحصان كافية لتهديه إلى تشخيص المرض:
“إنه الخنّاق!”.
صاح الحارس، واتجه إلى داخل المستوصف، وعاد يحمل مدية حادة معقمة.
“هل أنت متأكد؟”.
سأل الحارس. علا غناء الجدجد في تلك اللحظة، حتى أن السائس لم يسمع جواب الحارس الذي كان يجرّب النصل على إبهامه.
“لا تقلق، سيشفى الحصان”.
قال الحارس، وارتفعت الضوضاء التي ترافق تنفس الحصان، وارتجفت قوائمه بضعف. فتح عيناه بصعوبة، وانحرف قليلاً إلى الوراء. لاحظ السائس أن العشب الجديد في الحديقة لا يزال مبللاً بالندى.
“يجب أن نقوم بعمل لإنقاذه، فهو يحتضر” قال الحارس.
“هل تستطيع مساعدته؟” سأل السائس.
“سأحدث ثقباً صغيراً في الرغامي ليستطيع التنفس”.
“ألن تؤذيه؟”.
“كلا”.
لم يقو السائس على الابتعاد. وكانت رؤية فتح الجلد الأحمر مريعة ومؤلمة. قال متألماً:
“سأبقى هنا. هل أنت متأكد من وجوب القيام بذلك؟”.
“نعم، أنا متأكد. الحصان يموت الآن مختنقاً. هل نتركه يموت؟”.
“ابذل كل ما تستطيع القيام به. أرجوك!”.
“إذاً علينا القيام بهذا العمل. إذا بقيت هنا عليك أن تمسك رأسه”.
كان الحارس يمسك المدية باعتناء ودقة. أبقى السائس الرأس مرفوعاً والعنق مشدوداً بينما كان الحارس يجسّ هنا وهناك ليجد المكان المناسب. اختفى رأس المدية اللامع في العنق. حاول الحصان أن يبتعد ثم بقي هادئاَ تهز جسمه رعشات عنيفة. تدفق دم كثيف وسال فوق يد الحارس حتى دخل في كم دشداشته. انبعث النفس من الثقب ناشراً رغوة حمراء خفيفة، واستعاد الحصان نشاطاً مفاجئاً وأطلق رفسة محاولاً أن يتراجع إلى الوراء. كان العمل ممتازاً، حتى أن الجدجد عاد إلى الغناء.
“علينا أن نضع الآن زراً صغيراً داخل الثقب كي لا ينسد ثانية”.
قال الحارس، وكان ينظر في وجه السائس مستفهماُ.
“ما الأمر؟” سأل السائس، وكان ينظر إلى الحارس نظرة ريبة.
“لست متأكداً من وجود الزر في المستوصف. عليّ أن أفتش عنه في صالة العمليات”.
هرول الحارس إلى مبنى المستشفى تاركاً السائس مع الحصان المريض الجريح. كان القيح الأصفر يسيل من الثقب مع الدماء التي أخذت تنزف بغزارة. لا يستطيع أن يشاهد أكثر. أشاح السائس بنظره، وعادت الحشرجة ترافق كل حركة تنفس، حشرجة ضعيفة وعميقة لا تتوقف. دقائق، وتحرّك الحصان بطريقة غريبة. ثنى قائمتيه الأماميتين، ثم انخفضت ساقاه الخلفيتان، وكان جسمه ينخفض بتثاقل، إنما باستكانة. الدماء تنزف من عنقه بشدة، وشيئاً فشيئاً كان هيكل الحصان ينزل، الجرح في الرقبة مفغور، والعروق نافرة من تحت الجلد وأضلاعه ناتئة، كأن بطنه خلا من أثر للطعام، ولرأسه وقوائمه صلابة الحديد. ارتمى الأكحل على الأرض، غارساً مشفريه في التراب، وقد امتلأ فمه بشيء فاتر وأبيض وممزّق. العينان فقط ظلتا تدوران وحشيتان، تشنجات فظيعة خضّت جسمه كله، وقوائمه تتحرك بطيئة متشنجة، وكان ينزف. في تلك اللحظة شمّ السائس رائحة دخان عالقة في عرف الحصان، واشتدت برودة يديه، وتغلغلت في عظامه، وكان يرطّب قلبه المتألم بضوء النهار الجديد، بحرارة الشمس التي كانت تصعد في السماء، متأهبة للعمل.
“أين أنت؟”.
صاح السائس، وظهر الحارس في تلك اللحظة من باب المبنى. الجدجد يظن أن الشمس لم تشرق بعد، يغني، وصوته النفاذ يوشك أن يقوض جدران المستشفى. كان السائس يسبح في عرقه، في مياه لزجة وكثيفة عندما استسلم الحصان أخيراً إلى ثقل بدنه الضخم في طقس انهيار كامل كما لو كان تمثالاً من الخزف.
“ها هو الزر!”.
أعلن الحارس، وكان يسير مستعجل الخطوات، مضطرباً، يرى الدماء الحمراء القانية تتدفق من الجرح، تجري على عنق الحصان وتبقّع التراب. كان القمر يغرب للتو خلف مبنى المستشفى. الحصان، وهو ممدد على الأرض يبدو أكثر طولاً وضخامة، ذيله مشدود إلى الأعلى، وقد ارتفعت الحوافر الأربعة قليلاً عن الأرض. عندما صارت عيناه فارغتين من أيّ لون مات الأكحل بهدوء عجيب دون تأخر، دون تعذيب، جرحه في العنق لا يزال ينزّ دماً وصديداً. غناء الجدجد كان آخذاً بالخفوت شيئاً فشيئاً. سكت الجدجد.
لكن السائس يسمع الآن جدجداً آخر يزقزق في قلبه. كان أريج الأزهار في حديقة المستشفى يحيط به، والريح تتحرك ببطء، تكنس الأرض من التراب الناعم وتحمل معها شذى الأشجار في البستان القريب.
هل يسكت الجدجد؟























